“التعليم هو سلاحك الأقوى الذي يمكن أن تستخدمه لتغيير العالم”.

الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا

(1)

انزعج وزير التربية والتعليم المصري، الدكتور محمود أبو النصر، من الافتراءات والتجاوزات الإعلامية المتزايدة في الآونة الأخيرة في حقه، مما جعله يَخرج على وسائل الإعلام المختلفة بتصريح يحاول فيه أن يَشرح لتلك الوسائل الإعلامية “العلاقة الأبوية” التي تَجمعه بمحرري وزارة التربية والتعليم من الصحف الورقية أو المواقع الإلكترونية.

الوزير “الأب” محمود أبو النصر يتعجّب ويندهش من تدخّل وسائل الإعلام بينه وبين “أبنائه” من المحررين والصحفيين، لا سيما وأن علاقته “الأبوية الإنسانية” بينه وبين “أبنائه” تُتيح له إهداء بعضهم “جنيهات ذهبية” على سبيل “العيدية”، تمامًا مثلما يُهدي الأب أبناءه “عيديات” في أوقات الأعياد الرسمية، أو حتى غير الرسمية.

يؤكّد وزير التعليم “الأب” أن “بابه مفتوح لجميع المحررين الصحفيين في أي وقت إيمانًا منه بقيمة الرسالة الإعلامية التي يقومون بها”، على حد قول بيان الوزارة الذي انتقد بشدّة تدخّل الإعلام في العلاقة “الأبوية” بين أبي النصر وأبنائه!

الحقيقة أن بيان وزارة التربية والتعليم في كوكب مصر الشقيق، سبّب أزمة بين المحررين والصحفيين الآخرين المعنيين بتغطية أقسام أخرى بتلك الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، للدرجة التي نادى فيها هؤلاء الصحفيون والمحررون “المغضوب عليهم” بضرورة أن يتبناهم أيضًا الوزير “الأب” أبو النصر، أو على أقل تقدير، يعاملهم مثل أبنائه، رافعين شعار:

“يا وزير التعليم يا سُكّرة، افتكرنا ولو بجنيهات مزوّرة”!

 

(2)

وبخلاف “القلب الكبير” الذي يتمتّع به وزير التعليم المصري، الدكتور محمود أبو النصر، فإن سيادته لا يَنقصه روح الفكاهة والدعابة؛ حيث اعترف أمام الملأ في مداخلة هاتفية لبرنامج “الناس” الذي يُعرض على التلفزيون المصري، بأن “كل الدول تحتذي بمصر في المجالات التعليمية”!

في حقيقة الأمر، لم يُشر أبو النصر إلى التوقيت الذي كانت فيه مصر يُحتذى بها من قِبل الجميع، مما جَعل البعض يُخمّن أن تلك الحقبة المُشار إليها ربما تعود إلى حُكم “مونتحوتب الثاني” وخلفائه من الأسرة الحادية عشر للبلاد عام 2134 قبل الميلاد، في حين ذهب البعض الآخر إلى أن تلك الفترة التي يقصدها أبو النصر هي حتمًا تلك الفترة ما بين حكمي تحتمس الأول وحفيده تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشر في الفترة ما بين عامي 1526 و 1400 قبل الميلاد تقريبًا!

لم يُشر أبو النصر كذلك إلى مجالات التعليم التي تتفوّق فيها مصر على كافة البلدان، مما صعّب الأمر على المُخمّنين وصائدي الماء العَكر من أمثالي، ما جعلنا نرجّح أنه يقصد الإشارة إلى التعليم الأساسي، فمصر بالفعل في مجال التعليم الأساسي يتجاوز فيها معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية نسبة الـ 88%، ولكن ما لا يَعرفه – على ما يبدو- أبو النصر أن معظم هؤلاء التلاميذ “يتسكّعون” في الشوارع والطرقات أثناء فترة الدوام، ناهيك عن أن معدّلات الأمية في بعض المدارس تتجاوز الـ 80%، لذا أرجو ألا يتعجّب السيد الوزير من رؤية تلاميذ في المرحلة الابتدائية أو انتقلوا حديثًا من تلك المرحلة للمرحلة الإعدادية لا يَعرفون القراءة أو الكتابة!

ولكي أكون منصفًا مع الوزير “الأب”، فربما كان يقصد أن نظام التعليم الحكومي العام في مصر هو الأكبر في المنطقة، وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها، ولكن، وفي الوقت نفسه، تُعد معدّلات الإنفاق الحكومي على ذلك النظام التعليمي من أدنى المعدّلات بين دول المنطقة؛ ففي عام 2011 على سبيل المثال، بلغ إجمالي الإنفاق على التعليم نسبة 3.5% من إجمالي الناتج القومي، ما يقدّر بـ 9.5 مليار دولار تقريبًا، وهي نسبة تعادل إنفاق 300 دولار على كل طالب في العام!

نصيحة “أبوية” إلى وزير التربية والتعليم: التعليم في مصر فعلاً كالماء والهواء؛ فالماء إما منقطع على الدوام أو مختلط بماء الصرف الصحي، كما أن الهواء دائمًا ملوّث بالعادم أو بالسحابة السوداء!

(3)

وقبل أن نَغلق فترة “تصريحات الوزراء”، خَرج علينا وزير التعليم العالي هذه المرة، الدكتور السيد عبد الخالق، مؤخّرًا بتصريح ينافس فيه صديقه الصدوق الدكتور “محمود أبو النصر”؛ حيث أكّد “عبد الخالق” أن مصر “تمتلك مستشفيات أفضل من تلك الموجودة ببريطانيا من حيث المباني والتجهيزات”!

والسؤال المُلح الآن: هل الوزير “عبد الخالق” أثناء إدلائه بهذا التصريح خلال لقائه مع المبعوثين المصريين في الجامعات البريطانية مؤخّرًا، كان متأثّرًا بإحدى زياراته الأخيرة لمستشفى “دار الفؤاد”، أم أنه كان يعبّر عن أمانيه لمصر في المستقبل البعيد غير المنظور مثلما صوّرها دكتور “نبيل فاروق” في سلسلة “ملف المستقبل” على لسان الرائد “نور الدين محمود” الذي يعمل في المخابرات العلمية المصرية في المستقبل؟!

وَحدهما الدكتوران “عبد الخالق” و”نبيل فاروق” يعرفان الإجابة عن التساؤل السابق!

 

(4)

في التقرير السنوي لعام 2014/2015 عن التنافسية الذي أصدره مؤخّرًا المنتدى الاقتصادي العالمي، حلّت مصر في المركز الـ 141 من 144 دولة شَملها التقرير في جودة التعليم الأساسي. بمعنى آخر، احتلت مصر المركز الرابع في قاع أسوأ جودة للتعليم الأساسي بين دول العالم. وبما أنني لا أعرف الدول الـ 144 التي تضمّنها التقرير، فربما يكون حال دول مثل أفغانستان وجنوب السودان وربما أريتريا كذلك، أسوأ من مصر في مجال التعليم الأساسي!

أما عن جودة التعليم العالي بالتقرير نفسه، فحدّث ولا حرج؛ حيث تحتل مصر المركز 141 ذاته، متذيّلة قاع الدول من جهة جودة التعليم العالي!

وبالانتقال إلى مجال الرعاية الصحية، تحتل مصر المركز 87، وهو مستوى معقول نسبيًا مقارنة بحال التعليم الأساسي والعالي، ولكن لا أعتقد أن ذلك المستوى يَشفع القول إن مستشفيات مصر أفضل حالاً وأكثر تجهيزًا من مستشفيات بريطانيا!

وإذا ما انتقلنا من تقرير التنافسية العالمي الأخير، إلى أحدث تقارير منظمة اليونسكو حول التقييمات الوطنية لأوضاع التعليم في العالم العربي لعام 2015، نجد أنه أكّد على فشل الدول العربية، بما فيها مصر، في تحقيق أهداف برنامج التعليم للجميع المُعد عام 2009، فضلاً عن التأكيد على تدني جودة التعليم والاعتماد على التلقين بشكل أساسي!

وأشار التقرير ذاته إلى أن هناك ما يقرب من 5 ملايين طفل في سن التعليم الابتدائي ما يزالون خارج أسوار المدارس، منهم 60% من الفتيات. وبما أن مصر أكبر دولة عربية من جهة عدد السكان، فمن المرجّح أن تحظى بنصيب الأسد من عدد الأطفال السابق ذكره “المتسرّبين” من التعليم!

(5)

خلاصة القول، أحب أن أوصّل الرسالة التالية لمعالي الوزيرين الدكتورين “محمود أبو النصر” و”السيد عبد الخالق”:
(معالي الوزيرين الدكتورين “محمود أبو النصر” و”السيد عبد الخالق”، في المرة القادمة عندما تريدان الاستعراض والفشخرة بالتجربة المصرية في مجال التعليم الأساسي والعالي، أرجوكما أن تختارا طالبًا من كل مرحلة تعليمية مختلفة مع توجيه السؤال التالي لهم: “حرب 67 كانت سنة كام؟” بعدها قوما بإدلاء أي تصريحات صحفية حسبما يتراءى لكما)!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تعليم, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد