استعذاب الظهور في صورة الضعيف المضطهد الذي لا حول له ولا قوة، إلا صوت لكلمات لا تسمن ولا تغني من جوع، ليس فقط أسلوبا خاصا بالإخوان المسلمين، بل هو أسلوب الحياة السياسية لأغلب – إن لم يكن كل – رموز المعارضة. فكما يستخدم العسكر فزاعات الإرهاب و(الاجندات الخارجية)، وتنظيم انتخابات مضمونة النتائج لصالح الرئيس مرارا وتكرارا لا تزال المعارضة تريد الظهور كمنافس شريف في مهزلة يعرفون جيدا أن الدخول فيها، وإن كان سيزيدهم شهرة، فهو فقط يمنح عصابات العسكر ما يحتاجونه لإظهار أنهم لا يكممون الأفواه وأنه في النهاية الشعب اختار بكامل إرادته مرشح حزب الجيش.

لا يشغل بال رموز المعارضة نتائج هذه الانتخابات التي يعلمون جيدا أنها ليست في صالحهم؛ لأنهم ببساطة يعتمدون فقط على أصوات المضطهدين في حين أن المضطهدين أنفسهم لن يحق لهم التصويت من داخل السجون أو مراقبة اللجان أو الوقوف ضد خبرة العسكر الطويلة في التزوير. ما سيخرج به مرشحو الرئاسة من المعارضة – ولا أقصد الكومبارسات أو قيادات العسكر التي تم تهميشها سابقا ويسعون لاسترداد كرامتهم، ما سيخرجون به هو وصفهم بأنهم الأبطال الذين تحدوا سفاحا، بالرغم من سابق علمهم أنهم لن يحققوا أي نجاح على أرض الواقع. من سيخسر بحق هم الآلاف القابعون داخل السجون، ومن سينضم إليهم أثناء وبعد هذه المسرحية السخيفة.

نعم سيظهر خالد علي كبطل شاب حاول منافسة سفاح بشرف، بالرغم من أنه يعلم جيدا أن هذه الانتخابات لن تعرف الشرف، وأن أعداء ثورة يناير في الحقيقة فاقدون لأي شرف، ولأية قيمة أخلاقية أخرى، هذا إذا سمح له القضاء الشامخ أصلا أن ينافس فيها. لكن كم نفس ستزهق في المقابل؟ كم بريء سيقتل، ويتهم بأنه كان يخطط لعملية إرهابية في حين أنه تم قتله، وهو يتخفى في الأراضي الزراعية أو في أماكن نائية حفاظا على نفسه من عصابات أمن الدولة التي اعتادت انتهاك حرمة البيوت فجرا!

كم من طالب سيلقى به في زنازن التعذيب، ويتعرض لأسوأ الخبرات في حياته التي ستترك تشوهات في نفسه إلى الأبد! لا أحد من قيادات المعارضة ورجال السياسة فيها يهتم فعليا بهذه الأرواح، هم يرون في الانتخابات فقط تجربة مثيرة جديدة تزيد من رمزيتهم التي بالتالي تحميهم من اعتداء حقيقي من جانب السلطة، فهم محميون دوليا وكاميرات الإعلام الدولي تحيط بهم وتحفظ حقوقهم، وإذا تعرضوا فقط لمجرد توقيف في المطار مثلا يعلمون جيدا أنه وخلال ساعات قليلة ستتهافت البيانات الدولية المنددة والمطالبة بعدم جرح مشاعرهم ومنعهم من السفر، في حين أن الآلاف الذين لا يعلم مصيرهم إلا الله، وتتلاعب المعارضة كما النظام بأرواحهم بهذه البساطة لن يحفظ حياتهم بيان أو تنديد.

ثورة يناير لم تكن أبدا في بدايتها يحكمها قانون أو دستور أو التزام بمسرحيات هزلية، بل كانت ثورة على كل ذلك، ولكن في النهاية يحدد المصير – للأسف – أصحاب الخطابات الدبلوماسية ولاعبو السياسة والمقربون من الإعلام. فهم يحتاجون من يضحي بنفسه بصدق ليشعل الشرارة ويقومون هم بمواجهة الكاميرات، لكن أن يعلن أحد هؤلاء – د. البرادعي على سبيل المثال- أن الحل الحقيقي والوحيد هو الشارع ويكون هو أول المتواجدين فيه وتعقد النية على أنه لا رجوع إلا بالقضاء على حزب الجيش في الحياة السياسية نهائيا وإلى الأبد، هذا ما لا نتوقعه ممن امتهنوا تمثيل دور الطرف الضعيف المعارض دائما ولا يعرف لنفسه دورا آخر أكثر جدية، وهذا ينطبق على كافة أطياف المعارضة من الإخوان المسلمين لليبراليين وغيرهم.

حتى من يقول بالمقاطعة فهو كمن لا يستطيع أن يكمل جملة واحدة مفيدة. هو فقط يقدم المقاطعة كـ(راحة دماغ) واكتفاء بمشاهدة المهزلة من بعيد، لكن أن يتم العمل من الشارع على مناهضة هذه المهزلة وبيان أن ثورة يناير تبدأ من جديد هادمة لذات القتلة وعصابة الجيش ومنافقيهم وعدم السماح بالاستمرار في هذا الكذب، فلا أظن أننا نملك الشجاعة الكافية لإتمام ذلك.

لسنين عدة يمتهن العسكر الإجرام والخداع وتلفيق التهم والتزوير، كما تمتهن المعارضة لعب دور المظلوم المغلوب على أمره الذي ليس لديه مشكلة في فقد الأرواح مقابل المشاركة في مهازل لا تشرفه على الإطلاق. في كل انتخابات رئاسية أو تشريعية نعيش نفس المهزلة بنفس الأسلوب ونتقبل نفس النتائج والعجيب أننا لا نشعر بالملل من تكرار نفس السيناريو وكأن عقولنا أصابها الشلل كضمائرنا ولا مجال لأي إبداع حتى  في تمثيل دور المعارضة ضد عصابة أسرفت في الإجرام والنهب والتدمير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد