يعتبر فرض الضرائب من أسهل الطرق التي تستخدمها الحكومات لتمويل أي عجز تواجهه في اقتصادها ووضح هذا جليًا بعد ظهور بعض الأخبار عن نية الحكومة المصرية فرض ضريبة على التعليم والعلاج الخاص وضريبة على أكثر من 100 سلعة تعتبرها الحكومة سلع رفاهية وكمالية مثل الحلويات والمكسرات وبعض الأجهزة الكهربائية.

 

 
فرض ضريبة على بعض المواد الخام الداخلة في الصناعات المحلية يؤدي إلى ارتفاع تكلفة انتاجها وبالتالى زيادة أسعار هذه المنتجات في صورتها النهائية ، فمثلاً زيادة الجمارك على المكسرات يرفع من أسعار الحلويات وهكذا ..، فارتفاع أسعار المنتجات يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها وبالتالى انخفاض معدلات انتاجها وتحقيق خسائر لمنتجيها مما يضطرهم، إما لتقليل العمالة وإما تخفيض المرتبات، مما يضغط على نسبة دخل الأسرة وانخفاض معدلات الادخار مما يجبر البنوك على رفع معدلات الفائده لزيادة نسبة الإيداع مما يسبب عائقـًا أمام المقترضين فيتباطأ الاقتصاد أكثر في دائرة الخاسر فيها الاقتصاد الوطني.

فرض الضريبة شيء متعارف عليه في جميع بلدان العالم وخاصة استخدام سياسة تحجيم الواردات لمحاولة السيطرة على الدولار، ولكن الأجدر والأهم هو دراسة تأثيرها الاقتصادي على المجتمع مع القيام بالإجراءات المالية الأخرى التي تضمن عدم تأثر فئة معينة دون أخرى بآثارها السلبية.

 

 
– وهنا التساؤل هل لدينا أزمة اقتصادية أو ما اصطلح على تسميته أزمة دولار؟!

 

 

 
مر الاقتصاد المصري على مدار سنوات عدة بفترات أصعب مما يمر بها الآن مع اختلاف الظروف السياسية الإقليمية والدولية، في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات وبعد عقد اتفاقية السلام توقفت الاستثمارات العربية والخليجية في مصر في الوقت الذي لم تعوض فيه المعونة الأمريكية هذا الفاقد؛ فحدث نقص شديد في الدولار في الاقتصاد المصري في ظل سياسة الانفتاح وزيادة معدلات الطلب مع ضعف في الهيكل الإنتاجي في ذلك الوقت وفقد الجنية المصرى 50% من قيمته وارتفع سعر الدولار من 90-110 قرشًا إلى جنيهين وتسبب هذا في إفلاس العديد من الشركات والبنوك وخسائر كبيرة للمودعين، ومع ذلك تجاوز الاقتصاد المصري الأزمة وحدثت انفراجة بعد تغير الظروف الإقليمية والسياسات التي اتخذتها الحكومة وقتها.

الأصل في المشكلة التي تواجه الاقتصاد المصري هو الفرق الواضح بين الصادرات والواردات في ميزان المدفوعات سواء أكان سلعًا أو خدمات والذي يتجاوز 35 مليار دولار سنويًا نتيجة عجز الهيكل الإنتاجي المصري على مواجهة معدلات الطلب في السوق المصري مما يخلق ضغطـًا كبيرًا على الدولار ومن ثم الطلب على الدولار.

العجز في ميزان المدفوعات يتم علاجه من خلال بنود التحويلات الرأسمالية أو القروض طويلة الأجل أو المنح ونتيجة انخفاض الدعم من هذه البنود نتيجة الظروف الإقليمية والدولية برزت المشكلة بشكل كبير وعلى الحكومة اتخاذ الإجراءات التي تحتوى الأزمة مثل:

1. الحماية الجمركية:

وهو زيادة الجمارك على السلع والمنتجات النهائية الواردة من الخارج وخاصة المنتجات الصينية وهذا الخيار يظل من أهم الخيارات الوارد اتخاذها من جانب الحكومات التي تواجه صعوبات ولكن يبقى الفقراء من أهم المتضررين من هذا القرار بسبب ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار بالإضافة لاتخاذ سلطات الدول المصدرة لإجراءات المعاملة بالمثل، ولكن تظل زيادة الموارد المالية من المنافذ الجمركية وتخفيض الواردات وتقليل الضغط على الدولار والحفاظ على سعره تحت السيطره من أهم مزايا القرار.

ويمكن علاج بعض الآثار السلبية لهذا القرار بدعم الفئات المتضررة من ارتفاع أسعار السلع بما يسمى الدعم النقدي أو عرضها بأسعار مدعومة لفئات معينة.

2. التحرر والتعويم:

وهو ترك الجنية في مواجهة الدولار لحين الوصول لسعر عادل طبيعي فترتفع تكلفة الواردات وينخفض الطلب عليها مما يزيد من فرص المنتج المصري في المنافسة وزيادة إنتاجيته، ولكن يتطلب هنا جهازًا إنتاجيًا قويًا قادرًا على سد الفجوة وتعويض المستهلك.

بالإضافة إلى المضي قدمًا في برنامج الخصخصة وبيع الشركات والأصول الحكومية للقطاع الخاص ويهدف هذا الخيار لرفع كفاءة الجهاز الإنتاجي وزيادة التدفقات الاستثمارية ولكن عند اتخاذ هذا الخيار لابد من من حماية الدولة من الفساد والفاسدين ومحاسبة المتلاعبين بقيمة الأصول للحفاظ على الأموال العامة من السرقة، بالإضافة لقرار تحديد مبلغ الإيداع بالدولار بالبنوك الذي يسبب مشاكل للمستوردين والمستثمرين.

3. رهن الثروة المعدنية:

مثل رهن حقول الغاز والبترول مقابل الحصول على تمويل لمواجهة العجز في الاقتصاد وهذا الخيار تلجأ إليه الحكومات عندما تكون على وشك الإفلاس وتعجز عن توفير الأموال اللازمة لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب ومخاطر هذا الخيار أنه إذا عجزت الحكومة عن سداد الرهن تؤول ملكية نصيبها المرهون إلى الدائنين.

الحقيقة أن انخفاض الصادرات بعد تدمير أسواق مهمة للصادرات المصرية مثل سوريا وليبيا وانخفاض معدلات الاستثمار الأجنبية في الأسواق الناشئة ومنها مصر ساعد كثيرًا على ظهور هذه المشكلة بهذا الشكل.
الإجراءات الحكومية في الفترة القادمة مهمة جدًا، إما أن تدفعنا في اتجاه سياسة انفتاح وتحرر شامل تزيد الفقير فقرًا بعد ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، و إما سياسة تقشف وانغلاق مقابل توفير الاحتياجات الأساسية للشعب فقط، و أما محاولة التوفيق بين السياستين لتجنب الآثار السلبية لكلتا السياستين، ويتوقف هذا على كيفية إدارة الأزمة والقائمين على إدارتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد