كيف تتحكم بشعبك دون خيوط العرائس?

إذا ما قلت لك إنك تحت تأثير سحر أسود، يسلب عقلك وفكرك ويعطيك فقط ما تحتاجه من قوت لشهوة نظرك، فترى ما يريدك الساحر أن تراه فقط وتسمع ما يريدك أن تسمعه فقط، تكره من وما يريدك أن يكرهه، وتقدس وتؤيد من يريدك أن تريده بأساليب مختلفة وطرق كلها تنجح معك، أنت مسحور.. هل تصدق؟

إن الإعلام في العموم قد وُجد لكي يكون مصدرًا لتلقي الأخبار.. التعليم.. حتى التسلية، ولكن هناك ما هو أسمى من مجرد التسلية أو التعليم، وهو الأساس الذي بني عليه الإعلام ألا وهو صناعة الوعي.

فإذا ما راقبت الإعلام المصري منذ 60 عامًا (ما بعد أحداث 1952) ستجد أن الإعلام المصري متمثلًا في الراديو أو التلفاز كان مصدرًا دائمًا للتقديس والتمجيد لمن هم في السلطة.. ظاهرة اعتيادية جدًا قد وجدت في مصر وغيرها، بل من أقدم العصور، حيث الملوك يستخدمون الكهنة والسحرة لخدمتهم.. ولكن العجيب ليس في تلك الظاهرة التي أصبحت شيئًا عاديًا في مصر تحت مسميات كثيرة (التطبيل مثلًا)، ما يثير العجب والدهشة فعلًا هو تصديق عدد كبير، بل أغلبية ساحقة لهذا التقديس والاستخفاف بالعقول، لذا فقد ترى أناسًا كثيرين ينساقون وراء رئيس خسر جميع حروبه وضحى بأراضي بلاده لجهات أخرى، أو أناسًا في الوقت الحاضر يتقبلون أحداث قتل بشعة ومذابح كبيرة، يتقبلونها ببرود وأحيانًا بشماتة، أو حتى يتقبلون التضحية ببعض من حقوقهم من أجل ألّا يضحوا بأخرى (مع أن الاثنين من حقوقهم) إذا ما سألت ما الذي يجري؟ يقولون نسير نحو التقدم والرخاء والمشاريع والمفعلات النووية! وتنزل إلى الشارع فتجد السلعة التي اشتريتها البارحة تباع اليوم بضعف سعرها! إنه الإعلام يا سادة!

ولكي نكون دقيقين في ذلك التحليل.. دعنا نتناول الإعلام منذ العام 2009 أي قبل 10 سنوات من العام الحالي، ستجد أننا كنا في ذلك العام نعيش في شحن كروي هو الأكبر في تاريخ مصر، مباراة مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم.. هنا كان الإعلام يردد شعارًا واحدًا (كل الناس بتقول يارب) حتى في القنوات غير الرياضية، المباراة التي فرّقت بين شعبين من أجل التأهل لكأس هم أنفسهم أعلم الناس بأنهم لن يصلوا إليها، فعلام الفِرقة ولمَ الشتات؟ وخلال تلك الأحداث قد تجد بعض القضايا التي كان من المفترض أن تأخذ حيزًا أكبر في برامج (التوك شو) منها الإنساني كقضية كاميليا شحاتة والكنيسة أو قضية الأدوية والأغذية المسرطنة أو قضايا صحية كقضية أنفلونزا الخنازير ناهيك عن قضايا السياسة كالتعذيب في الأقسام وأمن الدولة.. وفي المقابل ترى ذلك في وجوه وأعين الناس، فلا ترى أي أحد يتكلم في السياسة أو الصحة، فشغله الشاغل هو تأهل مصر إلى كأس العالم!

وهنا لنا وقفة، دائمًا ماستكون عند تأمل كل عام من الأعوام الماضية، وهي ما استخدمه الإعلام في تغييب الوعي وصناعة وعي آخر من الممكن تشكيله كما يريدون، وسياسة عام 2009 كانت وبلا شك سياسة (التضخيم والتهميش) فهو لا يعتمد على ذكاء منك في فهم الأحداث وتمييز المهم منها وغير المهم، هو سيفعل كل شيء لك، سيختار لك المهم، ويتصدر الأحداث، حتى وإن كان غير مهم أصلًا، فكرة القدم مهما تجلّت وعظمت تبقى رياضة ولعبة بها الفوز أو الخسارة، ولكن لا يتعامل معها الإعلام كذلك، ولا يريد الناس أن يتعاملوا معها بذلك، فتظهر الخلافات و أعمال الخراب والتفرقة بين شعبين كان من أجدادهم من مات شهيدًا في سبيل قضايا أسمى من كرة القدم بكثير.. الحرية!

وفي مقابل تضخيم وتعظيم شأن كرة القدم يأتي دور التهميش.. تهميش كل شيء مهم تقريبًا وفي قضايا مختلفة منها ما كان سببًا رئيسًا في قيام ثورة يناير بعدها بسنتين وهو التجاوزات بحق الناس تحت مسمى قانون الطوارئ وبشكل خاص التعذيب في أقسام الشرطة وأمن الدولة، فتلك القضايا وبلا شك كانت لتكون الحدث الرئيس للتكلم والنقاش وتصحيح الأوضاع، ولكن هيهات!

إذ إنه إذا ما فتح ذلك الصندوق الأسود وقتها كان سيكشف عن فساد كبير في أحد أهم أعمدة الدولة وأهم أسلحة مبارك وهو الشرطة! وكان ذلك سيفتح النار على جميع المسؤولين عن ذلك الجهاز كما حدث تمامًا وقت الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد