بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وقعه في 6 ديسمبر (كانون الأول) 2017، والذي أعلن فيه اعتبار القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، تقدمت مصر لمجلس الأمن بمشروع قرار صاغته بطلب فلسطيني ونيابة عن المجموعة العربية وتنفيذًا لتوصية من الجامعة العربية في اجتماعها الذي عُقد بالقاهرة على مستوى وزراء الخارجية، حيث تم خلال الاجتماع الاتفاق على عدد من الإجراءات القانونية والدولية لمواجهة قرار ترامب، وتكليف مصر بتقديم مشروع القرار بصفتها العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن.

تقدمت مصر بمشروع القرار الذي دار مضمونه حول الدعوة إلى ضرورة المحافظة على وضعية القدس وفق ما حددته القوانين الدولية السابقة الصادرة عن الأمم المتحدة.

إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت حق النقض (الفيتو) لإحباط مشروع القرار المصري، بينما وافق الأعضاء الأربعة عشر الباقون في مجلس الأمن على مشروع القرار، مما أدى إلى رفضه بناء على (الفيتو) الأمريكي.

وهكذا وكالعادة فقد ساعدت هذه الأداة (الفيتو) الولايات المتحدة الأمريكية على تقديم أفضل دعم سياسي للكيان الصهيوني، عن طريق إفشال صدور أي قرار من مجلس الأمن ضد مصلحة الكيان الصهيوني.

لم يرد لفظ (الفيتو) في ميثاق الأمم المتحدة، بل النص الذي ورد هو (حق الاعتراض)، وهو في واقع الأمر يعني حق إجهاض للقرار الذي يتم مناقشته وليس مجرد اعتراض عليه، ووفق نظام المجلس فإن مشروع القرار الذي يتم طرحه يعتبر مرفوضًا ومنتهيًا إذا اعترضت عليه أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن؛ وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين. إذ يكفي اعتراض أي دولة من هذه الدول الخمس ليتم رفض القرار وإجهاضه، حتى وإن كان مقبولًا لدى جميع الدول الأخرى بالمجلس.

وبالعودة إلى مشروع القرار الذي قدمته مصر، فقد نص على أن «أي قرارات أو تدابير تهدف إلى تغيير هوية أو وضع مدينة القدس أو التكوين السكاني للمدينة المقدسة ليس لها أثر قانوني، ولاغية وباطلة، ولابد من إلغائها التزامًا بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة»، ويدعو المشروع «كل الدول إلى الامتناع عن إقامة بعثات دبلوماسية في مدينة القدس المقدسة تطبيقًا لقرار مجلس الأمن رقم 478 لسنة 1980م»، ويطالب كل الدول «بالالتزام بقرارات مجلس الأمن المتعلقة بمدينة القدس المقدسة، وعدم الاعتراف بأي تدابير أو إجراءات تتناقض مع هذه القرارات».

وهكذا بدا نص مشروع القرار الذي تقدمت به مصر ضعيفًا وعلى غير مستوى الحدث، وجاءت عباراته تدعو بشكل عام إلى احترام قرارات الأمم المتحدة وعدم اتخاذ قرارات أو إجراءات تتناقض معها، ولم يوجه مشروع القرار أي اتهام صريح للولايات المتحدة الأمريكية على اعتبار أنها تخالف قرارات الأمم المتحدة بإعلان ترامب، رغم أن طلب انعقاد مجلس الأمن كان بسبب هذا الإعلان المشؤوم.

ثغرة في مشروع القرار المصري ساعدت أمريكا لاستخدام الفيتو

نص البند الثالث من المادة 27 من ميثاق مجلس الأمن الخاصة بنظام التصويت، على أن «تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة بموافقة أصوات تسعة من أعضائه، يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، بشرط أنه في القرارات المتخذة تطبيقًا لأحكام الفصل السادس والفقرة 3 من المادة 52 يمتنع من كان طرفًا في النزاع عن التصويت».

ومن هنا فقد اشتمل مشروع القرار المصري على ثغرة قانونية تجعله غير ذي جدوى ولا ينهض كمستند قانوني محبوك لإلغاء قرار ترامب، فقد ولد ميتًا قبل أن يتم تقديمه لمجلس الأمن، بل يمكن النظر إليه على أنه إجراء شكلي واستنفاد قانوني لتمرير القرار الأمريكي وعدم إلغائه بعد استخدام (الفيتو) وفق قواعد ومواثيق مجلس الأمن الدولي.

وتكمن مشكلة مشروع القرار المصري في ديباجته؛ فنص مشروع القرار المكون من صفحة واحدة قد خلا من أي إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو رئيسها العنصري ترامب، أي لم يعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أو رئيسها خصمًا أو طرفًا في القضية، فأخرجهما بذلك من كونهما طرفًا في النزاع.

فديباجة نص مشروع القرار قد منحت واشنطن وبكل بساطة مخرجًا قانونيًا على اعتبار أنها ليست طرفًا في النزاع، وبالتالي ووفق ما جاء في ميثاق مجلس الأمن فإن لها الحق في التصويت واستخدام حق النقض (الفيتو).

ولو أن نص مشروع القرار المصري اتجه مباشرة إلى اتهام الولايات المتحدة الأمريكية بالمخالفة الصريحة لقرارات الأمم المتحدة المتصلة بهذا الشأن لأدى هذا إلى حرمانها من حق التصويت لكونها طرفًا في النزاع، وبالتالي عدم قدرتها على استخدام حق (الفيتو)، أما خلو مشروع القرار المصري من ذكرها بالاسم أو اتهامها أو إدانتها أو المطالبة بإلغاء قرارها فقد منحها فرصة ثمينة للتصويت، ومن ثم استخدام حق (الفيتو) لإبطال مشروع القرار، فأمريكا لا يمكن أن تدين نفسها بالموافقة على قرار يلغي قرار رئيسها.

قرارات مجلس الأمن ملزمة لجميع أعضاء الأمم المتحدة

يعتبر مجلس الأمن الدولي أهم هيئة تابعة للأمم المتحدة، هو الجهة التي بإمكانها إصدار قرارات ملزمة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، كما يمكنه إصدار قرارات واجبة التنفيذ بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومن الممكن أن يتم اللجوء إلى القوة في حال امتناع الجهة أو الدولة المعنية عن تنفيذ القرار، أما أجهزة الأمم المتحدة الأخرى فهي تقدم توصيات إلى الدول والحكومات.

وقد نصت المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة على أن «يتعهد جميع أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق».

ولأهمية قرارات مجلس الأمن فقد نصت المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة، على أنه: «عندما يباشر مجلس الأمن، بصدد نزاع أو موقف ما، الوظائف التي رسمت في الميثاق، فليس للجمعية العامة أن تقدّم أية توصية في شأن هذا النزاع أو الموقف إلا إذا طلب ذلك منها مجلس الأمن».

لقد أراد واضعو الميثاق من هذه المادة تجنب حدوث أي تضارب بين الهيئتين، وبذلك منح الميثاق لمجلس الأمن الأسبقية والسلطة العليا في هذا المجال.

وبهذا تبدو فداحة الخطأ في صياغة مشروع القرار المصري وإخراجه بهذه الرداءة وهذا اللين في قضية مركزية كقضية القدس، ومدى الخسارة التي تحققت بضياع فرصة تاريخية كان يمكن أن تضاف إلى غيرها من القرارات الدولية المُلزمة، التي تساهم في عزلة وحصار الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية وكل من في خندقهما، وتذكر العالم دائمًا بتعديهما على القرارات الدولية التي طالما تم تسخيرها لخدمة الكيان الصهيوني، كما سيؤدي إلى مزيد من الحنق على الكيان الصهيوني ومزيد من تعاطف شعوب العالم مع القضية الفلسطينية بعد أن بتنا نسمع عن مقاطعة غربية للمنتجات الصهيونية في الأسواق العالمية.

إلى أن يأتي الوقت الذي يضطر فيه الكيان الصهيوني وحلفاؤه للاعتراف بكافة الحقوق الفلسطينية من خلال المقاومة الحقيقية التي تجبره على الانصياع لها.

تعمد الخارجية المصرية عدم ذكر أمريكا في مشروع القرار

وفي أول موقف رسمي مصري معلن لتطورات المشهد، وعقب الجدل المثار بسبب عدم ذكر الخارجية المصرية لاسم الولايات المتحدة الأمريكية في مشروع القرار المقدم لمجلس الأمن، أقرّ وزير الخارجية المصرية «سامح شكري» في حوار أجرته معه صحيفة «أخبار اليوم» المصرية الحكومية في 22 ديسمبر 2017، بأن صياغة مشروع بلاده الأخير بمجلس الأمن بشأن القدس دون ذكر الولايات المتحدة الأمريكية كانت مقصودة، وجاءت الصياغة مرنة وتوافقية منعًا للصدام معها ولعدم استعداء أي طرف، مؤكدًا أن علاقة بلاده مع واشنطن على قدر من التشعب والعمق ولا تتأثر بالاختلاف في وجهات النظر!

وهكذا كان رفض مجلس الأمن لمشروع القرار المصري معدًا له ومعروفًا مسبقًا، ومع هذا فقد تمت كل هذه الاجتماعات والتحضيرات والإجراءات الشكلية لاكتمال العرض إلى نهايته، وإلا لما وجد إعلامنا العربي ما يقوله، وما استطاع أن يردد على صفحات الجرائد والمجلات والإعلام المرئي والمسموع كيف أن قادتنا ومسئولينا قد خاضوا معارك دبلوماسية كبيرة وتحركات مكوكية واسعة، طرقوا خلالها كل الأبواب واعتلوا كل المنابر ولم يدخروا جهدًا لنصرة القدس والقضية الفلسطينية، وأن جهودهم المباركة كادت أن تؤتي ثمارها لولا الفيتو الأمريكي الملعون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد