يقال إن قيمة الدولة تقاس بقدر علمائها ومثقفيها وفنانيها والرياضيين، فهم بمثابة الرسالة والرؤية اللتان تقدمان الدولة للعالم, ولكن إذا فر العلماء إلى الخارج؛ ليتمكنوا من نيل لقلب عالم بدلًا من مدرس في مدرسة إن أسعده الحظ وتمكن من التعيين, وإذا قرر المثقفون أن يتحلوا بثقافة الشارع بدلا من أن يكونوا هم سببًا لارتقاء الشارع، وقرر الرياضيون تقديم برامج سياسية في حال توقف الدوري, فلا حرج على الفنانين.

ولكن يبدو أن فنانينا قد وجدوا مهام متعددة لأنفسهم تدرّ عليهم ربحًا ووطنية ونجومية أكثر من أي وقت مضى.

مصر الأن أصبحت رائدة لكل دول العالم في “التطبيل والتهييص”، فمنذ رحلة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ألمانيا واصطحابه كوكبة من الوجوه الشابة المعبرة عن مصر وعن الثورة المصرية والذين تتراوح أعمارهم بين الـ25 والـ30 بعد إضافة نصف قرن, ليقوموا بدورهم العظيم في أن يكونوا “حشدًا شعبيًّا” للرئيس المصري في ألمانيا لنبهر العالم وأصبحت تلك المجموعة إن جاز لي أن أسميها “قوات الرقص الشعبي الوطني” محط أنظار العالم, وأضفت كلمة الوطني لأمنح الموضوع قيمة أكبر.

في مكان ما من العالم بينما كان يجلس قائد قوات الحشد الشعبي العراقية على خط النار ويشاهد قناة “صدى البلد” والإعلامي اللامع “أحمد موسى” على اليوتيوب, أعجب كثيرًا بدور الفنانين المصريين في ألمانيا.

عرض الرجل الأمر على رفاقه، وعلى الفور كانت ميليشيات “الحشد الشعبي” العراقية هي أكثر جهة تفهمت الدور العظيم الذي تقوم به القوات المصرية الناعمة, وعلى الفور بدؤوا بطلب وفود فنية عربية والتي وصل منها أربعة وفود حتى الآن، اثنان منهم من مصر وهذا طبعا يدل على التفوق المصري في هذا المجال.

توجة الفنان أحمد ماهر والفنانة حنان شوقي والفنانة وفاء الحكيم في لمحة إنسانيه عظيمة إلى العراق؛ ليحتفلوا بانتصارات الحشد الشعبي في العراق على “داعش”، ويبرر الفنان صاحب عبارة “الراجل مش بس بكلمته” لأنه في حالة الكلمة فإن الرجل ستنتفي عنه هذه الصفة، يبرر ذهابه بأنه ينتمي للقومية العربية، وأن قوات الحشد الشعبي العراقية التي شيدت على فتوى من المرجع الشيعي “علي السيستاني” ليست شيعية وإنها تضم في داخلها قوات سنية ومسيحية، وهو بهذا الشكل يعتقد أنه يقوم بعمل وطني عظيم لا يختلف كثيرا عن دور من هم على شاكلته في الداخل.

ولكن يبدو أن النظام المصري على خلاف كبير مع النظام العراقي أو غير راضٍ عن قوات الحشد الشعبي، إذ أن الحكومة المصرية كان حريًّا بها أن ترسل رجال الصف الأول من “الطبالين” عفوًا أقصد الفنانين المصريين أمثال: “إلهام شاهين وأحمد بدير ويسرا” وتلك الزمرة الرائعة، والذين ندعو الله لهم دومًا أن يحشرهم مع من أحبوا في الآخرة، ولكن يجوز أن يكون لهذا مبرر بأن المجموعة صاحبة التصنيف الأعلى كان لها تعاقدات أخرى.

المدهش في الدور الإنساني الذي قام به فنانونا في العراق هو خبر نشر على موقع “العربي الجديد” تحت عنوان “فنانون مصريون لدعم قوات الحشد الشعبي مقابل مبالغ كبيرة”، وحسب الجريدة فإن الوطنية المصرية كانت هي الأعلى أجرا بين وفود الدول الأخرى، وهذا يدل على أن الإنسانية في الفنان المصري الشامخ لا تقدر بثمن، أما “الهز” ولا أقصد هز الوسط ولكن أقصد هز الطول للذهاب إلى العراق يحتاج بعض النفقات والتي لا تكفي المشاعر الإنسانية وحدها لسدادها.

وعن قوات الحشد الشعبي العراقي وبعيدا عن الانتهاكات والمجازر التي ترتكب منهم في حق السنة كما ذكرت منظمة “هيومن رايت ووتش”، أذكر أني قرأت مقالًا مترجمًا منذ حوالي شهر على موقع “راقب” يتحدث عن قوات الحشد الشعبي في العراق، وأن تلك القوات في طريقها للتحول إلى حزب الله اللبناني الجديد والتي ستسيطر على أجزاء من الأرض والتسليح لن يكون تحت سيطرة الحكومة العراقية، وهو أمر مرجح حدوثه في حال فشلت مشاريع القوانين العراقية التي تنوي ضمهم إلى قوات الحرس الوطني العراقي، وفي هذة الحالة لا أعرف كيف سيكون موقف الفنان الإنسان أحمد ماهر والعظيمة حنان شوقي.

أكثر ما أخشاه حقا ليست صورة الشعب المصري السيئة أمام العالم ولا أي شيء من هذا القبيل فنحن لا نهتم بتلك الصغائر “القافلةُ تسير والكلاب تعوي”، فقط أخشى أن أرى عبارة كـ”وكان للفنانين المصريين دور بارز في الأحداث العالمية والمصيرية التي كانت تمر بها مصر والدول العربية مما ساعد في حشد الوعي الوطني والإرادة وتوحيد الصف “أخشى أن أراها مدونة في كتب التاريخ ليقرأها أبنائي في كتب التاريخ يوما ما.
وهنا أذكر كلمات الزعيم “بدون ذكر أسماء” وهو يتحدث إلى المواطن المصري العبقري ويهتف بملء فمه ويقول: “وبكر تشوفوا مصر”.

يومًا عن يوم يزداد فخري بالحكومة والإدارة المصرية، وأن هذه المجموعة من الفنانين العمالقة تمثلني بالخارج، أنا حقًا أشعر الآن أني أفضل.

وعجبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق, فن, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد