لا يحتاج المشاهد المصري (الرمضاني) إلا – نفس الكنبة المريحة وطاولة التلفاز القديمة مع – نَفَس طويل لتحمل اختبار الأعصاب المتمثل في الإعلانات ليكتشف أن الدراما المصرية تلتقط أنفاسها الأخيرة في صيف 2019 بين أيدي شركة إعلام المصريين أو سينرجي التابعة لتامر مرسي، والذي وصفه صديق لي يعمل في مجال الإعلانات بـ«ده ربنا بتاع الإنتاج الإعلامي حاليًا في مصر». 

شراكة مالية ضخمة بين وجوه مموهة لرجال أعمال مقربين من السلطة والمخابرات، يسيطرون على صناعة الإعلام المحلية كليًا، يختارون نجومًا بأعينهم لركوب الموسم في متلازمة محددة من المشاهد (الشنبية) والتي يفرد فيها بطل العمل شنبه على السيناريو كله ليصبح (نمبر وان)، والذي غالبًا ما يرتدي البدلة الميري ثم يسحق الشر ويبتلع الخير وينفثهما دخان البطولة مع شيشته التي يضرب بها رؤوس طاقم العمل في أغلب مشاهد العمل. ويُخفون وجوهًا أخرى لمعت في كل المواسم السابقة كعادل إمام والذي أُثير جدل حول أسباب اختفائه في رمضان الحالي! 

وهل لفظ الفاشية فقط يؤثر على اختفاء المواطن المصرى فعلًا؟ حتى لو كان الزعيم؟! وأسماء أخرى كيسرا ويوسف الشريف وبيومي فؤاد والذي كان قد احتل كل شاشات العرض حتى وصل إلى اعلانات الكبابجية المشهورين في الأحياء الراقية بالعاصمة، فهل أكلة كباب وراء اختفاء الفنان الكوميدي أم أنه تعسر عام في أحشاء الفن؟! ربما لا توجد أى إشارات عن الأسباب الحقيقة، ولكن البعض قالوا بأنها محاولة لاسترداد إعلام عبد الناصر ذي الصوت الواحد والذي أشاد به السيسي في كثير من المناسبات وقال بأنه إعلام كإعلام الزعيم الراحل سيكون كفيلًا لحل مشكلات كثيرة من تلك التي تُعذب سيادته. 

هذا وقد ذهب الباقون بأن أصل تراجع الفن هو سيطرة الإدارة الفردية على جميع الفئات المجتمعية والإقتصادية والسياسية فىي البلاد، وأوضحوا بأن الإنتاج الحقيقي في أي من المجالات الحياتية لا بد أن ينشأ في مجتمع حر، لا وصايا علي إرادته وبغير قمع لمحاولاته أو تخويف من وقوع فى المحظور. ولم تتجاوز عدد المسلسلات الرمضانية الـ25 عمل سيطرت (سينيرجي) على أكثر من النصف، والبقية تُقتسم مع السعودية الشقيقة والتي لم تمنع عرض المسلسلات عبر «يوتيوب» كما فعل إعلام المصريين لأول مرة في تاريخ الدراما المصرية، فقد خصصوا طريقة للربح المباشر من المشاهد عبر الاشتراك المدفوع مقدمًا بقيمة 100ج شهريًا عبر برنامج الكتروني. 

تم اختراق البرنامج بوسيلة تافهة وأصبح أضحوكة عامة بعد أن تم إيقافه في أقل من يومين، ومن ثَمَ الإعلان عن استعادته وإطلاقه بشكل مجاني كاعتذار على العطل الفني! وقد جاء إطلاق البرنامج تزامنًا مع إغلاق العديد من مواقع المشاهدة المجانية في مصر، والتي اكتشف صناع القرار مدى ضرر قرصنة المحتوى وتأثيره على الإنتاج فقط عندما تعلق الأمر بجيوبهم الخاصة. 

لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ *غسان كنفاني من رواية «رجال في الشمس»،

أهل الشاطئ الآخر

إسطنبول.. مارس (آذار) 2019.. حفل تدشين أول عمل درامي مصرى يتم تصويره كاملًا على أرض تركيا، حين يتحدث الهاربون الحقيقيون عن الهرب، دراما الناجين من الزلزال مع موسيقي حزينة فى خلفية أغلب المشاهد ومقدمة غنائية رائعة للفنانة (رشا رزق) والتي أضفت على العمل نغمًا من نوع خاص.

المسلسل من بطولة الهشامين عبد الحميد وعبد الله، والفنان محمد شومان، والفنان الهوليودى من (أصل مصري بورسعيدي) سيد بدرية في أول عمل له باللغة العربية، والفنان السوري همام حوت، والفنانة التونسية ريم جبنون، بمشاركة الفنان محمد عبد اللطيف والفنان أيمن الباجوري ووجوه شبابية أبرزها أسامة صلاح وعمرو مسعد، وعبد الرحمن الشافعي، وصلاح عبد الله، وإسلام علي وآخرين، ومن انتاج شركة «A to Z» والتي تعرض برامجها على يوتيوب لأغلب الفريق التمثيلي وعلى رأسهم شومان وهشام عبد الله منذ أقل من سنة في البرنامج الساخر السياسي «ستوديو25». والمسلسل الكوميدي «نقرة ودحديرة» مع محمد عبد اللطيف وأيمن البجورى والذي يستكمل عرضه على قناة «مكملين» في رمضان الحالى بعد إضافة «مش» لأول العنوان.

تكرار في الوجوه المصرية بين الأعمال القليلة في محاولة لخلق دراما معارضة بين وجوه محصورة وأعمال قليلة تحمل طابع سياسيًا. المسلسل من إخراج: أحمد أبو الفتوح، أما الإنتاج فهو غامض نوعًا ما إذا تركنا للإعلام الرسمي تلك التهم والمؤامرات التي تتلقاها تركيا في شخص أردوغان وقطر كلها طبعًا باعتبارهما من أكثر الدول التي تحتضن ما تبقى من المعارضين خارج الأسوار المصرية.

ولكنك لو حاولت أن تكون حياديًا وبحثت عن شركة (إيه تو زي) وعلى موقعها الرسمي لن تجد أى دليل على إنتاج أي عمل دارمى بأي لغة أصلًا، وإنما تكتفي الشركة في تعريف نفسها بتاريخ من صناعة الأقراص المدمجة و(الدعم الاحترافي) لصناع المحتوى الإبداعى، مقر الشركة: شقة علوية في نيويورك قبالة مركز التجارة العالمي، أنشأتها مهاجرة بريطانية تُدعى سارة روبرتسون عام 1994. نسيت أن أخبرك بأنك لو حاولت البحث عن المسلسل على موقع السينما ستجد الصفحة قد حُذفت أولًا، ثم عُدلت إلى: لم يُعرض حتى الآن! بعد أن ظهرت لي صورة الفنان العظيم نجيب الريحاني يخبرني بأنه قد حدث خطأ! (وخومسوميت غلط كمان) سمعتها بصوته الساخر الجميل وابتسمت.

يتناول العمل لأول مرة دراميًا بعض المشاهد عن مجزرة رابعة العدوية والتي هي من المحظورات في الإعلام الداخلى، وقصة العمل مستوحاة من أحداث حقيقية، تحكي عن (رحلة هروب مجموعة من الشباب المصريين مع مهرب محترف ومساعديه يحاولون تهريب الذهب لصالح رجال مهمون في الدولة، في سيارة متجهة إلى السودان عبر الصحراء القاحلة)، وتأتي الأحداث متداخلة مع ماضي الشخصيات سردًا على السنتهم أو في صورة مشاهد قصيرة، وتتكشف الوجوه المختفية للهاربين أثناء الرحلة الشاقة وما يواجهونه من داخل عربة واحدة عبر خلفيات مختلفة. عدد مشاهدات المسلسل عبر يوتيوب مُحبِطة في ظل التعتيم الإعلامى على وجوده من الأصل، أما على المستوى الأحداث الدرامية والسيناريو فهو بالمقارنة مع المشهد الحالي للتلفزيون الأمني فإنه يعتبر بمثابة (الحديقة التي لا يحرسها الشاويش).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد