لو تتبعنا منحنى الانحدار في تاريخ مصر الحديث يُرجعه البعض من المفكرين والأدباء والمثقفين، وهم الذين يمتنعون في كثير من الأوقات من ذكره، والاستعاضة عنه بأن أزمة مصر منذ أربعة وستين عامًا، أي منذ عام 1952، بالإضافة إلى شريحة كبيرة من المجتمع المصري تؤمن بأن سبب هذا الانحدار هو انقلاب الجيش عام 1952 (ثورة الضباط الأحرار)، وإطاحة الحكم الملكي، وإعلان الجمهورية في 18 يونيو عام 1953، وما ترتب عليه من دخول الجيش الحياة السياسية والاقتصادية؛ مما سيؤثر بالطبع وبطبيعة الأمور على مهمته الأساسية، وهي الدفاع عن الوطن والانشغال بأمور مدنية لا علاقة للجيش بها، هذه وجهة نظر لها الكثير من المؤيدين كما ذكرنا.

وإن كنت أختلف معهم في السبب، فإني اتفق معهم في التوقيت، أي بداية الانحدار (1952).

مع قيام الانقلاب العسكري (ثورة يوليو ) لم تتغير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقط؛ بل تغيرت أيضًا الهوية المصرية وأخذ جمال عبد الناصر (القائد الفعلي للثورة) آنذاك على عاتقه التوجه نحو القومية العربية، وتنصيب نفسه زعيمًا ومدافعًا عنها، واندثرت فكرة القومية المصرية التي دعا لها أشخاص كثر نذكر منهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، الذي قال فيها الحضارة المصرية والفرعونية متأصلة في نفوس المصريين، وستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى والمصري فرعوني قبل أن يكون عربيًّا، ولا يطلب من مصر أن تتخلى عن فرعونيتها وإلا سيكون معنا ذلك: اهدمي يا مصر أبا الهول والأهرامات وانسي نفسك واتبعينا. لا تطلبوا من مصر أكثر مما تستطيع أن تعطي، مصر لن تتدخل وحدة عربية سواءً كانت في القاهرة أو دمشق أو بغداد.

ومع تحول مصر من فكرة القومية المصرية إلى القومية العربية، تحولت معها الأفكار، ولكن بقيت فكرة القومية المصرية متأصلة، وعلامة جوهرية في نفوس المصريين دون أي تأثير أو تدخل من النخبة أو الحكومات المتعاقبة على مصر، وهنا نشير إلى ما قاله المؤرخ دايتون في جامعة أكسفورد: «المصريون ليسوا عربًا، والعرب واعون لهذه الحقيقة، هم يتحدثون العربية، وهم مسلمون أيضًا ومتعلقون بالدين بشدة بحيث يلعب الدين الجزء الأكبر من حياتهم وتوجهاتهم، وله تأثير على دوافعهم وميولهم كما هو الحال في سوريا والعراق، لكن المصري وخلال الثلاثين سنة الأولى من القرن العشرين، لم تكن تربطه أي علاقة مع الشرق العربي، إن مصر تتعاطف وتتأثر مع القضايا العربية، وفي الوقت ذاته ترى أنها فرصة كبيرة ومناسبة لأخذ القيادة والريادة على العالم العربي، والتمتع بالهيمنة على الدول العربية، ومع ذلك مصالح مصر الرئيسية ما تزال محلية وقومية».

وما يثبت صحة رأي دايتون من وجهة نظرنا أن مصر حينما وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، لم تلتفت إلى قوميتها العربية، وما حركها هو «مصلحة مصر» كما ذكرها الرئيس محمد أنور السادات في أحد خطاباته، إذن مصالح مصر الرئيسية ما تزال محلية وقومية.

إذن ما علاقة الجيش بكل ما سبق؟

تخلي مصر عن قوميتها المصرية وهي المتأصلة في نفوس المصريين جعل من الجيش القوى السياسية الوحيدة التي ينظر إليها المصريون على أنها رمز لهذه القومية غير الموجودة ظاهريًّا، والمتأصلة وجدانيًّا، وهو ما نجح فيه بامتياز في إزاحته حكم الإخوان المسلمين بقصد أو بدون، وهذا يأخذنا إلى حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن العلاقة بين القوات المسلحة، والشعب راسخة ومبنية على أسس من الحب الحقيقي. ونحن بدورنا لا نتذكر للجيش المصري سوى انتصار محدود ضد إسرائيل تم إنجاحه من خلال مفاوضات سياسية، فمن أين جاء كل هذا الحب؟

جاء من إظهار الجيش نفسه على أنه الممثل الوحيد لهذه القومية، ولن يخرج الجيش أبدًا من الحياة السياسية والاقتصادية، وتنصاع قياداته إلى قيادة مدنية ما لم تأخذ على عاتقها هذه القيادة المدنية فكرة القومية المصرية، فظهور هذه الفكرة سوف يزيل العلاقة الراسخة والمبنية على أسس من الحب الحقيقي (المزيف من وجهة نظرنا)؛ بل ونعتقد أن القوات المسلحة سوف تلتف وراء هذه القوة المدنية المطالبة بالقومية المصرية.

إذن متى؟ وكيف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد