إذا كنت صحافيًّا مصريًّا، أو عملت بمهنة البحث عن المتاعب في مرحلةٍ من مراحل حياتك، فإنَّ الأحداث التي ستقرأ عنها في هذه الرواية ستكون مألوفةً بالنسبة لك؛ العمر الضائع بين جنبات الصحف، الجري وراء حُلم التعيين للحصول على «كارنيه» نقابة الصحافيين المصريين، الصدمات النفسية في أشخاصٍ أو سياسيين كنت تحسبهم رموزًا وطنيةً، قبل أن تكتشف معاملاتهم وتصرفاتهم «القذرة»، التمويلات المشبوهة للصحف الناصرية، وعلاقات رؤساء تحرير هذه الجرائد بالأجهزة الأمنية.

كل هذه الأحداث وغيرها ستجدها فى الرواية القصيرة البديعة «ودِّع هواك» للروائي المصري والكاتب الصحفى بـ«الأهرام» أشرف عبد الشافي، والصادرة عن دار ميريت للنشر والتوزيع عام 2009.

تعتمد هذه الرواية على شخصيتين رئيستين؛ هما: «حامد» الصحافي الناصري الذي يعمل في جريدة «النضال العربي»، والمعروف بعدائه للصحف القومية أو المملوكة للدولة، أو صحف الحكومة كما يسميها في الرواية، والذي قضى 11 عامًا بالعمل في الصحافة المصرية، وعلى الرغم من ذلك لم ينجح في التعيين وتحقيق حلم «كارنيه» النقابة.

يظل «حامد» متمسكًا بالمبادئ الناصرية، ويرفض الانضمام إلى الصحف الكبرى مثل «الأخبار» أو «الأهرام»، ويهرب كذلك من مطالب أهل قريته الذين كانوا يرونه سندًا لهم، خاصة أنه الوحيد في قريته الذي نجح في «الولوج» إلى عالم الصحافة في العاصمة المصرية القاهرة، فيعتقدون أنه رجل متعدد العلاقات مع المسئولين هناك، فيطلبون منه وظائف لأبنائهم، تراخيص للسلاح الناري، صرف «الورقة الصفراء» التى كانت نصيب المصريين بعد حرب الخليج، والمسماة أيضًا بـ«شيك بنك الرافدين».

يعود «حامد» إلى مسقط رأسه في أسوان، يجرُ ذيول الخيبة بعد رحلةٍ فاشلةٍ في عالم الصحافة القاهرية، لم يحقق منها أية مكاسب مالية أو معنوية، فيصير شخصية مهزومة.

الشخصية الثانية هي «سعيد»، الشاب القادم من المنيا، إحدى محافظات الصعيد، والذي يلتحق بالعمل في إحدى الجرائد الناصرية أيضًا والمسماة بـ«أخبار الوطن» بوساطة من بلدياته الصعيدي «حامد».

وفي هذه الجريدة يتلقى سعيد أولى الصدمات في مهنة البحث عن المتاعب عندما يكلفه رئيس تحريره رجب محمود، بإجراء تحقيق عن «الجاموسة التي ولدت حمارًا في طنطا»، ينجح في إجرائه ثم ينتقل بعد ذلك إلى العمل بالصفحة الثقافية.

من خلال التعليمات التي يتلقاها «سعيد»، نكتشف عبر حديث رئيس التحرير عن بعض أسرار عالم النشر مثل المؤلفين الذين يكتبون في «الجنس»، ويهاجمون في الدين، وصاحب دار النشر فرغلي العدوي الذي لا ينشر كتبًا سوى لـ«البنات الحلوة»؛ طمعًا في التقرب إليهن، ولكن لا تهاجمه الصحيفة لأنه «بيدينا إعلان نقبض به زمايلك»، كما يقول رئيس التحرير لـ«سعيد»، في دلالة واضحة على التأثير الكبير للمواد الإعلانية في تحديد السياسة التحريرية غير المعلنة لكثيرٍ من الصحف.

يظل الشاب الصعيدى «سعيد» يتنقل في العمل بين الجرائد ذات التوجهات الناصرية، وهنا يكشف لنا المؤلف عن بعض مساوئ هذه التجارب؛ من خلال القائمين على أمر هذه الصحف، والذين يسعون لتحقيق المصالح الشخصية بعيدًا عن المبادئ الناصرية، وكذلك يشير الكاتب إلى التمويلات التي كانت تتلقاها هذه المؤسسات شبه الصحفية، التي تروج لنفسها أنها سند الفقراء، والمدافعة عن أحلام القومية العربية، والمبادئ الناصرية، ما يسميه الكاتب في روايته نضال «الخمس نجوم».

فى إحدى الصحف الناصرية، وبعد أن أصبح «سعيد» سكرتيرًا للتحرير يسقط في خطأ يراه قادة الجريدة جريمةً لا تغتفر، ويتعرض بعدها للتحقيق والفصل؛ بعد أن نُشرت صورة الزعيم جمال عبد الناصر بحجم أصغر من صورة مصطفى باشا النحاس، أحد أبرز السياسيين المصريين في القرن العشرين، والذي تولى منصب رئيس وزراء مصر وكان ورئيسًا لمجلس الأمة، وساعد على تأسيس حزب «الوفد»، وعمل زعيمًا له من 1927م إلى 1952 عندما حُل الحزب، فضلًا عن مساهمته في تأسيس جامعة الدول العربية، وفقًا لـ«ويكيبيديا».

من الشخصيات الصحفية فى الرواية أيضًا: خلف نور الدين، الناقد السينمائي، الذي يكتب النقد الفني للأعمال السينمائية دون أن يذهب إلى مشاهدة الفيلم، ويكتفي بقراءة ما كُتب عنها في الصحف الأخرى، ويبحث عن خيطٍ في المكتوب يكون مناسبًا لصحيفته الناصرية، مثل الترويج لأفكار مثل «الأمركة» و«التطبيع»، وإلغاء فكرة الهوية العربية، كما أن هذا الناقد الفني كان أحد قادة مظاهرات 18 و19 يناير (كانون الثاني) (مظاهرات عرفت بانتفاضة الخبز، هي مظاهرات وأعمال شغب شعبية ضد الغلاء، جرت في أيام 18 و19 يناير 1977 في عدة مدن مصرية رفضًا لمشروع ميزانية يرفع الأسعار للعديد من المواد الأساسية).

ولولا أنه شخصٌ زاهدٌ في المناصب، لكان الآن أحد قادة الحزب الحزب الذي تصدر عنه صحيفته.

قد تجد أشباه «خلف نور الدين» ينتشرون في كثيرٍ من الصحف لا سيما الحزبية منها.

وبعيدًا عن عالم «الصحافة الناصرية» التي كشف لنا الكاتب أشرف عبد الشافي كثيرًا من كواليسها في روايته «ودِّع هواك»، نتعرف إلى عالم آخر في «وكالة البلح»، التي تكون المصير الأسود لـ«سعيد» بعد الطرد من الصحيفة الناصرية، فيذهب إلى العمل عند «المعلم ظريف» ابن بشرى شفيق، المنبوذ من إخوته.

في هذه الوكالة نتعرف إلى العديد من الشخصيات، مثل «خليل» الذي توقف مشواره الدراسي عند تعلم القراءة والكتابة، وكان يحلم أن يكون نجمًا سينمائيًّا، ولكن هذا الحلم تبخر مع الأيام، ويتزوج إحدى الجميلات في الوكالة وتدعى «سعاد»، ولكنه يدخل بعدها في مشكلاتٍ تصل إلى الطلاق.

في الوكالة أيضًا نتعرف إلى قوانين البيع والشراء فيها، نرى كثيرًا من الشخصيات الهامشية التي تتحرك عبر صفحات الرواية، سيد الحلاق الذي يساعد «سعيدًا» الصحافي السابق، في العمل عند المعلم «ظريف»، الشاب عماد الذي يعاني مشكلة جنسية تدمر علاقته الزوجية، فضلًا عن العديد من الشخصيات المرتبطة بجميلة الجميلات «سعاد».

الحقيقة أنَّ كثيرًا من الكتاب يسقطون أحيانًا عند الكتابة عن الصحافة؛ وحدث ذلك كثيرًا في أعمالٍ دراميةٍ وسينمائيةٍ، لكن هذا «الفخ» بالطبع لم يسقط به الروائي المصري أشرف عبد الشافي، مؤلف رواية «ودِّع هواك»، لاسيما أنه كاتب صحفي بـ«الأهرام»، أعرق وأكبر المؤسسات الصحفية المصرية، فضلًا عن عمله لفترةٍ بالصحف الحزبية، ويعرف جيدًا خبايا وكواليس العمل بها.

صدرت للكاتب الصحفي والروائي المصري أشرف عبد الشافي عدة أعمالٍ أدبيةٍ منها: المجموعة القصصية «منظر جانبي» عام 2003، عن دار ميريت للنشر والتوزيع، ورواية «ودِّع هواك»، الصادرة عن الدار نفسها، والتى قدمنا قراءةً معمقةً لها، فضلًا عن روايته «أصابع حبيبتي» الصادرة هذا العام عن دار «تويا للنشر والتوزيع»، والتي شارك بها «عبد الشافي» في الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب.

كما أصدر «عبد الشافى» عدة كُتبٍ منها «صلاة الجمعة»، و«المثقفون وكرة القدم»، الذي صدر عام 2017، عن دار صفصافة للنشر، وكتابه «البغاء الصحفي» وكتاب «فودكا»، واللذان كشف فيهما أيضًا عن كواليس الصحافة المصرية وأسرارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد