كانت المأساة وراء المشهد في قاعة مجلس النواب المصري دامية، وراء الصور وخلف الظواهر والأحداث، وبعيدًا عن الكواليس تثبت لكل من له عين ترى وأذن تسمع وعقل يفكر وقلب ينبض، في كل لحظة تقول وتؤكد طوال الوقت أن السلطة الحاكمة اليوم قد أممت السياسة، ليس في الشارع فقط، بل في البرلمان أيضًا! وأننا أمام مسرحية يجرى فيها مزيج من الكوميديا والدراما، وكثير من مشاهدها يُثير الضحك، والبعض الآخر من المشاهد يستدر الدموع، لكن وراء ديكور الكوميديا الباسمة الضاحكة، أوالدراما العابثة الباكية كانت المأساة عنيفة على المسرح الخلفي للأحداث.

في عام 1950 طرح النائب الأستاذ مصطفى مرعي استجوابه الشهير في البرلمان عن تجديد اليخت الملكي المصري المحروسة في إيطاليا بتكاليف باهظة، وكان فؤاد سراج الدين باشا، وهو وقتها وزير الداخلية في الوزارة الوفدية الحاكمة، وسكرتير الوفد، حزب الأغلبية، حاضرًا الجلسة، وطلب من رئيس المجلس وقتها الدكتور محمد حسين هيكل باشا، الأديب الكبير، أن يوقف مصطفى مرعي عند حده، ولا يسمح له بالخوض في أمور تتصل بالقصر، الملك فاروق، وتهمه. وعندما لاحظ فؤاد سراج الدين باشا أن هيكل باشا لا يستجيب له وجه إليه تلك الصيحة التي اشتهرت في التاريخ السياسي والبرلمانى المصرى والتي قال فيها لهيكل باشا:

إنني أستطيع أن أرى الكرسي يهتز من تحتك،(يقصد كرسي رئاسة مجلس النواب).

كان ذلك مشهدًا ومثالًا من مشاهد وأمثلة تدخلات السلطة التنفيذية المعينة في التوجيه والتأثير على السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب مصدر كل السلطات، كما كان يقال ويُرفع في شعارات حزب الأغلبية: الوفد وقتها!

نتيجة بحث الصور عن صور لفؤاد سراج الدين

فؤاد سراج الدين

ومما لا شك فيه أن البرلمان المصري اليوم هو طبعة رديئة جدًا من برلمانات عصر مبارك السيئ؛ فالبرلمان المصري اليوم مشغول بمناقشة البنطلونات المقطعة، وحديث نائب عن كشف العذرية، وآخر عن بيع الجنسية، ورابع يطالب بتعديل الدستور  لمد فترة حكم رئيس الجمهورية في عملية نفاق فج ومفضوح، فضلًا عن أن هناك نوابًا متورطين في قضية فساد توريد القمح. ولعل الكثير من النواب اليوم يشبهون في تأييدهم للنظام الحاكم اليوم ذلك الشاعر الذي دخل على أحد الحكام في العهد المملوكي، وكانت مصر وقتها قد أصيبت بزلزال عنيف، فقال ذلك الشاعر مادحًا:

ما زُلزلت مصر من كيدٍ أريد بها .. لكنها رقصت من عدلكُم طربًا!

نتيجة بحث الصور عن صور لمجلس الشعب المصرى

صورة من برلمان مبارك

فالمجلس تم السيطرة عليه بأغلبية مصنوعة من قبل الأجهزة الأمنية فيما عُرف بقائمة في حب مصر، وكان على رأسها لواء المخابرات الأسبق سامح سيف اليزل قبل أن يتوفاه الله، ولم تعد هناك معارضة إلا ممن رحم ربي. وقد استطاعت الأجهزة الأمنية هندسته على المقاس المطلوب؛ ليصبح برلمان موافقين، كما كان قبل ثورة يناير، ولعل البرلمان المصري اليوم ورئيسه علي عبد العال ينطبق عليهم قول الشاعر الذي أراد أن يمتدح أحد الحكام فقال له:

إنه لم يقُل لا إلا في تشهده!

قائمة في حب مصر

إن تصرفات البرلمان الحالي وأفعال رئيسه الذي لا يجيد الحديث باللغة العربية د. على عبد العال تصرفات وأفعال فيها ما يثير الدهشة والسخط الذى يبعث على الضجر مرات، وفيها ما يبعث على الحزن حتى الكمد مرات أخرى.

د.على عبد العال

إن رئيس المجلس الذى اعتاد أن يصرخ في الأعضاء المعترضين منتهرًا زاجرًا، بل مهددًا ومتوعدًا لأي نائب يخرج عن النص، إن ذلك حدث مع نواب كتلة (25-30) التي تحمل لواء المعارضة داخل البرلمان.

وبالإضافة لأسلوب التهديد والوعيد بالثبور وعظائم الأمور، فإن أسلوب التشويه المعنوي قد تم استخدامه ضد نواب آخرين، أمثال النائب خالد يوسف، والنائب ضياء داوود.

إن المطلوب من كل ذلك هو توجيه رسالة لجميع النواب بأن المعارضة الحقيقية للحكومة والنظام الحاكم ككل غير مسموح بها أو مطلوبة على الأقل في الفترة الحالية.

نتيجة بحث الصور عن صور النائب ضياء داوود

النائب ضياء داوود

نتيجة بحث الصور عن صور النائب خالد يوسف

النائب خالد يوسف

ولعل واقعة إسقاط العضوية عن النائب محمد عصمت السادات خير دليل على ما أقول؛ فمعروف أن النائب المذكور  كان مستهدفًا منذ رئاسته للجنة حقوق الإنسان، وأنه حين فضح قصة الـ ١٨ مليون جنيه التي دُفعت في غمرة الأزمة الاقتصادية ثمنًا لشراء ثلاث سيارات لرئاسة المجلس، واعتُبرت تصرفات النائب بمثابة تحدٍّ للنظام قد خرج سافرًا، وأصبح مخاطرة على أرض مجهولة. وأن النائب بذلك استفز رئيس البرلمان الدكتور علي عبد العال، وربما يكون استفز آخرين في الأجهزة الأمنية؛ مما دفع رئيس البرلمان لتصفية الحساب المتراكم معه والتخلص منه.

وذهب النائب السادات إلى بيته مقهورًا ممرورًا ليصبح عبرة لمن يعتبر.

نتيجة بحث الصور عن صور النائب محمد عصمت السادات

محمد عصمت السادات

إن رئيس المجلس الهُمام المقدام! قد اعتاد أن يُبلغ النواب

أن كل واحد منهم له سجله الذى يمكن أن يُفتح للإطاحة به في أية لحظة

 وقد فعلها مع السادات، وقال ذلك في نفس الجلسة لنائب آخر هو النائب حسام الرفاعي؛ الذي اعترض على فصل زميله، ولم يكتف رئيس المجلس بذلك، بل قرر طرد الأخير من الجلسة، وقبل الطرد قرّعه وهدده؛ لأنه تحدث عن أن النائب السادات نائب وطني تم انتخابه بواسطة الجماهير في انتخابات حرة ولا يجوز تخوينه، فاعتبر رئيس المجلس أن هذا الكلام بمثابة مزايدة ودرس في الوطنية لا محل له.

وبعد التقريع أنذره قائلًا:

لم أقبل الحديث منك، ولدي الكثير سأقوله في الوقت المناسب، أرجو أن تتوقف، وإلا سأتخذ الإجراءات القانونية ضدك. فسأله النائب: يعني الدور علي؟

ولم تكن رسالة الترهيب والوعيد موجهة إلى النائب وحده، ولكنها بدت موجهة أيضًا إلى أي نائب آخر يعترض على أسلوب إدارة جلسات البرلمان أو يأخذ المعارضة مأخذ الجد!

لم تكن تلك الرسالة الوحيدة المضمرة في قرار إسقاط عضوية السادات، لأن القرار جاء محملًا برسائل عديدة لأعضاء البرلمان جميعًا، ومن تلك الرسائل:

  • أن المعارضة داخل المجلس لها حدود وعلى جميع الأعضاء الالتزام بتلك الحدود وعدم الخروج عنها.
  • أن أي عضو سيخرج عن المسموح به داخل جدران قاعة التشريع ستُفتح ملفاته وتنشر صفحاته على الملأ؛ ليكون عبرة لمن يعتبر.
  • أن الأجهزة الأمنية المعنية تتابع الجميع وتتجسس على الكافة، حتى النواب أنفسهم، الذين من المفترض أن تكون لديهم حصانة بنص الدستور!
  • أن أي نائب سيخرج عن السياق المرسوم سيواجه، إما بأسلوب الزجر والتقريع، كما حدث ويحدث مع النائب أحمد طنطاوي، مرورًا بالتشويه المعنوي، كما حدث مع النائبين خالد يوسف وضياء داوود، وصولًا إلى الطرد من جنة المجلس ونعيمه!  كما حدث مع النائب السادات.

ولعل ذلك ما دفع أحد النواب، مصطفى كمال الدين حسين، إلى أن يقول بعد إسقاط عضوية السادات:

 إنهم أصبحوا داخل مجلس تأديب، وليس مجلس نواب!

إن تلك الأساليب القصرية من رئيس المجلس وأعوانه لم تقتصر على داخل المجلس، بل امتدت لخارجه أيضًا فقد قام   رئيس المجلس المغوار بتقديم بلاغ في الصحافي إبراهيم عيسى؛ بتهمة إهانة رئيس البرلمان، ولم يكتف الرجل بذلك، بل تقمص الرجل دور عنترة بن شداد، وقام بالهجوم على صحيفة الأهرام لمجرد أن صحفيًا بها تجرأ وهاجم معيته السامية! هذا بالإضافة إلى أنه منع أحد المصورين من دخول المجلس للتغطية الصحفية؛ لأنه التقط له صورة أثناء إدارته لجلسات المجلس، وقد اعتبرها الفارس المغوار غير لائقة، وكأن المصور قد اخترع اللقطة! وكان الأولى بالرجل أن يكتب لافتة يعلقها على المجلس من الخارج مكتوب عليها: ممنوع الاقتراب أو التصوير!

نتيجة بحث الصور عن صورة الدكتور على عبد العال وهو يرسل قبلة فى الهواء

الصورة التى سببت أزمة!

لكن أساليب القسر والترويع التى ينتهجها المجلس ورئيسه تتحول بتصرفات ومناقشات وقرارات المجلس إلى أضحوكة!

فعندما نعرف أن الحكومة المصرية على وشك أن تستلم الدفعة الثانية من قرض صندوق النقد الدولي، في حين أن المجلس لازال يناقش قبول القرض من عدمه! فنحن أمام استهانة بحرمة المعاني.

إن كل تلك الأحداث والمشاهد المضحكة أحيانًا والمبكية أحيانًا، والعبثية طوال الوقت؛ جعلت كثيريين يحنون إلى أيام برلمان الدكتور أحمد فتحي سرور، سيد قراره! ويترحمون عليها!

نتيجة بحث الصور عن صورة ل أحمد فتحى سرور وعلى عبد العال

المصريون بين برلمان سيد قراره في الماضي وبرلمان عليا الطلاق لو سمحت اليوم!

ولعل حالنا اليوم يكاد يتشابه  مع ما حدث في إسبانيا في ثورتها؛ حينما أصدرت عصبة الدفاع عن الجمهورية بيانًا في وجه الثورة المضادة هناك قائلةً:

عندما طلبنا العدل أخذوا منا الحرية، وعندما طلبنا الحرية كان كل ما حصلنا عليه هو سيرك برلماني هزيل

وكانت كل تلك المشاهد وغيرها في مجلس الشعب المصرى! بمثابة درس لا يجب أن يفوت، وعبرة وعظة على النواب وغير النواب أن يفهموها جيدًا، ويستوعبوها بعمق، ويتصرفوا وفقًا لمقتضاها بحذر.

 فقد كانت المأساة وراء المشهد في قاعة مجلس النواب المصري دامية وراء الصور وخلف الظواهر والأحداث، وبعيدًا عن الكواليس تثبت لكل من له عين ترى وأذن تسمع وعقل يفكر وقلب ينبض فص كل لحظة تقول وتؤكد طوال الوقت أن السلطة الحاكمةاليوم قد أممت السياسة، ليس في الشارع فقط، بل فى البرلمان أيضًا، وأننا أمام مسرحية يجري فيها مزيج من الكوميديا والدراما، وكثير من مشاهدها يُثير الضحك، والبعض الآخر من المشاهد يستدر الدموع، لكن وراء ديكور الكوميديا الباسمة الضاحكة أو الدراما العابثة المبكية كانت المأساة عنيفة على المسرح الخلفي للأحداث.

نتيجة بحث الصور عن صور السيسى ومرسى وعبد العال

وأخيرًا فإننا تحولنا بإرادتنا أو بدونها إلى متفرجين على عالم من صور ومشاهد من برلمان عالم سمسم! ونحن نرى كلام وأفعال نواب من عينة مصطفى بكري الذي قام بتسريب مكالمة للسادات في برنامجه، ومرتضى منصور الذي اتهم السادات بالخيانة، ومحمد الحسيني الذي قام بإخراج الكارت الأحمر للسادات في جلسة طرده، كما اصطحب معه كرة قدم، إلا أن الأمن منعه من إدخالها إلى مقر القاعة، وعلل النائب اصطحابه لكرة القادم قائلًا: كنت سأقول له أنت لاعب محترف، تلعب ضد الوطن، خذ تلك الكرة، والعب بها خارج البرلمان!

كل تلك الأفعال والتصريحات يجب ألا تمنع أن يتذكر رئيس البرلمان علي عبد العال بين الحين والآخر أننا في قلب الألفية الثانية، وأننا شعب قام بثورتين عظيمتين: 25يناير، و30يونيو، وأننا أسقطنا رئيسين: مبارك، مرسي، وأننا عينا رئيسًا انتقاليًا: عدلي منصور، وأننا انتخبنا رئيسين: مرسي، السيسي، ويفعل على منصة البرلمان كما يفعل المجاذيب في حي السيدة زينب أو سيدنا الحسين أثناء زحام ما بعد صلاة الجمعة زاعقًا:

حي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد