بحكم عملى متنقلا على مدار أحد عشر عاما  فى عدد ليس بالقليل من الصحف والقنوات المصرية، ومنها ما هو حزبى  وما هو قومى ومستقل ويومى واسبوعى ،  ومنذ تخرجى من الجامعة عام 2004 ، وهو التاريخ  الذى أعقبة ظهور عدد من الحركات السياسية  التى دعت إلى التغيير فى الحكم فى مصر بصوره المختلفة سواء حركات وتنظيمات، منها حركة كفاية ، والسادس من أبريل ، والاشتراكيون الثوريون، والجمعية الوطنية للتغير، ثم أعقبها تزوير انتخابات مجلس الشعب عام 2010 ، وكنت وقتها مناصرا  لحمدين صباحى بدائرته بمحافظة كفر الشيخ شمال دلتا مصر ، والتى قاد عملية الإطاحة به وبخيرت  بتزوير نتيجة الانتخابات أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطنى المنحل آنذ ذاك.

وأعقب ذلك ثورة تونس ثم الثورة المصرية خلال شهر يناير من عام 2011 أعقبها سقوط مبارك ثم اعتلاء المجلس العسكرى بقيادة طنطاوى للحكم لمدة عام ونصف ثم أعقبها اعتلاء جماعة الإخوان للحكم عبر نجاح الدكتور محمد مرسى ممثل حزب الحرية والعدالة الزراع السياسى لجماعة الإخوان ، ثم تم إسقاطه بعد عام من حكمه وتم حبسه والآلاف من أنصاره وأنصار جماعة الإخوان ، ثم أعقبها  عام حكم خلالها المستشار عدلى منصور رئيس المحكمة الدستورية رئاسة الجمهورية ، ثم تولى حكم البلاد المجلس العسكرى مرة أخرى عبر ترشيح عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع وممثل للقوات المسلحة والتى أطاحت بحكم مرسى بغرض إقامة انتخابات رئاسة الجمهورية، ومن ثم حكمت البلاد منذ عام وثلاثة أشهر.

وعلى مدار أحد عشر عاما ، عملت فى أكثر من  صحيفة مصرية وقناة فضائية مصرية وعربية ، وذلك أمر عادى جدا فى مصر طالما تبحث عن الكرامة الشخصية والفكرية  ، وتريد الابتعاد عن التذلل وإهدار كرامتك بالتجسس أو التخابر على الآخرين ، وذلك نظرا لأن معظم وسائل الإعلام عدا القليل منها ، يتلاعب بمشاعر صغار الصحفين ، يعطونهم فتاتا من أجل العمل فى صاحبة  الجلالة والتقرب من السلطة الوهمية ، وفجأة عندما تتقرب من السلطة تجد نفسك  أمام عرضين لا ثالث لهم:

إما مخبرا لجهاز أمنى سيادى أو التهميش والطرد من العمل بالصحيفة ، ويرفض عدد كبير من شرفاء المهنة العمل مخبرا على زملائه من أجل الترقى فى مهنتة ، ويكون مصيره التنقل بين صحيفة وأخرى ، ومن الممكن العمل الخاص أو الابتعاد عن المهنة نهائيا مقابل حفظ كرامتة  ، وكثيرا ما ابتعد صحفيون وصحفيات ،  أكثر موهبة عن المهنة ، بسبب الضغوط الأمنية عليهم من تلك الأجهزة ،  والتى تقترب من التهديد بالحبس أو التصفية ، والتى يمكن حصرها فى أربع أجهزة سيادية حسب أهميتهم وقدرتهم على التخابر على زملائهم وصحفهم ، من اجل إخضاع الصحف والقنوات لهم من اجل تنفيذ مايريدونه من أجندة تخص ذلك الجهاز .

لذلك تجد أن هناك من هم مميزين فى التخابر فيتم التحاقهم بجهاز المخابرات العامة ، فيتم ترقيتهم فى صحفهم إلى مناصب قد تصل إلى مديرى تحرير ورؤساء أقسام ، ولكن فعليا هم رؤساء تحرير،  نظرا لعدم قدرة رئيس التحرير على اتخاز قرار ضدهم ، بل يصل الأمر إلى رعب رئيس التحرير منهم ، ويتم تسريب عدد من السبق الصحفى عبر الجهاز لعمل تلميع للصحفى ، مقابل ذلك خدماتة الجليلة .

وهناك من هم ينتمون لجهاز الأمن الوطنى ” أمن الدولة ”  والذين يتعاملون فى كل شيئا يخص المهنة ، وهؤلاء يتم إعطاؤهم كافة المزايا العينية والمادية سواء فى صورة حصانة أمنية من كل شيء ، وبعضهم يكون اما مقدما لبرنامج فضائى أو رئيس قسم فى جريدة كبرى أو معدا للبرامج ، ويتباهون بذلك، بل يكونون ملتقى زملائهم عندما يقع لهم مكروه فى عائلاتهم  ، بس تلفون منه وينتهي كل شيء .

وهناك من هم يتبعون المخابرات الحربية ، وهؤلاء كانوا فى الماضى قبل ثورة يناير معارضين لمبارك  وضد التوريث ، ولكنهم متحمسين بكون الجيش حاكما للبلاد ، وهؤلاء كانوا يعملون رؤساء تحرير أو ميرى تحرير صحف حزبية ومعارضة ومستقلة فقط لتجميل النظام.

وعقب ثورة يناير أصبح  الصحفي الذى يعمل مخبرا لذلك الجهاز هو الحاكم بأمره فى أمور البلاد ، وتم تجنيد صف ثانى شباب جميعم فى العقد الثالث والرابع من العمر، وهم بالمئات يعملون كأزرع لذلك الجهاز ، وفى المقابل كانت جائزته لهم حصولهم على مناصب كبرى فى الصحف التى يعملون بها، بل مزايا عينهم وظهور دائم على القنوات الفضائية ومواقع التوك شو ، ومزايا مادية برحلات سفر إلى الخارج وإلى أوروبا تحت مسميات مختلفة للترفيه عن عناء عمل متواصل منذ ثورة يناير دام  أربعة اعوام .

أما الطرف الرابع من مخبرى المهنة وأصحاب المنح هم مخبرو جهاز الأمن العام ، وهم الأضعف حالا من سابقيهم ، وهم يعملون مع ضابط كبير فى مديرية الأمن أو وزارة الداخلية أو مراكز وأقسام الشرطة ، يقومون بتلميعهم وتلميع أعمالهم والتحرى عن المعارضين ، فى مقابل حمايتهم من حدوث أى مكروه من جار أو مسئول  أو أحكام قضاية .

واذا نظرنا إلى  الصحف والجرائد والقنوات الفضائية،  فسوف نجد أن الصحف التى تسمى نفسها مستقلة ، هى فى الأصل تابعة لعدد من رجال الأعمال الذين يتبعون الحاكم فى أى اتجاه وفى أى نظام ، لذلك نجد صحفا أسست منذ عام 2008 وهى فى الأصل صحف يومية تابعة  لجهاز الأمن الوطنى ، ومروج شائعات للنظام الحاكم ، كانت مروجة شائعات لصالح نظام مبارك ، ثم تحولت وأصبحت فى حضن وكنف المجلس العسكرى عقب الثورة ، وعقب حصول الإخوان على الحكم أصبحت تقريبا الناطق باسم جماعة الإخوان ونظام مرسى ، وكانت تقدم يوميا أخبارا عن إنجازات حكمه ، وعقب الإطاحة به عبر الجيش وجبهه الإنقاذ ، سنت السكاكين  لجماعة الإخوان ، وأصبحت فى كنف النظام الجديد ، ورئيس تحريرها ومديرو تحريرها ، وصحفيوها يعملون بمختلف القنوات الفضائية ما بين مزيعين ، وضيوف ، ومعدين وريجسير ومساعدين ومراسلين.

ومختلف الصحف تقريبا أصبحت تعمل هكذا ، ورغم الازمة الاقتصادية التى تمر بالعديد من القنوات الفضائية والصحف والاعلام الا ان هناك عدد من الصحف والقنوات  المستقلة تقوم الاجهزة السيادية والحكومة ورجال الاعمال  بمساندتها ، وذلك فى مقابل انها داعمة شديدة للنظام ، سواء عبر دعم انشطة او نشر الاشاعات التى يريد النظام نشرها عبر مختلف الادوات لتهدئة او اثارة الرأى العام .

فى الواقع لا صحافة فى مصر ، وهذا المفهوم سوف يظهر  مع قانون الارهاب الجديد والذى سوف يحول الصحف الى مجرد نشرات قومية  تابعة للحاكم ، وسوف يجعل الصحفى مجرد موظف علاقات عامة فى جهاز او مؤسسة حكومية مهمتها تجميل النظام ، وهذا هو الخطر الشديد الذى يحيط بالمهنة .

ولذلك لا نستغرب ان العالم اجمع صاحب رسالة الاعلام الحر فى اوربا وامريكا ينظر الى اعلام مصر على انه اعلام مرتزقة مرتبط بالسلطة ، واى صحيفة او قناة معارضة للسلطة يتم اغلاقها بصور الاغلاق المختلفة ، وأى صحيفة او قناة او وسيلة اعلامية موالية للسلطة وتخرج عن النص يتم التضييق عليها ، حتى تعود الى مسارها الذى رسم لها او يتم تجفيف منابع المادة والاموال بصورها المختلفة من منع الاعلانات والناشرين والمعلنين عنها حتى تغلق او تعود الى حضن الحاكم .

الصحافة المصرية التى كانت رائدة خلال حقبة الاربعينات من القرن الماضى فى عهد الملك فاروق ، وكانت تنقل فساد الاحتلال والحكومة والملك ، وكانت تغيروتبدل  حكومات  ، وتضاجع الانجليز فى نومهم انتهى زمانها ، ولم يعد هناك امل الا بثورة لاصحاب المهنة من اجل الحفاظ على جلالتها وقدسيتها فى وجه الحاكم ، مهما كان وفى وجه رجال الاعمال الفاسدين والحكومة ، وفى وجه الصحفيين الفاسدين والامنجية .

فالاعلام المصرى الان  ، اصبح عبدا لصاحب رأس المال ومتحرك،  وموجها حسب توجه صاحبه وارتباطه بالسلطة سواء معارض لها او حليف لها او ارتباطها بمصالحة ، لذلك اصبح اى رجل اعمال كبير،  ويريد تحصين نفسه  بصورة أو بأخرى يهرول لامتلاك وسيلة إعلامية، سواء صحيفة او قناة تلفزيونية أو يجمع بين الاثنين معا من أجل ارهاب الاخرين سواء حكومة او سلطة او منافسين .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلام, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد