الإعلام قد يكون مرآة عاكسة لحال الدولة وما يدور فيها، وطريق المعرفة للمواطن الباحث عن الحقيقة والوصول إليها بشكل دقيق غير مشوه، كما أن الإعلام يلعب الدور الأبرز في تشكيل أو صنع رأي عام على مقاس الحكام السلطويين عادة، ويكون تأثيره أكبر في المجتمعات المتخلفة أو ذات الثقافة المحدودة، أو المجتمعات التي ورثت التعاطي مع الإعلام النمطي الكلاسيكي غير المبدع.

المتأمل للحالة التي عليها الإعلام المصري وماوصل إليه من تردي وسوء بشكل غير مسبوق، يرصد عدة مفارقات أدت لتراجعه بشدة، حتى الفترة التي كان يتوهج فيها عبد الناصر، وخصامه الشهير مع الإخوان المسلمين والزج بهم في السجون،لم يكن إعلامه بهذه الصفاقة بصنع حالة استقطاب حادة مصحوبة “بكره وتمييز” مثل الحالة التي يعيشها الإعلام المصري بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من أحداث، بسقوط الإخوان وصعود الجيش ليتصدر المشهد بشكل أقوى وأكثر استبدادا عن السابق، ووسط كل هذه التغييرات ما عدنا نسمع عن الصحفي النجم الذي يهرول له قراؤه منتظرين ما يكتبه يوميا.

وغابت أيضًا الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيرًا ونجومية، كما كان في السابق خاصة حقبة السبعينيات والثمانينيات، ليتراجع الإعلام المصري خطوات للوراء وأصبح الآن في حاجة لصناعة جديدة تأتي بنجوم حقيقيين، يثرون الساحة لا مجرد أسماء وهمية لايشعر بها القارئ.

مبارك وتجربة شردي وصحف الأحزاب

وحتى يكون الحديث دقيقًا علينا أن نعود قليلًا إلى الوراء لحقبة حكم حسني مبارك طوال العقود الثلاثة التي سبق ثورة 25 يناير، وكيف حافظ الإعلام المقروء خاصة على وجوده الفاعل بوجود الوسيلة النجم والصحفي النجم في آن واحد، رغم الانفراد الكامل بحكم الدولة من النظام القائم وتهميش دور المعارضة التي تمتعت ببعض من الرصيد الشعبي في الشارع، وكانت صحيفة الوفد برئاسة مصطفي شردي علامة فارقة، بخلقها أجواء يشعر معها القارئ والمتابع أنها ذات تأثير قوي وفعال، وصوت يقابل صوت السلطة القوي والقاسي أحيانًا ويتصدى له.

وعكست بقوة عراقة حزب الوفد وتاريخه ونضاله السياسي، إلى أن رحل شردي عام 1989 لتبدأ تجربته في الانحسار والتراجع، لتتبنى “الوفد” الآن وجهة نظر السلطة وهي الصحيفة المعارضة بالأساس، وأفل نجمها بشكل سريع وصعب أن تسترد ولو جزء بسيط من الذي كانت عليه في عهد الراحل شردي، ولم تكن صحيفة الوفد النجم الأوحد في عهد مبارك، إلا أن صحفا مثل الشعب والأحرار والأهالي لعبت دورًا بارزًا في ثبات الإعلام المصري وتميزه، إضافة إلى الجوانب السياسية التي أحدثتها كل وسيلة من الصحف الثلاثة إلى جانب صحيفة الوفد.

إعلام ما بعد ثورة 25 يناير ينقسم لـ 3 مراحل:

بعد قيام ثورة يناير وانهيار حكم المؤسسة العسكرية، والتحول نحو الديمقراطية بإيقاع سريع، كان لابد أن يتغير الوضع، وندخل في مرحلة تشكيل وعي جديد يتوق إليها الشعب، وتوالت إصدارات جديدة من صحف وقنوات فضائية، ليصل عددها إلى المئات “ولا توجد إحصائية دقيقة تحدد العدد الحقيقي” لهذه الوسائل، ولم ترق واحدة منها لدرجة النجومية، بل سارع أغلبها في إيجاد مكان له باحثًا عن مصلحته بالأساس عند السلطة الجديدة، ويمكن تقسيم المرحلة لثلاث مراحل هي:

1 ـ مرحلة المجلس العسكري

1 ـ مرحلة ما بعد الثورة مباشرة والأداء الإعلامي المتهور دون رقابة وهي فترة حكم “المجلس العسكري” والسباق المحموم لكتابة كل ما يمكن أن يقال أو لا يقال، وغاب المنطق تمامًا، حتى أن الإعلام من كثرة استقطابه وتفرغه في التشكيك في المجلس العسكري وصلت لدرجة اتهام أعضائه بالخيانة والكذب فصحيفة “التحرير” مثلًا خرجت بعنوان مثير وأكثر فظاظة وجرأة يقول: ” كذابون” والقصد بالطبع المجلس العسكر ونشر صورة الفتاة المسحولة في ميدان التحرير.

وهي الفترة التي كشفت بصدق الأزمة التي يعانيها الإعلام المصري وتراجعه وغياب تأثيره وتلونه بحسب ما يراه فيه مصلحته بالأساس، ووضح مدى تكالبه الواضح والمتسارع لخلق أجواء مشحونة اعتمد فيها على الإثارة والتهييج ببث أخبار ليست صادقة، لتحقيق هدف معين أو الوصول لغرض في النفس.

2 ـ مرحلة “محمد مرسي” الرئيس المنتخب

2 ـ مرحلة ما بعد انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسًا للجمهورية، كأول رئيس مدني منتخب في التاريخ، وهي المرحلة الأكثر استقطابًا، والأكثر كذبًا وافتراءات، والأكثر تشويهًا للإنسان المصري، والأكثر صنعًا لرأي عام متحفز قابل للاشتعال في أي لحظة، وكانت البداية بالعمل من أول يوم ضد الرئيس المنتخب “له ما له وعليه ما عليه”.

“لكنها ستبقى الفترة الأكثر صنعًا لوضع غير حقيقي” وصنع واقع مزرٍ بفعل فاعل وهي المرحلة التي شرعت الباب على مصراعيه لعودة رموز الدولة العميقة، رغم الثناء الذي حظي به مرسي عندما أقال المشير محمد حسين طنطاوي والفريق سامي عنان، وما تبعها من إقالة المستشار عبد المجيد محمود النائب العام وهي مطالب ثورية تبناها الإعلام وألح في تنفيذها بشكل يومي، لينقلب على مرسي عندما أقدم عليها، خاصة بعد الإعلان الدستوري الذي كان المطية التي ركبتها الدولة العميقة مقدمة الثوار في الصفوف الأمامية وتولت هي عملية ضخ السموم إعلاميًا، ليبلع الجميع الطعم ليسقط مرسي سريعًا ولم يتحمل “غلوة” في يد هؤلاء وهو غير المتمرس في السلطة بالأساس، كما وضح مدى تطويع الإعلام وتوجيهه إلى هدف معين هو إسقاط حكم مرسي، حتى لو كلف ذلك البلاد خسائر فادحة ومشاحنات وانقسامات مازلنا نعاني منها حتى اليوم.

3 ـ مرحلة السيسي الآن!

المرحلة الثالثة والتي نعيشها الآن هي مرحلة ما بعد انتخاب السيسي رئيسًا، قادمًا من المؤسسة العسكرية، وهي المرحلة الأسوأ على الإطلاق منذ بداية القرن الماضي، والتي لم يسبق أن مر بها الإعلام المصري سوى في عهد جمال عبد الناصر، بخلق الصوت الواحد، والملقن الواحد، والناشر الواحد والاتجاه الواحد “والكذب والتضليل” المنمق الواحد.

وكل الأمور التي صنعها الإعلام ويصنعها للآن مُسيرًا لا مخيرًا، وكانت تعليمات الدولة العميقة من البداية واضحة “إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا” قبل أحداث 3 يوليو والانقلاب رأسًا على عقب “ما بين قبل وبعد” ليلحق الجميع غصبًا بسفينة 3 يوليو ويخفت الصوت المقابل للأبد وينسى ما نادى به في السابق وأصبح يقول ويروج لعكسه تمامًا.

وبإيقاع سريع جدًا تحولت الأصوات المختلفة لصوت واحد يسبح بحمد الحاكم، واتفق الجميع على دفن كل ما نادت به الثورة، والترويج على أنها كانت “مؤامرة” الهدف منها تقسيم مصر، ومات المنطق بالسكتة القلبية، وأصبح اللامعقول هو الذي يتمسك به الجميع مع مرور عام على حكم السيسي “فهو الرجل الذي لا يخطئ” و” الذي لا يأتيه الباطل من خلفه أو أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله”، وبات افتتاح دورة مياة في جامعة أو مدرسة إنجاز، وصنع بطارية سيارة إعجاز، وتقفيل سيارة من ماركة “جيب” عبقرية مصرية، ليفقد الإعلام المصري بوصلته وريادته وربما لعدة عقود مقبلة.

وجاءت فضيحة تهليل وتصفيق الصحفيين المصريين الحاضرين لمؤتمر “السيسي وميركل” لترسخ لحالة اللامعوق التي يعيشها هذا الإعلام، والذي وصفه الإعلام الألماني بأنه تصرف غير مألوف ويحدث لأول مرة في دار المستشارية الألمانية، ليواصل الإعلام المصري ترديه وتراجعه ورداءته، ولم يعد قادرًا على المنافسة والإبداع ليعكس بصدق غياب مصر الكبيرة، وإذا نظرنا للحالة التي يمر بها هذا الإعلام ودوره الآن، يمكن تشبيهه بأنه مثل العملاق الذي اختار أن يتقزم، فمن الريادة وصنع الإعلام المحترف إلى الهامش ولعب دور الكومبارس والانجرار خلف السلطة وتزييف الوعي القومي للأمة الإعلام المصري مات.. ولا أنت شايف غير كده؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد