بما أن الحياةَ آدم وحواء، رجل وامرأة يجمعهما الرباط المقدس عريسًا وعروسًا، وما تلبث الحياة وتصاريفها أن تحوّلهما إلى مجرّد أزواج وزوجات بما في التسمية من رتابةٍ وملل، فلم تبخل علينا السينما المصرية بعناوين فيها الرجال والنساء، منفصلين أو مجتمعين، في «الزواج السعيد» أو«زواج على الطريقة الحديثة» أو «نص ساعة جواز» أو حتى «بدون زواج أفضل»، ولنشاهدَ أحداث: العروسة الصغيرة، عروسة المولد، عروسة للإيجار، عروسة وجوز عرسان، العريس الثاني، العريس الخامس، عريس الهنا (1944 و1974)، عريس بنت الوزير، بابا عريس، عريس مراتي.

وأيضًا قد يأتي من بعيد «عريس من إسطنبول»، فيصل في وقته أو قد يتأخر «العريس يصل غدًا»، وليكون هناك الأزواج الشياطين، الأزواج والصيف، الزوجة الثانية، أو السابعة، أو الرقم 13، أو قد تملي الظروف شروطها، فيصبح «مطلوب زوجة فورًا»، وقد تبقى هذه المسكينة عذراء لكنها في كل الأحوال تفتح قلبها في «اعترافات زوجة»، كما أنها مطّلعة ولا تفوتها شاردة أو واردة إذ «الزوجة تعرف أكثر». وفي بعض الأحيان تحوّل الظروف الزوجة إلى أرملة طروب أو تبقيها (أيضًا) عذراء، أو قد تتحالف مع الشيطان لجرعةٍ إضافية من الإثارة. كما ونجد بين هؤلاء الأزواج والزوجات: زوج بالإيجار، زوج تحت الطلب، زوج في إجازة، زوجة بالنيابة، زوجة بلا رجل، زوجة غيورة جدًّا، زوجة ليوم واحد، زوجة محرمة، زوجة من الشارع، زوجة من باريس.

تبقى أهمّ تلك الزوجات، زوجة رجل مهم (1987، بطولة أحمد زكي وميرفت أمين عن قصة لرؤوف توفيق)، مرثية محمد خان الجميلة، حيثُ ينكسر الحبّ والأحلام أمام قسوةِ التحوّلات التي شهدَها المجتمع المصري بعد النكسة.

فتش عن المرأة

«فتش عن المرأة»، تقول العبارة الفرنسية المأثورة، وترجمتها بلغة السينما المصرية: «آه من حواء»، عنوان فيلم شهير لفطين عبد الوهاب مقتبس من مسرحية «ترويض النمرة» لشيكسبير حيث لبنى عبد العزيز ورشدي أباظة في تانغو كوميدية رومانسية لطيفة تنتهي كالعادة بالزواج. وحواءُ هذه، المرأة والأنثى، إن بحثت عنها، فستجدها حاضرةً بغزارة في الكثير من عناوين الأفلام المتشابهة التي ستحتاج إلى نفسٍ طويل لتعدادها، أما المواضيع فمستهلكة في الكثير من الأحيان وتكفي مساحةٌ ضيّقة من الخيال لتوقّع أحداثها: المرأة، احذروا هذه المرأة، اعترافات امرأة، الشيطان امرأة، جبروت امرأة، حياة امرأة، خدعتني امرأة، قلب امرأة، مخالب امرأة، مطلوب امرأة، خيال امرأة، لعنة امرأة، العذاب امرأة، المرأة الأخرى، المرأة التي غلبت الشيطان، المرأة الحديدية، المرأة شيطان، المرأة كل شيء، المرأة هي المرأة، المرأة والقانون، امرأة آيلة للسقوط، امرأة بلا قلب، امرأة بلا قيد، امرأة تدفع الثمن، امرأة حائرة، امرأة خطرة (1941 و1986)، امرأة سيئة السمعة، امرأة زوجي (يقابلها جوز مراتي)، امرأة عاشقة، امرأة على الهامش، عدو المرأة، امرأة في السجن، امرأة في الطريق، امرأة في دمي، امرأة في دوامة، امرأة متمردة، امرأة لكل الرجال، مطلوب امرأة، عندما تحب المرأة، امرأة من القاهرة، امرأة من زجاج، من أجل امرأة، امرأة من نار (1950، 1974)، امرأة هزت عرش مصر، امرأة واحدة لا تكفي، امرأة ورجل، امرأتان ورجل (1987)، رجل وامرأتان (1966)، حواء على الطريق، حواء والقرد، الأنثى، الأنثى والذئاب، النساء، 3 نساء، نوع من النساء، عصابة النساء، للنساء فقط (يقابله للرجال فقط)، مملكة النساء.

وطالما كانت هناك نساء، (آنسات وسيدات)، فلا بد أن يكون هناك (أكاذيب حواء) و(كيد النساء) بحسب المواقف المسبقة التي تتبناها أغلب المعالجات السينمائية، في مجتمعٍ يتعاطى بخفّة مع قضايا المرأة عمومًا ويتسامح مع اختزال المرأة بجسد وغواية وأكاذيب ومكائد. وهو إن أقرّ مرةً بقوتها، فهي متمردة، أو خطرة، أو ذات جبروت، أو بلا قلب.

مع ذلك، فلا بد من التوقف في هذه المحطة عند عناوين ثلاثة من علامات السينما المصرية:

شباب امرأة (1956، بطولة تحية كاريوكا وشكري سرحان وشادية وعبد الوارث عسر، إخراج صلاح أبو سيف، قصة أمين يوسف غراب) في دور لتحية كاريوكا يتجاوز في جرأته أدوارها النمطية في أفلامٍ سابقة كراقصة أو بنت هوى، حيث تظهر في شخصية المرأة الشبقة المنجرفة وراء رغباتها، التي تمعن في الشاب الريفيّ الساذج إغواء وتكتسح شبابه بأنوثة طاغية لا خلاص منها إلا بموتها.

امرأة في الطريق (1958، بطولة هدى سلطان ورشدي أباظة وزكي رستم وشكري سرحان، إخراج عز الدين ذو الفقار، القصة والسيناريو لعبد الحيّ أديب) هنا أيضًا المرأة المتيمة هي مصدر الغواية وسبب الشقاق بين أخوين غير شقيقين، وهو من الأفلام القليلة القاسية لعز الدين ذو الفقار مقارنةً بأفلامه الأخرى التي صوّرت الحب بطريقة رقيقة ساحرة (بين الأطلال، نهر الحب، ردّ قلبي، الشموع السوداء).

المرأة المجهولة (1959، بطولة شادية وعماد حمدي وشكري سرحان وزهرة العلا وكمال الشناوي، إخراج محمود ذو الفقار عن الرواية الفرنسية مدام إكس لألكسندر بيسون) الذي قدّم شاديةً في صورة مغايرة لأدوارها السابقة كفتاة دلوعة وخفيفة الظل، وقد غنت فيه مجموعة من الأغاني أشهرها «سيد الحبايب يا ضنايا انت» و«وديني مطرح ما توديني»، ونال الفيلم نجاحًا نقديًّا وجماهيريًّا واسعًا.

هذه الأفلام تعد نموذجًا عن بعض الأعمال التي أنتجت في مرحلة مبكرة بعد ثورة الضباط الأحرار والتي حملت تغييرًا في الرؤية الفنية ونأت بنفسها عن موجة من الأفلام الخفيفة قائمة على مواقف هزلية أو مغرقة في الدرامية (أو الاثنين معًا) مع عنصرين لا غنى عنهما: أغنية وراقصة.

السادة الرجال

أما الأبطال الرجال، فهم في السينما المصرية أقوياء، خطرون، شجعان، أو أقله، مساكين طيبون يسهل اصطيادهم والتلاعب بهم، وفيهم ستجد أقوى الرجال، رجال في المصيدة، رجال في العاصفة، رجال لا يخافون الموت، رجال لا يعرفون الحب، رجال بلا ملامح، نحن الرجال طيبون، 3 رجال وامرأة، صائدة الرجال (يقابله صائد النساء)، أخطر رجل في العالم، أشجع رجل في العالم، الراجل ده حا يجنني، الرجل الآخر، الرجل الثاني، الرجل الثالث، الرجل الثعلب، الرجل الصعيدي، الرجل المجهول، الرجل المناسب، في طريقي رجل، الرجل الذي باع الشمس، رجل المستقبل، رجل بلا قلب، رجل بمعنى الكلمة، رجل بين امرأتين (رجل وامرأتان، امرأتان ورجل!)، رجل ضد القانون، رجل فقد عقله، رجل في الظلام، رجل في سجن النساء، رجل في عيون امرأة، رجل لا ينام، رجل لهذا الزمن، آدم والنساء، أدم وحواء.

مع الرجال، تستوقفنا ثلاثة عناوين:

في بيتنا رجل: رواية إحسان عبد القدوس الشهيرة التي حوّلها هنري بركات بحساسية شديدة إلى فيلم سينمائي في العام 1961 من بطولة عمر الشريف ووزبيدة ثروت وحسن يوسف وزهرة العلا ورشدي أباظة وحسين رياض وتوفيق الدقن، يمزج الفيلم بين النضال والحب على غرار أفلام أخرى أنتجت بعد ثورة يوليو (ردّ قلبي، لا وقت للحب، الباب المفتوح).

الرجل الذي فقد ظله: قصة الكاتب الصحفي موسى صبري التي تحولت في العام 1968 إلى فيلم سينمائي جمع فيه المخرج كمال الشيخ نجومًا من طراز كمال الشناوي وعماد حمدي وماجدة ونيللي وصلاح ذو الفقار، يظهر فيها كمال الشناوي للمرة الثانية في شخصية الصحفي الانتهازي بعد دوره في اللص والكلاب.

آخر الرجال المحترمين: فيلم من تأليف وحيد حامد أخرجه سمير سيف في العام 1984 مع نجمه المفضل نور الشريف بالاشتراك مع بوسي وأحمد راتب، يناقشُ علاقة المواطن بالسلطة في زمن الانفتاح الذي شوّه قيم المجتمع المصري.

من اللافت أننا لا نجد بين الأفلام التي استشهدت بالمرأة في عناوينها إلا قلة عالجت قضاياها ومعاناتها كزوجة أو كأم أو كأنثى لها حقّ تحديد مصيرها، بينما الأعمال التي نجحت في التصدي لذلك من جانب أو أكثر لا تحمل بالضرورة، ولحسن الحظ، في عنوانها كلمة امرأة، وسنستعرضها في المقالة القادمة.

(يتبع)

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد