على الرغم مما تمنحه نتائج المرحلة الأولى للانتخابات للملياردير المصري المدعوم كنسيًا نجيب ساويرس من أحقية في تشكيل الحكومة القادمة – وذلك إذا استمر تصدر حزبه للانتخابات البرلمانية – ما زال يعتقد قطاع عريض من الإسلاميين لا سيما المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين أن مقاطعة الانتخابات البرلمانية هي الحل الناجع لمواجهة النظام القائم بعد أن فشلت معه محاولة إسقاطه بالمظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات وحتى العمليات النوعية المسلحة لكن ترى لماذا يصر المقاطعون على ذلك الخيار؟

 

 

 

 

يعزى ذلك العزوف عن المشاركة في الانتخابات لسبب أو أكثر مما يلي:

 

  • عدم الاعتراف بشرعية النظام القائم فلقد أتى على ظهر الدبابة -على حد تعبيرهم – والمشاركة في أي استحقاقات يدعو إليها هو نوع من إعطائه صبغة الشرعية.
  • عدم تمتع البرلمان بسلطة تغيير فعالة في ظل نظام حكم شمولي قمعي – على حد تعبيرهم – كالقائم حاليًا.
  • عدم وجود ضمانات كافية تضمن نزاهة الانتخابات وعدم حدوث تزوير.
  • استبعاد أغلب الأحزاب الإسلامية من المشهد الانتخابي وطغيان مرشحي الأحزاب الليبرالية والعلمانية على الترشح للبرلمان.

 

 

 

 

بالطبع كل ما سبق له قدر لا بأس به من الوجاهة الفكرية إلا أن ما سبق من أسباب يسوقها المقاطعون لهي أبلغ رد على فكرة المقاطعة وأوثق دليل وبرهان على حتمية المشاركة الانتخابية، دعونا نعرج سريعًا على كل سبب من تلك الأسباب الأربعة ببعض التحليل:

 

 

 

أولًا: عدم الاعتراف بشرعية النظام القائم وكل ما يقوم به من إجراءات واستحقاقات انتخابية.

 

 

 

 

بعد مرور أكثر من عامين بدا جليًا للقاصي والداني أنه رغم ما يمر به النظام من أزمات اقتصادية إلا أن كل الساسة والمتابعين للشأن المصري الداخلي يكادون يجمعون على أن النظام يتمتع بقدر كبير من الاستقرار

 

 

 

 

 

ولقد نجح النظام في الحصول على اعتراف دولي على مختلف الأصعدة كان آخر دلالته حصوله على مقعد غير دائم في الأمم المتحدة لذا فاعتبار البعض أن مشاركته في الانتخابات ستزيد من شرعية النظام واستقراره هي فكرة لا محل لها من الإعراب فالنظام يتمتع حاليًا بشرعية على الصعيد الدولي واستقرار على الصعيد المحلي

 

 

 

 

 

كما لا يبدو في الافق أية علامات لانفجار مجتمعي قريب عقب المحاولات المستمرة طوال عامين لتثوير الشارع المصري والتي بائت بفشل ذريع.

 

 

 

 

 

 

ثانيًا: عدم تمتع البرلمان بسلطة تغيير فعالة في ظل نظام حكم شمولي قمعي كالقائم حاليًا.

 

 

 

 

المطلع على الدستور القائم يلحظ جيدًا الدور الكبير لمجلس النواب ويرى بوضوح دوره النافذ القادر على تغيير مسار السياسات الداخلية والخارجية للدولة المصرية فالبرلمان القادم قادر على اجتثاث الميراث التشريعي الضخم وفيض القوانين منذ عزل الرئيس السابق د. محمد مرسي حتى الآن

 

 

 

 

 

بل قادر على عزل الرئيس الحالي نفسه ولذا يسعى النظام القائم للتيقن من أن الانتخابات ستأتي بمن لا يمثلون خطرًا عليه، لذا فدعوى أن البرلمان القادم ليس له صلاحيات دعوى جوفاء لا وجود لها على أرض الواقع.

 

 

 

 

 

ثالثًا: عدم وجود ضمانات كافية تضمن نزاهة الانتخابات وعدم حدوث تزوير.

لعل أكبر وأهم ضمانة لنزاهة الانتخابات هي المشاركة المجتمعية الكبيرة والحشد الشعبي الضخم الذي يضمن استحالة تزوير الانتخابات فأي نظام مهما بلغ طغيانه يظل له سقف معين من القدرة على التزوير والتلاعب في الصناديق،

 

 

 

 

 

 

فمثلًا إذا كانت قدرة نظام ما على تزوير بطاقات الاقتراع تبلغ مليون بطاقة فهذا الرقم يظل تافهًا وغير مؤثر إذا كان عدد المصوتين ثلاثين مليون أما لو كان عدد المصوتين ثلاثة ملايين فهذا يعني أن المليون بطاقة المزورة تمثل ثلث الأصوات وبالتالي تمثل تغيرًا جذريًا في ملامح نتائج الانتخابات

 

 

 

 

 

وبالتالي يأتي مجلس على مراد النظام الحاكم بالضبط وهذا أقصى ما يتمناه أي نظام حاكم خاصة في الحالة المصرية الملتبسة لذا فدعوى المقاطعة خوفًا من التزوير لهي مدعاة للتعجب، فالمقاطعة ببساطة تفتح الباب على مصراعيه للتزوير – ربما كان تزويرًا ناعمًا ليس عن طريق تغيير البطاقات، وإنما عن طريق شراء الأصوات وشن حروب نفسية من خلال وسائل الإعلام كما حدث في الجولة الأولى –  فلا سبيل للتغلب على التزوير أقوى من المشاركة الكثيفة،

 

 

 

 

 

 

أما إذا حاول النظام أن يتجاوز الحد في التزوير فإن مصيره سيصبح مصير مبارك وبرلمانه الأخير بعد أن تخيل زبانية نظامه أنهم قادرون على تجاوز الحدود والتلاعب بفجاجة في نتائج الانتخابات فكان أن ثار عليهم من زورت أصواتهم وتهاوى النظام عقب ذلك بأسابيع،

 

 

 

 

 

 

وبالطبع فلقد تعلم الجميع الدرس وأيقنوا أنه مهما بلغت قبضتهم الأمنية تظل لهم حدود معينة لا ينبغي لهم تجاوزها وإلا قوبلوا بطوفان كاسح لا قبل لهم به، مما سبق يبدو جليًا – للأسف الشديد – أن المقاطعين يشاركون عن غير عمد في تغيير إرادة المصريين ويرسمون بسلبيتهم مستقبلًا قاتمًا لا يعلم مداه إلا الله عز وجل.

 

 

 

 

 

رابعًا: استبعاد أغلب الأحزاب الإسلامية من المشهد الانتخابي وطغيان مرشحي الأحزاب الليبرالية والعلمانية على الترشح للبرلمان.

 

 

 

 

بالطبع لا شك أن أغلب المرشحين إما علمانيو الفكر والهوى أو غير مؤدلجين بالمرة – وإنما ما هم إلا أصحاب مصالح – ويظل حزب النور – سواء اتفقنا أو اختلفنا معه – هو الممثل الوحيد عن التيار الإسلامي ولعل حملة التشهير الشرسة والهجوم المتواصل الذي يتعرض له من الأحزاب العلمانية والكنيسة ورجالها لهو دليل جلي على أنه ما زال على الطريق فمحاولات تشويهه المستمرة لم تتوقف ولقد صرح العديد من منافسيه بأن معركتهم معه هي معركة حول هوية الدولة إسلامية أم علمانية،

 

 

 

 

 

 

يأتي ذلك الهجوم الضاري مصحوبًا بدعم كنسي قوي عقب تصريحات البابا تواضرس بعدم قبوله ترشح نصارى على قوائم حزب النور وبعد تصريحات أكثر سخونة من أقطاب كنسية نافذة تحث على ضرورة الحشد ضد الحزب ومحاولة إقصائه من المشهد الانتخابي بأي شكل،

 

 

 

 

 

 

ومما سبق يظهر جليًا أنه مهما اختلف بعض الإسلاميون مع ما قام به حزب النور يظل الحزب هو الأقرب لهم وملاذهم السياسي الأخير في المرحلة القادمة الذي ظل حائط صد قلل كثيرًا مما كان من الممكن أن يتعرض له أبناء الفصيل الإسلامي من تنكيل وإيذاء على الرغم مما عانوه خلال العامين السابقين ويبقى أيضًا هو المنافح الأقوى والوحيد عما تبقى من مشروع إسلامي.

 

 

 

 

 

ومما ذكر آنفًا يتبين أن أغلب المقاطعين من شباب التيار الإسلامي إنما تتحكم بهم عاطفة ملتهبة وانفعال جارف غير مدروس العواقب.

 

 

 

 

 

ترى هل يستجيب شباب الإسلاميين لنداء العاطفة ويؤثروا المقطاعة أم يتغلب العقل والحكمة على العواطف الملتهبة ويدركوا خطورة المرحلة خاصة بعدما أضحى ساويرس قاب قوسين أو أدنى من تشكيل حكومة قد تتحول معها الآلام اليوم – التي نسعى في مداواتها – إلى أحلام الغد التي نسعى للعودة إليها فمرارتها أقل بكثير مما يحمله لنا ساويرس وحزبه في المستقبل القريب.

 

 

 

 

هل يستفيق شباب الحركات الإسلامية لواجب الوقت ويستدركوا ما فات أم أنهم ما زالوا غارقين في الغيبوبة غير مدركين لمخاطر المرحلة؟

 

 

هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد