الشدة المستنصرية أو الشدة العظمى كما يطلق عليها، من أشد المجاعات التي تعرضت لها مصر منذ عهد يوسف عليه السلام، واستمرت هذه المجاعة سبع سنين. وحدثت في زمن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله فنسبت إليه وعرفت بـ (الشدة المستنصرية).

كيف واجه الناس هذه الفتنة؟ هل تحملوها وصبروا عليها – طوال تلك الفترة – كيف هذا؟! هل أكلوا بعضهم البعض، هل أكلوا الكلاب وذبحوا الدواب؟! فقد نقص منسوب المياه في النيل، حتى بارت الأرض وشح القوت، وانتشرت الأمراض والأوبئة، وبلغ سعر الرغيف خمسة عشر دينارًا، وبحث الناس عن القطط والكلاب ليأكلوها، وبلغ سعر الكلب خمسة دنانير والقطة ثلاثة.

واشتدت المحنة حتى أكل الناس بعضهم بعضًا وكان الرجل يخطف ابن جاره فيشويه ويأكله. وضبطوا رجلًا من السود كان يقف على سطح بيته حتى رأى امرأة في الطريق فقذفها بحبل في نهايته كلابات من الحديد ثم جذبها حتى سقطت في يده، وأخذها إلى داخل بيته وأخذ يقطع من جلدها قطعًا من اللحم، ليأكله، فسمع الناس استغاثتها وخلصوها منه وقتلوه في الحال.

ويروى أن سيدة غنية من نساء القاهرة، آلمها صياح أطفالها الصغار وهم يبكون من الجوع، فلجأت إلى (شكمجية) حليها وأخذت تتحسر؛ لأنها تمتلك ثروة طائلة ولا تستطيع شراء رغيف واحد، فاختارات عقدًا ثمينًا من اللؤلؤ تزيد قيمته عن ألف دينار، وخرجت تطوف الأسواق ولا تجد من يشتريه!

وأخيرًا استطاعت أن تقنع أحد التجار بشرائه مقابل كيس من الدقيق، وشرعت في نقل كيس الدقيق إلى بيتها، ولكنها لم تكد تخطو بضع خطوات حتى هاجمتها جحافل الجياع، فاغتصبوا الدقيق، وعندئذ لم تجد مفرًا من أن تزاحمهم حتى اختطفت لنفسها حفنة من الدقيق، وانطلقت تجري بها إلى بيتها، وعجنت الدقيق وصنعت به قُرَصا صغيرة وخبزتها، وأخفتها في طيات ثوبها، وانطلقت إلى الشارع، صائحة: الجوع الجوع الخبز الخبز، والتف حولها مجموعة من الناس، وسارت معهم إلى بيت الخليفة، ثم أخرجت قرصة من طيات ثوبها ولوحت بها وهي تصيح: أيها الناس فلتعلموا أن هذه القرصة، كلفتني ألف دينار فادعوا معي لمولاي السلطان.

واشتد القحط والوباء؛ فأكلوا الجيف والميتات، وأفنيت الدواب، ولم يبق لخليفة مصر سوى ثلاثة خيول بعد العدد الكثير، ونزل الوزير يومًا عن بغلته، فغفل الغلام عنها؛ لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر وذبحوها وأكلوها، فقبض عليهم، ثم صلبوا، فاغتنم الجياع ستار الليل فهجموا على جثث المصلوبين وأكلوا لحومهم ولم يبق إلا عظامهم.

وقبض على رجل كان يقتل النساء والصبيان ويبيع لحومهم ويدفن رؤوسهم وأطرافهم، فقتل، واشتد الغلاء والوباء حتى أن أهل البيت كانوا يموتون في ليلة واحدة، وكان يموت كل يوم على الأقل ألف نفس، ثم ارتفع العدد إلى عشرة آلاف، وفي يوم مات ثمانية عشرة ألفا، وكان “المستنصر” يتحمل نفقات تكفين عشرين ألفًا على حسابه، حتى فني ثلث أهل مصر، وقيل أنه مات مليون وستمائة ألف نفس، ونزلت الجند لزراعة الأرض بعد أن هلك الفلاحون، وخلت القرى من سكانها، وخربت ضواحي: الفسطاط – العسكر، والقطائع، وتحولت إلى أطلال خربة.

ولم يكن الخليفة – المستنصر– بمنأى عن تلك المجاعة التي عصفت بمصر، فاضطر أن يبيع كل ما في قصره من ثياب وأثاث وسلاح، وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه وذهب وقاره، وكانت إحدى السيدات تتعطف عليه برغيفين كل يوم، ويقال إن أمه وبناته حاولن الفرار إلى بغداد بسب الجوع والفقر.

فاشتد به الجزع والفزع، لما أصاب الرعية، واستدعى والي القاهرة، وشدد عليه بأن يتخذ التدابير اللازمة كي تخرج الغلال إلى الأسواق وإلا فصل رأسه عن جسده.

وكان الوالي ماكرًا، وزاده الحرص على حياته مكرًا ودهاء، فخرج في الحال، واستدعى جماعة من المجرمين المحكوم عليهم بالسجن سنوات طوالًا، وألبسهم ملابس التجار الأثرياء، وحجزهم في غرفة من داره، ثم أرسل فاستدعى تجار الغلال في القاهرة والفسطاط، فلما تكامل عددهم أمر حاجبه (مساعده) فأحضر واحدا من المجرمين.

وفاجأه الوالي بقوله: “ألم يكفك أيها التاجر أن عصيت أمر مولانا الخليفة حتى حبست الغلال ومنعتها عن الأسواق وتسببت في هذه المجاعة التي كادت تودي بالشعب؟” وقبل أن يفيق الرجل من ذهوله وقبل أن يفتح فمه بكلمة للدفاع عن نفسه كان السياف قد أطاح برأسه، وفعل نفس الحيلة مع مجرم آخر. وهنا علت وجوه التجار صفرة الموت! فخروا راكعين متوسلين العفو عنهم على أن يخرجوا ما في مخازنهم من قمح ودقيق إلى الأسواق، ويبيعوا رطل الخبز بدرهم واحد، ولكن الوالي لم يقبل وطلب إليهم أن يكتفوا بدرهم واحد ثمنًا لرطلين، فأعلنوا موافقتهم على طلبه وفي ساعات قليلة كانت الأسواق قد امتلأت بالقمح والخبز والدقيق، ووقف الباعة أمام حوانيتهم ينادون على الخبز كل رطلين بدرهم، وانفرجت الأزمة جزئيًا.

إلى أن كانت الانفراجة الكبرى لتلك المحنة عام 465 هجريًا، عندما عاد النيل إلى معدله المعتاد، وأخذت الحياة تتجدد في شرايين البلاد.

 

ويبدو لنا أن تلك المجاعة ترجع في أسبابها إلى عاملين:

الأول: العوامل الطبيعة وتتمثل في نقص الفيضان ومنسوب مياه النيل، وكانت العامل الرئيسي في اندلاع الأزمة.

الثاني: الجشع والطمع من التجار فلو تعاطف هؤلاء مع – في تلك المحنة – مع ما تتعرض له البلاد لكان من شأن ذلك أن يغير من الآثار السلبية لتلك المجاعة ولكنهم نظروا إلى الموضوع من منطلق الأنانية. ولو ساهموا في بداية المجاعة مثلما ساهموا في نهايتها لانقلبت الأوضاع رأسًا على عقب، ولكن أمر الله قد نفذ، ليقضي الله في النهاية أمرًا كان مفعولَا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, مجاعة, مصر

المصادر

دراسات في التاريخ الإسلامى، جمال الدين الشيال
حسن المحاضرة، السيوطي
إغاثة الأمة بكشف الغمة، المقريزي
عرض التعليقات
تحميل المزيد