الدراما التليفزيونية المصرية جزء لا يتجزأ من حياة المصريين، وهي بمثابة الشيء الحقيقي والصديق المُعبر عن وجدانهم وفكرهم وحياتهم ومشكلاتهم على مختلف العصور، ومهما تطورت واختلفت في شكلها ومضمونها إلا أنها مازالت محل اهتمام وجدل ومشاهدة، وعلى الرغم من تعالي أصوات الانتقادات التي باتت مصاحبة للدراما الرمضانية في كل عام إلا أنها هي النبض الحقيقي لنا، حاولنا في تقريرنا الثاني عن فقدان بهجة رمضان، معرفة أسباب تحول واختلاف الدراما بين الأمس واليوم.

070915_0335_1.jpg

رأت “هدير الهنداوي”، ممثلة في المسرح المستقل، أن سبب تغير الدراما هو تغير شكل الأسرة المصرية والتي كانت في الثمانينات والتسعينات تتمتع بالدفء والتماسك، وكان الالتفاف حول مشاهدة المسلسل هو أمر مُقدس ولا غنى عنه، فكانت الدراما هي لسان حال الناس في ذلك الوقت ومُعبرة عنهم وعن كل ما يعيشونه، بالإضافة إلى ذلك عبقرية كتاب الدراما اّنذاك أمثال أسامة أنور عكاشة ومصطفى محرم الذين كانوا يروون قصصًا بسيطة ورائعة على عكس الاّن.
فتتسم الكثير من القصص الفنية بالفجاجة والمبالغة والبعد أحيانا عن الواقعية فنشاهد موضوعات لا تشبهنا وتكرارها يفقد مصداقيتها حتى وإن كانت تعبر عن الواقع، وأضافت أيضا أن تضاد الصورة له هذا الأثر في نفوس المشاهدين فنحن لا نرى إلا ديكورات فاخرة تعبر عن المجتمع الراقي بكل ما فيه أو نشاهد صورة العشوائيات إذا كنا نريد التعبير عن البسطاء أو الفقراء وغابت عنا صورة الطبقة المتوسطة بكل أشكالها، والتي مازالت تمثل شريحة كبيرة من المجتمع وأصبح من بين عشرات الأعمال نجد عملا واحدًا يتحدث عنها، هذا بالإضافة إلى تغير الأحوال السياسية والاجتماعية في مصر والتي جعلت الأسرة الواحدة ليس لها شكل ثابت.

قد تجد أسرة واحدة وتضم ميولًا واتجاهات فكرية مختلفة فلكل منا قناعاته الخاصة بعكس الماضي كان الناس يتمتعون بالوحدة، رأت أن زيادة الأعمال الفنية هي سلاح ذو حدين فبقدر ما هي فرصة لعمل وإثبات نجاح الكثير من المخرجين والكتاب والممثلين إلا أنها أيضا بمثابة إزعاج شديد للمشاهد، أما عن دخول عنصر الإعلانات وصفت إياها بأنها “لعنة” تجارية تسببت في فصل المشاهد عن المتابعة حتى وإن كان العمل قد حاز على إعجابه لعدم مراعاة عنصر المتعة والمشاهدة الجيدة وغير المتقطعة فاحترام المشاهد يلعب دورا كبيرا فيما وصلنا إليه، بالإضافة إلى ذلك إمكانية إعادة المُشاهدة على مختلف القنوات وأيضا المشاهدة عبر الإنترنت ساهمت في هذا التفكك العام، فكنا في الماضي نستمتع لأننا كنا نعلم أن العمل لا نراه سوى مرة واحدة بعكس الآن، كل شيء مُتاح ومُتوفر وبكميات كبيرة سواء كان في عدد المسلسلات أو في عدد القنوات أيضا.

 

أما عن التترات الخاصة بالمسلسلات وكيفية قياس العمل الجيد، قالت “الهنداوي”: كانت التترات الفنية مؤثرة لأنها كانت ترتبط بصاحب العمل بشكل رئيسي حتى وإن كانت التترات موسيقية فقط لكننا نتذكر العمل من التتر الخاص به ووجود عباقرة مثل عمار الشريعي وغيره من الملحنين كان يضيف للعمل كثيرا، أيضا كان شعراء الأغاني يجتهدون في كتابة كلماتها وكان اختيار المطربين دقيقا ومميزا محمد الحلو وعلي الحجار وحنان ماضي فكل هؤلاء أعلام تترات الأعمال الفنية في هذا العصر.

 

أما الآن فلا نستطيع أن نقول أن التترات سيئة أو غير جيدة ولا يمكننا التعميم لأن مازالت هناك تترات فنية جميلة ومعبرة عن التطور الذي حدث لنا ونمتلك شعراء مبدعين كأمير طعيمة وأيمن بهجت قمر وملحنين كوليد سعد ومحمد رحيم والموسيقار الكبير عمر خيرت وغيرهم كثيرين، فهذا الجيل أيضا موهوب جدا لكن لم يعد التتر لديه نسبة التأثير لأن الأعمال نفسها لم تعد قليلة فالمنافسة والتعددية هي سيدة الموقف، وأرى أن أكبر عيوبها هي غناء بطل العمل أغنية التتر فهذا نوع من الحكر الفني وأيضا هناك تترات ضعيفة جدا من حيث التكوين ولا يعتمد التتر فقط على الأغنية لكنه متماسك ويعتبر شيئا أساسيا لتعريف الناس بنوعية العمل وفي النهاية أؤمن بشدة أنه إن لم يلمس العمل مشاعر المشاهد فلن يتعلق به ويبدأ هذا الشغف من التتر ومرورا بنهاية العمل.

 

وعن قياس العمل الجيد لا يمكننا أن نحدد معايير معينة لأن الدراما أذواق ولكل منا ذوقه، وهناك من يفضل الكوميدي والتراجيدي والسياسي والاجتماعي والبوليسي كما أن لكل منا ميوله المفضلة، ولكن لا نستطيع أن نغفل أهمية عنصر الكتابة والإخراج والتمثيل والديكور والملابس والإضاءة والتصوير، فهذه هي أهم عناصر العمل الجيد المتكامل والتي لا يمكن الفصل بينها، والأداء التمثيلي يعد من أهم عوامل نجاح المسلسلات القديمة فكان كل من يعملون بها أساتذة وموهوبون موهبة حقيقية، على عكس ما هو موجود الاّن من دخول الكثيرين من غير الموهوبين أو المتخصيين إلى عالم التمثيل، وأستطيع أن أقول أن نسبة نجاح مجموع الممثلين الشباب تمثل الواحد والنصف إلى نسبة غير الناجحين، فأمام كل ممثل ناجح ممثل غير ناجح.

 

 

 

قالت أيضا “نيفين سراج الدين، ممثلة في البيت الفني للمسرح” عن الدراما أنها عبارة عن بداية ووسط ونهاية يتضمنها صراع وأحداث في صعود وهبوط ولكي يكون هناك عمل درامي مرئي ناجح لا بد أن يدخل فيه عنصر الإنتاج والإخراج والمونتاج والتصويروالقفلات الصحيحة للحلقات لينتظر المشاهد الحلقات المُقبلة، وقياسا على ما نشاهده اليوم أرى أن هناك فقرًا في الكتابة الدرامية والحوار على الرغم من كثرة الأعمال وقد تكون كثير منها أفكارًا جيدة وقد يكون فريق العمل جيدًا لكن أساس هذا العمل ونواته فقير غير مكتمل الأركان ولن أقوم بالتعميم فهناك بالطبع أعمال مكتوبة ومُنفذة بحرفية.

ولأن أيضا حياتنا كل يوم في جديد ومتغيرة بالطبع قياسا لن تكون الدراما بمعزل عن حياتنا ولكن ما يحزنني حقا كثرة الأعمال التي يطلق عليها مفهوم “النحتاية” أو “السبوبة” والتي لا توجد علاقة بينها وبين الفن والإبداع أي صلة، وأيضا وجودنا في عصر التكنولوجيا رغم تعقيداتها إلا أنها وفرت وقتًا ومجهودًا عن الماضي فما كان يأخذ أياما تقنيا أصبح بضغطة زر يأخذ ساعات إضافة إلى زيادة الجودة وذلك على مستوى الصورة والتصوير فكاميرت السينما الآن أصبحت تستخدم في الأعمال التلفيزيونية وهذا المزيج نشأ من تطور الكاميرات الاحترافية وسهولة الحصول عليها حتى لرجل الشارع العادي غير المتخصص، لكني أحب أن ألفت النظر أحيانا أن التطور والتكنولوجيا قد تكون عاملا سلبيا فعلى سبيل المثال مسلسل “بكار” بعد أن تم إنتاجه بخاصية ثلاثي الأبعاد فقد جماله الذي اعتدنا عليه، شعرنا معه بالغربة فأرى من وجهة نظري أننا يجب أن نستخدم التكنولوجيا لكن ليس بديلا عن الإبداع والإتقان.

 

أما عن التترات فأضافت “سراج الدين” كثير منا لا يعرف أهمية التتر الذي أعتبره مثل غلاف العمل أو عنوانه مثل البرومو بالضبط فهو مهم مثل العمل لأنه يقدم فيها تشويقًا للقصة مُتمثلة في لقطات وموسيقى أو أغنية التتر إضافة إلى التعريف بفريق العمل وللأسف أنا حزينة على بعض التترات التي قد لاتهتم بموسيقى العمل أو كتابة أسماء فريق العمل ببونط لائق يستطيع أن يقرأه البشر العادي وليس ببونط النملة إضافة إلى مونتاج المشاهد التي تجذب للعمل، هناك تترات جيدة لكن ليس للاهتمام بها مثل الماضي فقد نتعرف على أعمال بعنيها من التترات مثل مسلسل لن أعيش في جلباب أبي وحديث الصباح والمساء ورأفت الهجان وليالي الحلمية وألف ليلة وليلة وأرابيسك، وعباقرة موسيقى التتر أمثال الراحلين عمار الشريعي وحسن أبو السعود والشعراء أمثال سيد حجاب والراحل أحمد فؤاد نجم كل ما ذكرته على سبيل المثال وليس الحصر على الرغم أني أرى أن من شعراء هذا الجيل المميزين في التترات الشاعر أيمن بهجت قمر، لكني كنت أتمنى مع التقدم التكنولوجي والتقني أن نجد تترات مكتملة الجوانب أو حتى شبه مكتملة وهذا العام لضيق الوقت حذفت التترات في بدايات العمل مما أثار استيائي.

 

أما عن دخول عنصر الإعلانات قالت: بكل صراحة، السينما والإنتاج التلفزيوني برمته بما يحتويه من أعمال تلفزيونية ودرامية إنتاج وصناعة، عندما يضع المنتج مالا فهو يريد أن يعود إليه مرة أخرى وبمكسب جيد والإعلانات ما هي في الأعمال التلفزيونية إلا بديل لشباك التذاكر في السينما لكن المشكلة أن زيادة الإعلانات قد تؤثر بالسلب على المشاهد وقد تصيبه من كثرتها بالملل لا أستطيع أن أقول أن أمرها جيد بالنسبة لي لكن لأنني أعلم الصناعة ونظرية الإنتاج فهي “شر لابد منه” والحل كما ذكرت سابقا في التصدي لفكرة كثرة الإعلانات هو تشجيع المنتجين على إنتاج مسلسلات خلال شهور السنة وعدم تكدسها في شهر واحد في العام.

 

وعن صدارة النجوم الكبار أو الشباب رأت سراج الدين أن الفن صناعة مُتغيرة والحكم عليه هو أمر نسبي ومن يكون على القمة اليوم قد يتراجع إلى المرتبة الثانية أو حتى الأخيرة فعلى سبيل المثال هناك من يرى أن الفنان عادل إمام استطاع أن يحتفظ بمكان له حتى اليوم بين صفوف النجوم الشباب ومن النجوم الشباب من يحالفه الحظ في اختيار عمل جيد فيصبح في المقدمة وقد يتراجع العام الذي يليه وهو أمر نسبي لا يمكن الحكم عليه وإلا سأظلم.

 

 

 

 

 

أما عن رأي المواطنين فقال “محمود” أرى أن سبب تغير الدراما هو أنه في الماضي كانت تتم كتابة الأعمال بواسطة كبار الكُتاب وكانوا لا يسعون وراء المال وكان أعظمهم أسامة أنور عكاشة الذي كتب لنا العديد من الأعمال الرائعة، أما الاّن فالجميع يهتم بالمال أكثر من أي شيء وهذا أمر سيء ولكن أيضا هناك القليل من الأعمال الجيدة وأرى أن عادل إمام مستمر في الاحتفاظ بمكانته على مدى سنوات عديدة لكننا في حاجة إلى كتابة قصص أفضل بوجه عام، فقصص الآن كلها غير لائقة بالشهر الكريم وتتضمن مشاهد كثيرة خارجة وألفاظًا وعبارات غير مهذبة، ولم نعد نشعر أن الدراما تعبر عنا بالإضافة إلى كثرة الأعمال والزحام أثر على متعة المشاهدة على عكس الماضي كان مسلسلًا أو اثنين فقط.

 

فيما رأت “دعاء” أن الدنيا قد تغيرت كثيرا والدراما ما هي إلا انعكاس لصورة المجتمع وللأسف المجتمع تغير للأسوأ أخلاقيًا بالإضافة إلى ملل الإعلانات المبالغ فيها فكل 10 دقائق يوجد فاصل مما جعلنا نفقد روح المشاهدة المتواصلة.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد