كانت تجربة الهكسوس بالنسبة للمصريين مريرة، مرة المذاق، كانت كاللقمة المتحجرة التي تحتجزها كرامة المصريين في حلوقهم، فلقد كان ثمة اعتقاد لدى المصريين بأنهم شعب مختار اختاره رع، فهم فقط الذين اصطفاهم الإله، وخلقهم من دمع عينه، أما بقية الشعوب فهي مخلوقة من سائل مهين، فكان لدى قدماء المصريين قومية تقوم على الكبرياء، والأنفة، لكن ذلك الكبرياء قد تحطم على يد الهكسوس، فتعلم المصريون الدرس، وأدرك أحمس ضرورة وجود جيش قوي منظم يستخدم الأساليب الحديثة في القتال. فبدأ في تنظيم الجيش من جديد. وبرأي الدكتور سمير أديب فإن أحمس «شجع المصريين على الدخول في سلك الجندية فأحبوها، ووجدوا فيها مجالًا للترقي بالجهد الشخصي بعيدًا عن الحسب والنسب». فكان أحمس بذلك هو أول مؤسس للجيش النظامي المصري.

وبالملك أحمس يبدأ التأريخ للدولة الحديثة، بداية من الأسرة الثامنة عشر، وهي أسرة فتية قدمت لمصر الكثير، ولا عجب أن تكون تلك الأسرة قد بهت عليها الطابع العسكري، فتجربة الهكسوس – كما قلنا- كانت مذلة، وأدرك المصريون بعدها ضرورة الخروج من العزلة، فالدفاع عن بلدهم يبدأ من خارج الحدود؛ فقام الملك أحمس بشن حملة عسكرية على رأس قواته – في العام الثاني والعشرين من حكمه- حتى نهر الفرات، ولم تصادفه أي مقاومة تذكر خلال حملته تلك. كما شن تحتمس الأول حملاته العسكرية جنوبًا حتى امتد نفوذ مصر في عهده إلى الجندل الرابع، أما شمالًا فقد وصل النفوذ المصري إلى سوريا وبلاد النهرين، فأقام فيها الحاميات العسكرية، وفرض على أهلها الجزية. كما عمل تحتمس الثاني على تأكيد سيطرة مصر؛ فاضطر إلى إرسال حملة عسكرية جنوبًا لإخماد ثورة في كوش، وأخرى لإخماد ثورة في فلسطين.

وبعد موت تحتمس الثاني، تولى الملك تحتمس الثالث حكم مصر بحكم العرف السائد. لكن زوجة أبيه حتشبسوت استغلت صغر سنه فتحكمت في البلاد، إلى أن أقصته تمامًا عن السلطة في العام الثاني من حكمه. وقد استمر حكمها لمدة 20 سنة اهتمت خلالها بالبعثات التجارية، والأعمال المعمارية، واستغلال مناجم سيناء، وكان كل ذلك على حساب اهتمامها بالأعمال العسكرية، فضعفت تبعًا لذلك هيبة مصر في آسيا، ولم يذكر للملكة أي حملات عسكرية باستثناء حملة أرسلتها لإخماد ثورة في الجنوب، وقد عزلت على أثرها نائب تحتمس الثاني في الجنوب «سني»، واستبدلته بآخر يدعى «أنيني».

حينها كان تحتمس الثالث منخرطًا في الجيش، منتظرًا موت المغتصبة حتشبسوت، كي يكتب لمصر على يده أعظم مصير! وبالفعل ماتت حتشبسوت، فتولى تحتمس الثالث الحكم، ولم يعترف بفترة حكمها، وبدأ التأريخ لفترة حكمه بداية من موت الملك تحتمس الثاني. ولم يكن تحتمس الثالث ملكًا فحسب؛ بل كان مثقفًا، مغرمًا بالتاريخ المصري، وكثيرًا ما اقتطع من وقته لقراءة نصوص الأزمنة الغابرة، وافتتن بشخصيات مصر القديمة، واتخذ سنوسرت الثالث مثلًا أعلى له، وبهذا تتضح أمامنا شخصية ملكنا المعظم تحتمس الثالث، فهو شأنه شأن كل عظماء الأرض قرأ في تاريخ بلاده المجيد، فلما قرأه، آمن بعظمة بلاده؛ فأقسم أن يبعث مجدها مرة أخرى. فلم يكن الدافع الوحيد لتحتمس في توسيع الإمبراطورية هو تأمين المجال الحيوي لمصر فقط، بل كان دافعه أيضًا أنه كان أحد هؤلاء الذين آمنوا بعظمة مصر، وبأن مصر قد خلقت من أجل أن تكون هي القوى العظمى في العالم.

وفي العام الثاني والعشرين من حكمه (العام الأول من انفراده بالحكم)، أراد ملوك آسيا أن يختبروا قوة ملك مصر الجديد، فتجمعوا تحت قيادة أمير قادش، وأعلنوا الثورة على مصر؛ بل وحشدوا جموعهم في مدينة مجدو، فجهز الملك تحتمس جيشه، وتحرك من القنطرة، وقطع مسيرة عشرة أيام حتى وصل إلى غزة، وبعدها قطع مسافة 80 ميلًا حتى وصل إلى إحدى مدن جبل الكرمل. ثم أقام هناك مجلس حرب؛ ليتناقش مع قادته حول غزو مدينة مجدو التي تحصن فيها أعداؤه.

كان هناك ثلاثة طرق للوصول إلى مجدو، الطريق الأول والثاني أكثر أمنًا من الطريق الثالث،لكن المرور منهما يستلزم الدوران حول سفح الجبل، أما الطريق الثالث فهو ممر جبلي ضيق، محفوف بالمخاطر، لا يستطع فيه جنديان أن يسيرا كتفًا بكتف،لكنه يوصل مباشرة إلى مجدو، وقد أجمع مستشارو الملك على وجوب المرور من أحد الطريقين، إلا أن تحتمس فضل عنصر المفاجأة، وصمم على أن يمر الجيش من الممر الثالث، وأن يتقدم هو الجنود،في مغامرة قلبت موازيين المعركة فيما بعد، وتعتبر من أخطر مغامرات الجيوش في العالم القديم على الإطلاق.

كانت قوات العدو قد تمركزت عند نهاية الطريقين الفسيحين معتقدة أن الجيش المصري سيأتي من أحدهما، أو من كليهما؛ لأنه من المستحيل على أي جيش أن يمر من الطريق الثالث الضيق. لكنهم نسوا أن جيش تحتمس جيش استثنائي!

وبالفعل أمر تحتمس جنود الجيش المصري أن يمروا من هذا الممر الضيق، الجندي يلي الجندي، والعربة تلي العربة. وقد نجحت خطة المفاجأة التي أراداها تحتمس، فاجتاح جنود الجيش معسكر الأعداء، وأشاعوا الفوضى والهرج في المعسكر، فاضطر الأعداء إلى الفرار من وجه الجيش المصري تاركين وراءهم معداتهم العسكرية، والغذائية، وتحصنوا خلف حصونهم في مجدو إلى أن رفعوا راية التسليم بعد سبعة أشهر من الحصار المصري للقلعة. وكان هذا الحصار بسبب خطأ ارتكبه جنود الجيش المصري، وهو انشغال الجنود بالاستيلاء على ما تركه الأعداء أثناء فرارهم للتحصن بقلعة مجدو. وقد اعترف النص المصري نفسه بهذا الخطأ، فقد أوضح أنه «إن لم يتجه جنود جلالته بقلوبهم للاستيلاء على ما خلفه العدو لاستولوا على مجدو في اللحظة».

يعتبر تحتمس الثالث هو المؤسس البارز للإمبراطورية المصرية، فقد شن 17 حملة عسكرية – لم يهزم في واحدة منها– استطاع خلالها أن يمد الإمبراطورية المصرية إلى أقصى الشمال السوري، ونهر الفرات في الشمال الشرقي، وفي الجنوب وصلت الإمبراطورية إلى الجندل الرابع عند مدينة نباتا. وشهدت الأعوام المحصورة بين الثلاثة والثلاثين، والخمسة والثلاثين من حكمه على قوة الجيش المصري، وتعاظم قدراته، ففي العام الثالث والثلاثين من حكم تحتمس عبر الجيش المصري نهر الفرات – بالسفن التي تم صنعها في جبيل، وحملت برًّا حتى النهر– فهزم دولة الميتاني، وقام تحتمس بوضع لوحة تذكارية تخلد انتصاراته هناك، ثم عبر غربًا ثانيًا، وتفقد أحوال القوات المصرية في المواني الفينيقية، وأمدها بالمؤن، وفي العام الخامس والثلاثين من حكمه عاد إلى حلب، وفكك – بالقوة- تكتلًا معاديًا لمصر، وشهد العام الـ 42 من حكمه على آخر حملاته العسكرية في آسيا، بعدما وجد أن بعض الإمارات الفينيقية قد انحازت من جديد إلى دولة الميتاني فأجهز بجيشه عليها، وواصل الزحف على قادش التي أعلنت التمرد، وهزم دولة الميتاني من جديد، وحسم هذا النصر الأوضاع تمامًا لصالح مصر في آسيا إلى نهاية عهده، فلم يضطر بعدها إلى القيام بأي حملات عسكرية هناك.

من الجلي أن مصر في عهد تحتمس الثالث قد وصلت إلى قمة مجدها السياسي والعسكري، فقد أجبر تحتمس أهل بابل، وآشور، والحيثيين على دفع الجزية، كما خضعت بعض مدن آسيا الصغرى لسلطة مصر. وبنهاية عهده كانت مصر قد أخضعت شعوب العالم القديم في آسيا؛ فكانت هي الدولة القوية التي لا شريك لها.

نلتقي في الجزء الثاني إن شاء الله.

——————————————————

يمكنك التواصل مع الكاتب حول المقال وموضوعه عبر فيسبوك من خلال الرابط التالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد