تحدثنا في الجزء الأول عن نشأة الإمبراطورية المصرية، ورأينا كيف استطاع تحتمس الثالث أن يكون هو المؤسس البارز للإمبراطورية المصرية التي وصلت في عهده إلى ما بعد نهر الفرات، وإلى أقصى الشمال السوري. ولكن هل استمر أبناؤه في الحفاظ على تلك الإمبراطورية؟ هيا نرى!

من الرائع أن السوس لم ينخر في عظام الإمبراطورية المصرية في أعقاب موت المؤسس القوي تحتمس الثالث، إذ حافظ من جاء بعد تحتمس على تلك الإمبراطورية، فالملك أمنحتب الثاني قد شن ثلاث حملات عسكرية في سوريا، وفلسطين لإخماد ثورة الآسيويين هناك، كان أولها في العام الثالث من حكمه استطاع خلالها أن يهزم الثوار في سوريا وأتى بزعمائهم السبعة، وعلق جثثهم على أسوار طيبة، ونباتا حتى يكونوا عبرة لمن يحاول إضعاف سلطة مصر في آسيا، ويمكن الوقوف على هيبة مصر الخارجية في عهد أمنحتب الثاني من النص المصري الذي وصل إلينا من عهده، والذي جاء فيه أن «زعماء دولة الميتاني قد أتوا لمصر وجزيتهم فوق ظهورهم عسى أن يمنحهم جلالته نسمة الحياة»!

لكن نتيجة للمعطيات الإقليمية الجديدة، وازدياد قوة مملكة الحيثيين، دخلت العلاقات المصرية الميتانية مرحلة جديدة تقوم على تسوية الخلافات، ووضع نهاية للصراع، وذلك في عهد الملك تحتمس الرابع، الذي اعترف بالدولة الميتانية، وتزوج من ابنة الملك الميتاني، وأصبحت المملكة الحيثية هي العدو المشترك للمصريين والميتانيين.

وقد تولى بعد تحتمس الرابع الملك العظيم أمنحتب الثالث، وقد كان عصره علامة مميزة في التاريخ المصري ككل، إذ إنه يمكن للباحث ببساطة أن يوصف عصر الملك أمنحتب الثالث بأنه «عصر الحصاد»؛ فلكل فعل نتيجة، ولكل نتيجة سبب، ولقد بذل أجداد المصريين القدماء بداية من عصر تحتمس الأول العرق والجهد، وربما الدموع من أجل إنشاء الإمبراطورية، ويبدو أن دموع الجندي المصري الذي فقد صديقه أثناء عبور نهر الفرات لم تذهب سدى، وعرق الجنود المصريين أثناء السير إلى قادش لم يكن عديم الجدوى، ودقات قلب المصريين أثناء المرور من طريق مجدو الضيق لم تكن إلا طبولًا لبدء حياة المجد والكبرياء لمصر والمصريين، وقد شاءت الأقدار أن يكون عصر الملك أمنحتب الثالث هو عصر حصاد جهد الأجداد، وعرقهم الذي سال لوضع قواعد الإمبراطورية.

فلقد تولى أمنحتب الثالث دفة البلاد وهي في أزهى أحوالها السياسية والاقتصادية؛ وكانت مصر قد استقرت على عرش القمة بعدما استسلم الجميع لثقل قوتها، واستتبت الأمور في الإمبراطورية إلى حد مدهش، وحتى ثورات جس النبض التي كانت تحدث في البلدان الآسيوية، بغرض الاستقلال عن مصر، لم تحدث في عهد أمنحتب الثالث الذي حكم 38 سنة، لم يضطر خلالها أن يقوم بحملات عسكرية باستثناء حملة واحدة في الجنوب.

ولهذا نجد الملك أمنحتب الثالث قد ذهب إلى حياة الدعة والترف، لكن هذا لا ينتقص من جدية الملك على الإطلاق، لأنه – وكما قلنا- كانت أمور الإمبراطورية في عهده رائعة، والأموال، والهدايا كانت تتدفق على الخزائن المصرية من جميع أنحاء الإمبراطورية. فلم يكن هناك من يتجرأ على التفكير في غزو مصر أو حتى الخروج عن حكمها، فتراخت كل مكونات الدولة المصرية بما في ذلك المجتمع المصري نفسه، حيث غدت المدن المصرية تنعم في رغد العيش، وكان يمكن أن تشاهد في شوارع طيبة أسيرات الحرب، وقد غمرن الطرقات بالجمال والرغد. ولم تختص قصور الملوك والأمراء فقط بحفلات الطرب والرقص، بل شملت حتى كبار الموظفين والأغنياء، وامتدت علامات رغد العيش تلك إلى الطبقات الدنيا فشملت العمال والصناع، فكانت مشارب الجعة – بما فيها من راقصات- تثقل أراضي طيبة والمدن المصرية، لدرجة أننا نجد أحد المدرسين يحذر تلميذه من عواقب ارتياد تلك الأماكن لما فيها من أفعال تنافي الآداب العامة. وربما هذا الانحلال الذي صاحب تلك الانتعاشة الاقتصادية قد أغضب بعض الفئات المحافظة في المجتمع المصري القديم، وربما كان هذا بداية للشقاق بين الأسرة الحاكمة وكهنة آمون.

كان أمنحتب الثالث عظيمًا، استطاع الحفاظ على إمبراطورية أجداده على الوجه الأمثل، لكن التاريخ لن يغفر له أبدًا أنه قد أنجب ذاك المتعصب الذي يدعى أخناتون، فلقد كان أخناتون إحدى الشخصيات الهدامة التي لعبت دورًا سلبيًّا جدًّا في التاريخ المصري، وربما تتاح لنا الفرصة مستقبلًا كي نتحدث باستفاضة عن أوجه تعصبه الديني الذي قذف بالبلاد إلى الهاوية.

ومن المعروف أن المتعصب أخناتون لم تذق عروقه الحمية الوطنية التي جرت في عروق أجداده مجرى الدماء، بل كان وطنيًّا خاملًا؛ فلقد سمح لملك الحيثين أن يبتلع الأراضي الشمالية للإمبراطورية المصرية -وهي أراضٍ قد اشتراها أجداده بدمائهم- دون أن يرد بحملات عسكرية قوية تردع المعتدين كأسلافه. بل ووصلت غيبوبته السياسية إلى إهمال استغاثات أهالي البلاد الواقعة تحت الحكم المصري لإنقاذ بلدانهم من هجوم الحيثيين. فنجد رسالة استغاثة من مدينة تونيب جاء فيها «لقد أرسلنا عشرين رسالة لمولانا فرعون مصر، ولا من مجيب!». حتى رسل الإمارات المصرية الذين جاؤوا طلبًا للنجدة لم يعرهم أخناتون أي اهتمام، ولم يكن يستقبلهم! وبنهاية عهد أخناتون كان ملك الحيثيين سبيلوليوماس قد نجح في انتزاع سوريا، والإمارات الفينيقية من مصر. وبهذا تقلصت سلطة مصر بنهاية عهده إلى فلسطين فقط!

ونستكمل في الجزء الثالث إن شاء الله.

رابط الجزء الأول: إمبراطورية مصر- الجزء الأول

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد