في الوقت الذي كان من المنتظر على الإعلام العربي أن يرقى بمنتجه الإعلامي في ظل منافسة شرسة من الأوساط الدولية من جهة، وانفتاح العقل العربي على واجهة الرأي والرأي الآخر من جهة أخرى، أبى هذا الإعلام إلا أن يتمادى في سقوطه المدوّي من قممٍ شاهقة شُيّدت على أسسٍ من الكذب والزور وبيع الوهم وتغيير الأقنعة، فكان الإعلام المصري رائد هذه المهزلة والمتربّع على عرش التفاهة والضحك على الذقون، وأنا لا أفهمُ كيف يمتلك هؤلاء الإعلاميّون المصريون وجوهًا يظهرون بها أمام الملإ لا تملكُ ذرّةً واحدة من كرامة أو عزّة نفس، فما من حقيقةٍ واضحة وضوح الشمس في كبد السماء إلا طمسوها وأخفوها وأظهروا للناس نقيضها دون خجلٍ ولا ضمير، يَظهرون في الليل كخفافيش الظلام يُدافعون عن بهتانٍ باستماتةٍ بالغة مع كثير من الصداع والصراخ، وفي النهار ينقلبون رأسًا على عقب، فيُردّدون عكس ما جاءوا به في جُنحِ الليل ليُدحضوه ويُنكروه، وباتتْ هذه السمة طاغية في الإعلام المصري حتى سقطَ من أعين الناس سقطةً مدوّية، وأصبح ما تبقى من مُؤيديه، إمّا من المجانين أو المرضى النفسيّين، أو من الذين يَجدون فيما يُخرّف به هؤلاء مصلحة لهم، فهجرهم القاصي والدّاني وصار مُحبّو التهريج يلجؤون إلى قنواتهم من حينٍ لآخر بقصد القهقهةِ على ما يشاهدونه من برامج سخيفة يُهرطق بها على الناس من يُسمّون أنفسهم صحافيين، وهُم من الاسم براء.

هذا النّفاق اللامسبوق لو كُتب له أن رُشّح لنَيْل جائزة عالمية لحصدَها الإعلاميون المصريون عن جدارةٍ واستحقاق، بل ووصلت تفاهتهم إلى درجة أن يَقبلوا على أنفسهم لعبَ دور المُطبّلين لجهاتٍ معينة، يُنفّذون بالحرف الواحد ما يُملى عليهم بالتلفون من أقبية المخابرات وهم أذلاّء صغار، ضاربين عرض الحائط رسالة الإعلام الراقية، ومتمردين على كل قيمها وأخلاقياتها المتعارف عليها دوليّا وإنسانيا.

هذا السقوط المدوّي للإعلام المصري والحالة المتضعضعة التي وصل إليها فاق كل السقطات السابقة، فضاعتْ مصداقية المعلومة بعد أن صارتْ سلعةً بيد رجال الأعمال الأثرياء يعرضونها في أيّ قالبٍ شاءوا، كيف لا وقد استحوذوا – فيما يشبه موضة – على كل القنوات الفضائية المصرية وحولوها إلى المتحدث الرسمي لتُرّهاتهم، بل تضاعف النّفاق والمكر والخداع أضعافًا مضاعفة، يُظهرون للناس عكس ما يُبطنون، ولا يتوقفون عن إشعال الفِتن والمحن بألسنتهم السليطة ومهاجمة دول عربية مستقرّة يرون في سقوطها وبلبلتها منفعةً لهم وتقاربًا لهم من إسرائيل وأمريكا.

فلا تستطيع أن تثبتَ على قناة من قنواتهم لحظةً واحدة حتى ينتابك الضيق والاشمئزاز والنّفور، بل لا تصدق أذناك ما تسمعانه من كذبٍ بواحٍ وهُراءٍ صراح وتلفيقات مجانية دون دليل يُذكر، واتّهامات باطلة لا أساس لها من الصحة، يخدمون بذلك أجندة تُحاك وتُحرر في مكاتب رؤسائهم ومسيّريهم ولا يجدون غضاضةً في تغيير جلدتهم بمجرّد أن يستقبلوا مكالمةً هاتفية تأمرهم باتخاذ مواقف معينة، ومهاجمة جهاتٍ ودولٍ باسمها، فيُطلقون العنانَ لألسنتهم بالشتم والسباب، دون مراعاةٍ منهم لحُرمة البيوت واحترام مكانة المشاهد، ولن ننسى الهجمة الهوجاء التي شنّها الإعلاميّون المصريون على الشعب الجزائري بعد مقابلة أم درمان الفاصلة، وكيف وصفوا الشهداء بأحطّ الأوصاف، وقذفوا الجزائر بكلماتٍ تستحي الأذن من سماعها، ضاربين عرض الحائط كل أواصر الأخوةِ والمحبّة بين الشعبين الشقيقين، ناهيك عن المتاجرة في قضايا الأمة الإسلامية والعربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فتراهم – سبحان الله – تارةً يجلدون ظهرها بكلامٍ قاس جارح لا يردّده حتى زعماء الصهيونية، وتارةً يلعبون دور الحَمل الوديع الحنون فيُقرّبون كما يزعمون وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية، وهم يحفرون لها الخنادق صباح مساء، ويدبّرون لها المكائد وينسقون مع إسرائيل في الخفاء، حتى سقط حُلم إقامة الدولة الفلسطينية من الوجود، فتلقوا بذلك الإشادات والتبريكات والوعود الكاذبة من الأمريكان وشيئًا من فتات الخبز.

هو نفاقٌ فاق كل التصورات، تخطى كل الخطوط الحمراء، تعدى كل الاعتبارات والحواجز، نفاقٌ بهذا الشكل لن تجده سوى في البرامج السياسية المصرية، وليس في مكان آخرٍ على الإطلاق.

وتجدُ جلّهم يسكنون القنوات الفضائية جاثمين على قلبك ساعات طويلة، في برامج مملّة مضلّلة مسيّسة من ألفها إلى يائها، يتحدثون في كل شيء، يفهمون في كل مجال، ينبشون في كل مكان، وكأنهم فلاسفة عصرهم في السياسة والاقتصاد، وإذا بنفس الوجوه تراهم على رأس برامج فاضحة يستقبلون فيها راقصاتٍ عارياتٍ مائلاتٍ مُمِيلات، فيكونون بذلك قد جمعوا بين الفن القذر والسياسة المتعفّنة، وهما لا يجتمعان إلا في مصر.

مثل هؤلاء لا يصلح معهم سوى سياسة القمع وتكميم الأفواه والضرب بيد من حديد، فلا يُجابهون ذلك إلا بمزيدٍ من التذلّل والانصياع والابتسامة الصفراء، وهم لا يصلحون فعلا إلا لهذه المعاملة التي تجبرهم – رغما عن أنفهم – على تأييد الظالم والشماتة في المظلوم علانيةً دون خجلٍ ولا عفّة، مقابل بعض الجنيهات، وكلنا يتذكر يوم كانت مساحة التعبير في عصر مرسي فسيحةً بحجم السماء، فكانت تُفتح القنوات على سبّ الرئيس وتُغلق على ذلك، بل كانوا السبب المباشر في الانقلاب عليه بعد أن روّجوا للأكاذيب وأظهروا العسكر، وكأنه المنقذ المخلص لمصر من كل معضلاتها، وصاحب العصا السحرية التي ستصنع المعجزات وتحقّق النهضة الشاملة للبلد.

لا تنتظر من هؤلاء أن يتفوهوا بكلمة واحدة في حقّ زملائهم الصحفيين المُحتجزين في السجون دون تهمة ولا ذنب، وكأنهم لا تجمعهم بهم صلة الصحافة وزمالة العمل، وقبل هذا وذاك مبادئ الإنسانية وضمير المهنة، لا تنتظر من هؤلاء أكثر من تنويم الشعب المصري وإلهائه وتوجيهه وفق اتجاه مخطط له مسبقا، وتغطية الواقع بستار الوهم وتصويره بألوان وردية، في حين أن المعاناة في مصر العسكر تكاد تتكلّم مفصحةً عن معاناتها.

متى نملكُ قاعدةً إعلامية تقف على أُسسٍ متينةٍ من التجرّد والموضوعية، الرأي والرأي الآخر، متى يكون إعلامنا العربي منزّهًا عن الخوض في براثن السياسة بعيدًا عن خدمة برامج وأجندات داخلية وخارجية، متى يكون إعلامنا مُوجهًا صوب خدمة الإنسان العربي والارتقاء به في شتى المجالات، وليس مغناطيسًا يجذب إليه السذّج من المتابعين الفاقدين للعقل والوعي.. وما أكثرهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد