كعادتها كل عام تذهب السيدة «أمينة» إلى السوق لشراء أسماك الرنجة والفسيخ، إيذانًا ببداية موسم الربيع واستقبالًا لعيد «شم النسيم»، الذي يخرج فيه ملايين المصريين إلى الحدائق والمتنزهات لقضاء اليوم. هو تراث فرعوني قديم لطالما حافظ المصريون، باختلاف مستوياتهم الاجتماعية والمادية على الاحتفال به منذ ما يقارب 4700 عام، وحتى الآن.

اصطفت «أمينة» في طابور النساء الملاصق لطابور مماثل للرجال، أمام متجر شعبي في الحي السكني الذي تقطن فيه في القاهرة. لم تكد تنقضي نصف ساعة قضتها «أمينة» في سماع ثرثرة النساء الواقفات حتى جاء دورها لتشتري ما يكاد يكفي غذاء أسرتها المكونة من أربعة أفراد لذلك اليوم، بعد زيادة الأسعار التي حالت دون احتفالها مع الجيران بإعداد طبق إضافي كعادة المصريين في الأعياد.

إذ وصل سعر كيلو الفسيخ إلى ما بين 150- 200 جنيه مصري «ما بين 8.4- 11.3 دولار» بينما سعر كيلو الرنجة تراوح سعره بين 60- 80 جنيهًا مصريًّا «3.4- 4.5 دولار» بزيادة تجاوزت الـ50% عن العام الماضي، إذ لم يكن يتجاوز سعر الفسيخ في عام 2017، 90 جنيهًا بينما سعر الرنجة 35 جنيهًا.

وعلى الرغم من ضعف الإقبال على شراء الأسماك هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة نتيجة لارتفاع الأسعار، فإن أحد الإعلاميين المقربين من النظام كان له رأي آخر، إذ ألقي اللوم على «المصريين» بحجة البذخ في الصرف على شراء الفسيخ الذي قال إنه تجاوز المليار جنيه مصري؛ أي ما يقارب 57 مليون دولار.

ففي برنامجه الشهير على قناة «الحياة» المملوكة لشركة «فالكون» للأمن والحراسات الخاصة إحدى أذرع المخابرات الحربية في الأعلام المصري، استهزأ الإعلامي الشهير «تامر أمين» في لهجة متغطرسة، بعادات أكل الفسيخ بينما تفاخر هو أن رائحة فمه ظلت عطره لأنه ابتعد عن أكل الفسيخ الذي يأكل منه قطاع كبير من المصريين في عيد شم النسيم، وأضاف متسائلًا «الفلوس دي جبتوها منين يا مصريين؟».

وتعمد توجيه خطابه مباشرة بلغة النداء «يا مصريين»، وهي صيغة النداء نفسها التي يستخدمها الرئيس السيسي في خطابه للمصريين. ثم استطرد قائلًا: «أمال إيه الناس اللي عمالة تقول مش لاقيين ناكل ومش لاقيين نشرب والأسعار غالية ومش عارفين نلاقي اللقمة؟».

وبحسبة بسيطة نجد أن متوسط استهلاك الفرد للفسيخ وفقًا لتصريحات «تامر أمين»، هو فقط في حدود 10 جنيهات مصرية «نصف دولار»؛ إذا أخذنا في الاعتبار عدد السكان داخل مصر الذي وصل إلى 94 مليونًا وفقًا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لسنة 2017؛ أي إن متوسط استهلاك الأسرة الواحدة هو 42 جنيهًا «في حدود اثنين دولار» بواقع 23.5 مليون أسرة وفقًا للإحصاء نفسه.

وهو رقم يعد قليلًا للغاية، ولكن دائمًا ما يتعمد إعلاميو النظام على ذكر قيمة الاستهلاك الكلي للشعب المصري، وإخفاء الرقم الحقيقي لمتوسط استهلاك الفرد في محاولة لإلقاء اللوم على الشعب، وأنه سبب في فقره، إذ تشير الإحصاءات الرسمية الأخيرة إلى ارتفاع معدلات الفقر بعد إجراءات الحكومة لتحرير سعر صرف الجنيه المصري؛ إذ يعيش حوالي 30 مليون مواطن مصري تحت حد الفقر.

ففي العادة يلجأ الإعلاميون المحسوبون على النظام إلى إلقاء اللوم على الشعب، بوصفه المسؤول عن تردي أوضاعه الاقتصادية، ولكن عادة ترتفع نبرة اللوم تلك قبل موجة جديدة لزيادة الأسعار.

فمن المتوقع أن يشهد هذا الصيف ارتفاعًا جديدًا في أسعار السلع والمحروقات، إضافة إلى زيادة أسعار تذاكر المترو لتصل إلى ستة جنيهات وفق ما أعلن عنه وزير النقل المصري «هشام عرفات».

وبحسبة بسيطة نجد أن الفرد سيضطر بعد إقرار الزيادة الجديدة أن يدفع 12 جنيهًا مصريًّا ذهابًا وإيابًا في اليوم أي بمتوسط 360 جنيهًا «20 دولارًا» في الشهر، وهي قيمة تعد وفقًا للسعر العالمي ضئيلة، ولكن ما إن نقارنها بمتوسط دخل الفرد الشهري الذي لا يتجاوز 162 دولارًا وفقًا لمؤشر «نومبو» العالمي لقياس متوسط الراتب الشهري في العالم لسنة 2017، نجد أن المواطن المصري عليه أن يدفع 12% من دخله الشهري إذا ما أراد أن يركب المترو.

ويتبارى بعض الإعلاميين في تفسير زيادة الأسعار المتتالية. فالإعلامية الشهيرة «أماني الخياط» القريبة من النظام في برنامجها على قناة «أون» أرجعت ارتفاع الأسعار إلى الإرادة الإلهية، وإنها «اختبار من ربنا» ملقية باللوم على المصريين على سوء نمط استهلاكهم، وزيادة النسل، داعية المصريين إلى تقليل استهلاك الطعام حتى تجنب هذا «العقاب» الإلهي.

وكان لدار الإفتاء المصرية الرأي نفسه، إذ نشر الموقع الرسمي لدار الإفتاء في «فسيبوك» أن غلاء الأسعار «بيد الله تعالى». واضطرت دار الإفتاء لسحب التصريح من موقعها الأصلي بعد تعرضها لموجة انتقادات وهجوم شديد، ما عد أنه خلط الدين بالسياسة في تفسير الأحاديث النبوية الشريفة بما يتناسب مع ما يحاول النظام السياسي في مصر إقناعه للناس.

ولم تكن التفسيرات الإلهية أو نبرات اللوم هي الوسائل الوحيدة على يستخدمها الإعلاميون إذا ما عبر قطاع من الشعب عن غضبهم من غلاء المعيشة، وتردي الأوضاع الاقتصادية، إذ لجأ آخرون إلى وسيلة أخرى، وهي طرد من يعترض على سياسات النظام من مصر، بوصفهم ليسوا من المصريين.

فالإعلامي «تامر أمين» قال في برنامجه إن من لا يعجبه العيش في البلد نتيجة لمعاناة اقتصادية أو زيادة أسعار أو لانقطاع الكهرباء في الصيف أن «ياخد بسبوره ويورينا عرض أكتافه وحدود مصر ما فيش أطول منها، ويغور».

وهذا ما قالته الممثلة «هالة فاخر» في برنامجها على قناة «الحياة»، واصفة من لا يعترض على زيادة الأسعار وراضيًا بالحال بأنهم «مصريين بجد»، أما من يعترض على مشكلة الغلاء فدعته إلى ترك البلد قائلة: «مش عاجبك الحال اتكل على الله وامشي منها».

كما دعا الإعلامي الشهير «عمرو أديب» الشباب إلى الهجرة بعد زيادة عدد السكان إلى ما فوق 94 مليون.

أما التعبير الأكثر إهانة للشباب المعترض على الأوضاع المعيشية جاء على لسان الإعلامي «عزمي مجاهد» الذي قال: «اللي مش عاجبه حال البلد يغور في داهية»، داعيًا الدولة إلى إحكام قبضتها قائلًا: «عايزين يد من حديد، ملعون أبو الحرية اللي تهد دولة».

وعلى الرغم من قبضة النظام المصري على الإعلام، وعدم السماح بوصول أي رأي معارض إلى شاشات القنوات الفضائية، التي أصبحت ذراعًا أمنيًّا إعلاميًّا تستخدمها الدولة في محاولة لتطويع الشعب والانقضاض على المعارضين، فإن حالة الغضب باتت تخيم على الشارع المصري نتيجة لتردي الأوضاع المعيشية، ومع اقتراب موعد جديد من موجة غلاء الأسعار.

ولعل هذا ما يفسر عزوف قطاع كبير من المصريين عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية، ولجوء عدد كبير منهم ممن اضطروا للذهاب إلى صناديق الاقتراع إما خوفًا من الغرامة، وإما مدفوعين بحوافز مالية إلى إبطال أصواتهم.

ويبقي السؤال: هل يستطيع الرئيس السيسي مواجهة التحديات الاقتصادية في فترة رئاسته الثانية؟ أم سيزيد الأمر سوءًا مع إثقال كاهل المواطن الذي عليه تحمل أعباء الدين الداخلي والخارجي، الأمر الذي قد يدفع الشارع إلى الانفجار؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد