“الحياة مثل قطار الملاهي الذي يَرتفع ويَنخفض فجأة؛ فيمكنك إما أن تَرفع صوتك بالصراخ عندما تصطدم بمطب ما، أو يمكنك أن ترفع يديك فرحًا في الهواء وتستمتع باللحظة”.
شخص مجهول من المؤكّد لا يعيش في مصر

 

(1)

تبدو على اللواء المسؤول بوزارة الداخلية عن مرور القاهرة علامات الارتياح والسعادة وهو يَشهد إنشاء 10 مطبّات صناعية “طبقًا للمواصفات الفنية” بشارع التسعين بالتجمع الخامس ومحور الـ NA وذلك للحدّ من الحوادث المتكرّرة وتهوّر بعض السائقين بتجاوز السرعات المقرّرة داخل المُدُن.

 

نعم، لقد استجاب الله لدعوات المواطنين الذين زُهقت أرواح ذويهم وأقاربهم على تلك الطرقات، لا سيما على محور الـ NA، بسبب تلك الحوادث الناجمة عن السرعات الجنونية.

“حمدًا لله، سينام المواطنون ملء أجفانهم، ولن تُزهق أرواح بعد اليوم، ولا يهم تكلفة هذه المطبّات، فالحدّ من الحوادث وإزهاق الأرواح هو الأهم لدينا، كما أننا وضعنا العلامات المرورية والإرشادية والتحذيرية التي تُشير إلى وجود هذه المطبّات قبلها بمسافة معقولة جدًا، كما تم دهانها باللون الفسفوري العاكس”، هكذا قال اللواء بوزارة الداخلية لأحد مساعديه الأمنيين بقناعة يُحسد عليها!

(2)

(بعدها بيومين)

يستقيظ اللواء نفسه بوزارة الداخلية على مكالمة من أحد القيادات الكبيرة في البلاد، تجعله ينتفض ذعرًا ويتصبّب عرقًا، ويهب بعد هذه المكالمة واقفًا ويرتدي ملابسه على عجل، وهو يقوم بإجراء بعض المكالمات الهاتفية لضباطه المرؤوسين، ويحثّهم فيها على التواجد بمحور الـ NA في غضون نصف ساعة.

يُطلق اللواء زفرة ارتياح وهو يشاهد العمال يُزيلون آخر مطب صناعي على محور الـ NA. الآن، سينعم القيادي الكبير بالبلاد نوعًا ما بالراحة والسلوان، بعد تحطّم سيارة قريب له أمس على محور الـ NA في حادث مريع تسبّب في مقتل زوجة قريبه، وبعض الضحايا الآخرين من سيارات تحطّمت بدورها بسبب المطبّات الصناعية ذات المواصفات “العالمية” على محور الـ NA الذي يُمكن تصنيفه على أنه من الطرقات السريعة!

يُجيب اللواء في وزارة الداخلية بقطاع المرور على سؤال أحد مساعديه مستفسرًا عن إنشاء مطبّات صناعية بمواصفات “عالمية” على محور الـ NA ثم إزالتها بعدها بيومين، بقوله:

لقد أزلنا هذه المطبات الصناعية، استجابة للمواطنين للحدّ من الحوادث المتكرّرة التي تسبّبها إنشاء مثل هذه المطبّات على الطرقات السريعة”!

(3)

(قبل الواقعة بشهر تقريبًا وتزامنًا مع حادث اصطدام أوتوبيس إحدى المدارس الفندقية بسيارة محمّلة بالبنزين في البحيرة وتفحّم الطلاب)

يعترف الدكتور سعد الجيوشي، رئيس الهيئة العامة للطرق والكباري والنقل البري، في مداخلة هاتفية ببرنامج “مساء جديد” بقناة التحرير الفضائية، بأن إصلاح وصيانة الطرقات سيؤدي إلى زيادة نسب الحوادث بين السيارات، موضحًا أن تصليح الطرق سيجعلها أكثر جودة ومتانة، الأمر الذى سيؤدي بدوره إلى زيادة السرعة العشوائية بين السائقين!

وفي حديثه لوسائل الإعلام معلّقًا على حادث البحيرة، صرّح رئيس هيئة الطرق والكباري بأن حوادث الطرق سببها الرئيس هو عدم التزام سائقي المَركبات بضوابط القانون. وأضاف أن اللجنة المشكّلة للتحقيق في الحادث قامت بمعاينة الموقع فنيًا، وأشارت في تقريرها إلى أن شكل الطريق مستقيم فى المسافة الواقع بها التصادم، وأن هذا الطريق متوافر به العلامات الإرشادية والتحذيرية، بالإضافة إلى أنه مخطط بشكل جيد وذلك لزيادة الأمان المروري، كما أن الحادث كان وقت شروق الشمس وأن حالة سطح الطريق جافة ولا توجد عليه أمطار أو أتربة!

وفي سياق آخر، قال مسؤول بمديرية الطرق بمحافظة الدقهلية في الذكرى السنوية لتأبين ضحايا حوادث الطرق: “إن السلوك البشري يُعد العامل الرئيس في وقوع حوادث الطرق، مشيرًا إلى أن الطرق ذات الحالة السيئة لا تشهد وقوع حوادث عكس الطرق السريعة؛ حيث إن الأخيرة تشجع السائقين على السير بسرعة جنونية وعادة لا يتحكمون فى عجلة القيادة، مما يؤدي إلى التصادم أو انقلاب السيارات التى يقودونها”.

ألا لعنة الله على الظنّ السيء والسائقين!

(4)

(قبل الواقعة بأربعة أشهر)
يُطلق الدكتور الجيوشي نفسه مبادرة رفع مستويات الأمان والسلامة على الطرقات بجمهورية مصر العربية، مشيرًا إلى أنه غير راضٍ تمامًا عن المطبّات “العشوائية” المنتشرة على الطرقات، لأن مثل هذه المطبّات تسبّب العديد من الحوادث الكارثية والزحام الشديد نتيجة التوقّف التام للسيارة لعبور هذا المطبّ “العشوائي”.

وأمر الدكتور الجيوشي باستبدال المطبّات “العشوائية” بأخرى “صوتية” في الطرقات الحيوية، وهي مطبّات تعمل على إبطاء سرعة السيارة من 110 كم/ساعة إلى 30 كم/ساعة، كما يبلغ ارتفاع هذه المطبّات “الصوتية” من 1 إلى 2 سم بحدّ أقصى، وهي مكوّنة من 3 مجموعات من شرائح بعرض الطريق؛ كل مجموعة مكوّنة من 5 شرائح تعمل على تنبيه السائق، وذلك حفاظًا على أرواح المواطنين وسلامتهم وضمان السيولة المرورية!

أين مطبّاتي “الصوتية”؟!

(5)

(في وقت سابق من عام 2014)

كشف تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بأن عام 2013 شهد ارتفاعًا ملحوظًا في حوادث الطرق؛ حيث بلغت 15 ألفًا و578 حادثًا نتج عنها 6716 قتيلاً و22411 مصابًا.

كما تصدرت مصر المراكز اﻷولى في عدد ضحايا حوادث الطرق والكباري نتيجة الإهمال؛ فمنذ عام 1992 وخلال عشرين عامًا بحسب جريدة اﻷهرام، أصبح الناتج 245 ألف قتيل ومصاب في 73 ألف حادث، بمعدل 25 ضعفًا مقارنة بالمعدلات العالمية.

وقدّر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خسائر الاقتصاد المصري من وراء حوادث الطرق بنحو 17 مليار جنيه سنويًا!

ناهيك عن أن تكلفة إنشاء مطب بالمعايير الدولية على طريق عرضه 10 أمتار حوالي 15 ألف جنيه، وفقًا للمهندس عادل الكاشف في تصريح له لموقع “دوت مصر”. يَعني أن تكلفة إنشاء مطبّ عرضه 40 مترًا بشارع التسعين أو مثله على محور الـ NA قد يكلّف الدولة 60 ألف جنيه، بمعنى أن مطبّات محور الـ NA كلّفت الدولة تقريبًا 240 ألف جنيه مصري قيمة إنشاء أربعة مطبّات بمعايير “عالمية”، بخلاف تكلفة إزالتهم بعدها التي يعلم الله كم تكلّفت!

(6)

(أسئلة لا إجابة لها)
• مَن يحاسب إدارة المرور بالبلاد على إهدار هذه الأموال لعدم التخطيط الجيد قبل إنشائها، ثم إزالتها بعدها بيومين؟

• إذا كانت المطبّات “الصوتية” هي الحل، على حد قول رئيس هيئة الطرق والكباري، لماذا تم إنشاء مطبات “دُشم إسرائيلية” تُنافس في ارتفاعها ساتر خط برليف الرملي، على الـ NA؟

• كَيف يُمكن التفرقة بين المطبّات “العشوائية” التي يصنعها الأهالي، والمطبّات “العالمية” التي تُقيمها وزارة الداخلية، هل مثلاً عدد الضحايا والمصابين أم الأضرار الناتجة عن كل سيارة مقلوبة؟!

• إذا كانت كافة المطبّات “الحكومية” في مصر، حسب رواية المسؤولين، عليها علامات مرورية وإرشادية وتحذيرية ومطلية بلون فسفوري عاكس، لماذا إذًا تَقع حوادث مريعة ينجم عنها قتلى ومصابين تساهم بشكل كبيرة في إدخال البلاد موسوعة جينيس للأرقام القياسية من أوسع أبوابها؟

عَلى من يَنجح في الإجابة على الأسئلة السابقة، سرعة “الهروب” من البلاد، وتجنّب المطبّات الهوائية على الطائرات المغادرة لمصر المحروسة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد