قبل البداية .. طبعًا لاتعميم، المقصود بالنخبة هنا، النخبة الملوثة بمرض “الغرض” فقط، وهم البعض من النخبة التي تطفو على سطح الحياة السياسية والإعلامية المصرية الآن، وعلى العكس من ذلك، هناك الكثير من النخبة المصرية الشريفة التي قدمت الكثير لكنها لا تطفو على السطح أبدًا!

في كلمته أمام أسبوع شباب الجامعات المصرية العاشر بجامعة قناة السويس، في 13- 9- 2015 قال الرئيس عبدالفتاح السيسي إن “هناك الكثير من مواد الدستور كُتبت بحسن نية”، لافتًا إلى أن “البلاد لا تُحكم بحسن النوايا، ومضيفا أن البرلمان المقبل إما أن يكون إعاقة وإما أن يكون خيرا لبلدنا”.

وعليها .. لم تتأخر “النخبة المصرية” – النخبة التي تتمتع بمواهب خاصة – في التقاط إشارة الرئيس، على اعتبار ان استخدام تعبير “بحسن نية” يستخدم عادةً لتبرير خطأ بكونه خطأ غير مقصود .. ليبدأ بعدها سباق محموم في ماراثون الترويج لتعديل دستور 2014، الدستور الذي لم يختبر بعد! .. بالطبع دستور 2014 يمكن من حيث المبدأ تعديله، أو حتى تغييره، كما أي دستور آخر، سواء في مصر أو في العالم، فالدساتير جهد بشري وليست نصوصًا سماوية مقدسة، على شرط أن يكون التعديل أو الإحلال على أسس مبدئية، “أن يكون خيرًا لبلدنا”، هذه المبدئية المشترطة، لا تنطبق على تعديلات الدستور فقط، بل قبلها يجب أن تنطبق أيضًا على الداعين لتعديل الدستور أو تغييره، حتى لا يخضع الدستور لأغراض دعاه التعديل، أصحاب الأغراض الانتهازية.

في 9- 11- 2015 كتب “أحمد المسلماني” المستشار الإعلامى للرئيس السابق “عدلي منصور”،  مقالًا بجريدة “المصرى اليوم”  بعنوان “دستور 2016.. نقد لجنة الخمسين”، لقد حسم من العنوان مصير دستور 2014 بدستور 2016! حتى قبل أي تطبيق للدستور!  وحتى قبل أن يبدأ عام 2016 نفسه!

ولتبرير الترويج لتعديل الدستور، سقط المسلماني في خلل منهجي واضح! حيث “خلط الزيت بالماء”، في أكثر من موضع! فمثلًا خلط بين “شكل نظام الحكم” و”طبيعة نظام الحكم”! حيث كتب: “… ستكون مشاهدَ ديمقراطية رائعة .. ستكون هناك انتخابات وصناديق.. لكن لن تكون هناك سلطة ولا قرار”. وأضاف: “ستكون هناك ديمقراطية بارزة.. ودولة عاجزة!” أي أن الدولة الديمقراطية دولة عاجزة، والدولة الديكتاتورية دولة قوية! “للخلف در” 63 سنه للوراء! ليستطرد المسلماني: “لا أعرف ما الذي دفع معظم القوى السياسية المصرية، عقب ثورتي يناير ويونيو، للترويج لمزايا النظام البرلماني، وترويج خرافة أن النظام البرلماني أكثر ديمقراطية من النظام الرئاسي! إنني مع نظام رئاسى قوي وضدّ أي ملامح برلمانية ولو كانت عند الحد الأدنى.. ذلك أن بناء دولة في لحظةٍ فارقة ليس مثل تسيير دولة في لحظات القوة” .. البعض يفضلونها ديكتاتورية؟!

إن مرور مصر – كما أي دولة – بلحظة فارقة، هو بالضبط ما يجعلها  في أشد الحاجة لنظام حكم ديمقراطي، وليس العكس! فالديمقراطية هي الأداة الفعالة المجربة تاريخيًا، نتاج خبرة البشرية، ليس فقط للمرور الآمن من اللحظة الفارقة، بل لتحقيق “خير لبلدنا” في كل اللحظات، كما طالب الرئيس السيسي نفسه، في كلمته أمام أسبوع شباب الجامعات المصرية! كما ان وضع شكل نظام الحكم (برلماني أم رئاسي) في مواجهة مع طبيعة نظام الحكم (ديقراطي أم ديكتاتوري)، هو خلط  خبيث ومخزٍ! حيث قد يكون شكل الحكم رئاسيًّا في ظل نظام حكم ديمقراطي، وممكن أيضًا العكس، يكون فيه شكل الحكم رئاسيًّا لكن في ظل نظام حكم ديكتاتوري! ونفس الشيء ما إذا كان شكل الحكم برلمانيًّا! وواقع نظم الحكم في كثير من بلدان العالم ثري ومليء بالعديد من الأمثلة التي تؤكد ذلك .. هل هذا الخلط هو خلط مقصود لتحقيق “غرض” ما ؟! أم أنه مجرد “حسن نية”؟! .. من المستبعد ان مستشار رئيس الجمهورية لا يعرف الفرق بين شكل نظام الحكم، وبين طبيعة نظام الحكم!

طبعًا هناك علاقة جدلية بين الشكل والمضمون (شكل نظام الحكم وطبيعة نظام الحكم)، ولكن هذه العلاقة لا تعني الخلط بين الاثنين، لإحلال الشكل مكان المضمون أو العكس!

وفي معرض رده على نقد الاستاذ حسين عبد الرازق على نفس المقال، كتب المسلماني كلامًا ينزع فيه من الدستور وظيفته الأساسية، من كونه المؤسس للسلطات، بما فيها سلطة الرئيس بالطبع! فيقول: “كما أنه لا يمكن وصف سلطات رئيس الجمهورية في النظام الرئاسي القوي بأنها سلطات استبدادية.. وإنما يتأتّى الاستبداد من تهافت النخبة وضعف المجتمع السياسي، كما أنه يتأتّى من ترهل المؤسسات وتدهور الثقافة والإعلام”! .. أي أن الدستور مؤسس السلطات، والذي يعطي للرئيس سلطات واسعة بريء من التأسيس لسلطة الاستبداد!

باقي مقال المسلماني الذي يحاول فيه بشكل معوج أن يعيد “هندسة التاريخ” لغرض ما! مليء بالمفاهيم المغلوطة، من قبيل “رجب طيب أردوغان .. على حقٍّ في رغبته في تعديل الدستور.. وإلغاء النظام البرلماني وتأسيس نظام رئاسي قوي.. يعطى أردوغان سلطات واسعة”! متجاهلًا كم قتل أردوغان من الأكراد، بل ومن الأتراك أنفسهم، في حرب مفتعلة مع الأكراد، ليتمكن من رفع شعبية حزبه المتدنية في الانتخابات السابقة، كي يتمكن من الحصول على أغلبية في انتخابات برلمانية مبكرة، تمكنه من تعديل الدستور!

وأيضًا يؤكد المسلماني بثقة يحسد عليها: “إن قوة الولايات المتحدة الأساسية في قوة نظامها الرئاسي.. وفي مستوى القوة والمكانة الراسخة التي يحظى بها البيت الأبيض.. إن الرئيس الأمريكي  يملك سلطات «واسعة جدًا».. وبيده أكثر مكونات القرار السياسي الأمريكي”! .. بالطبع.. يشارك كثيرون في تغذية البيت الأبيض بالآراء والأفكار والمعلومات.. لكن القرار بنهاية الأمر عند أوباما”! .. ألا يعلم المسلماني أن قوة الولايات المتحدة الأساسية ليست في قوة نظامها الرئاسي، بل في يد احتكارات هائلة تتحكم في صناعة القرار السياسي الأمريكي! فمثلًا الإنفاق الدفاعي في الولايات المتحدة هو الأعلى عالميًا وأربع أضعاف الصين التي تأتي في المركز الثاني؛ تنفق الولايات المتحدة ما قيمته 682 مليار دولار على عالم الأسلحة، كما ارتفعت حجم مبيعاتها من الأسلحة في الفترة (2010- 2014) بنسبة 23!%.

وكذا احتكارات صناعة وتجارة  البترول، واحتكارات صناعة وتجارة الدواء .. إلخ، وهي الاحتكارات التي يتم اتخاذ القرار السياسي الأمريكي، بما يتسق ومصالحها، من خلال ممثلي هذه الاحتكارات في المجلس التشريعي الأمريكي (الكونغرس) بفرعيه النواب والشيوخ، هل المسلماني لا يعلم، أم يعلم ولكن الغرض مرض؟!

 

حفظ الله الجيش درع وسيف مصر الديمقراطية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد