كنت قد تناولت في مقالي الأول تحت عنوان: المعضلة المصرية والحل الممكن الأسس والركائز التي أعتمد عليها في طرحي لحل المعضلة المصرية. أسميته الحركة التصحيحية لتمكين الثورة، ووعدت بتقديم تفاصيل الطرح في مقالات أخرى، وها أنا أفي بما وعدت به.

يقوم الحل المقترح على مبدأ هام وأساسى أرى أن الإيمان به ضروري، بل حتمى لكل فرد أو جماعة يريد أو تريد الانضواء تحت الحركة التصحيحة لتمكين الثورة، ويتمثل هذا المبدأ في الاعتقاد بأن المسار الذي اتبعته قوى الثورة، أو إن شئت قل فرض على تلك القوى، عقب تنحى مبارك في 11 فبراير (شباط) 2011 كان مسارًا خاطئًا بامتياز، وهو ما أدى بنا جميعا إلى خطوات معيبة؛ فكانت النتيجة الفعلية، والمنطقية من وجهة نظري، لذلك المسار الخاطئ والخطوات المعيبة هي فشل الثورة أو انكسارها إلى حين. ولو اقتفينا أثر المنطق والتاريخ لخلصنا إلى أن تسليم السلطة الانتقالية ممن قامت عليه الثورة، وأعني هنا الفريق محمد حسني مبارك إلى الجهة التي جاءت به إلى الحكم ابتداءً، وهي قيادة القوات المسلحة المصرية، وقبول قوى الثورة بذلك في حينه هو بمثابة فشل للثورة منذ اللحظة الأولى، فلا يعقل ولا يستقيم أن نصدق أن قيادة القوات المسلحة المصرية ستفتح الطريق أو تمهد السبيل لآخرين من خارجها لتولي الحكم في مصر، حتى لو أعلنت هي ذلك، أو أظهرت أنها تعمل على تحقيقه، ولقد شهد التاريخ سابقًا ولاحقًا على صحة هذا الاعتقاد.

ويترتب على الإيمان بمبدأ المسار الخاطئ طرح كل إجراءات المجلس العسكري وقيادة الجيش من خلفه كونها كانت ترمي في الحقيقة إلى إعادة الكرة، والعودة مجددًا إلي السلطة من خلال وجه جديد، وهو ما وجدوه في عبد الفتاح السيسي، وهو ما يعني وجوب سقوطها وعدم الاعتداد بها كليًا منذ لحظة أول إجراء منها، ألا وهو تسليم السلطة من مبارك إلى قيادة القوات المسلحة المصرية.

ويستلزم من الكل جماعات وأفراد العودة بحالة الثورة إلى ما كانت عليه قبل ساعة واحدة من تنحى مبارك، وهو ما يعنى بطبيعة الحال إسقاط الجدل القائم حاليا حول دور الإخوان وشرعية د. مرسي ومسؤولية ما سمي بثورة يونيو (حزيران) عما نحن فيه، فالاعتداد لن يكون إلا بثورة يناير (كانون الثاني) ولحظة حصول تنحي مبارك، وأما ما وراء ذلك فلا مجال للتمسك به، ولكل مشارك أو مؤمن بثورة يناير كثورة وحيدة أحبطتها إجراءات مغرضة من المجلس العسكرى الحق في تصحيح مسار الثورة دون فضل أو مكايدة.

وتتكون الحركة التصحيحية لتمكين ثورة يناير من كل فرد وجماعة وفصيل داخل أو خارج مصر يؤمن بكون هذه الثورة هي الثورة الوحيدة، وأن ما تم بعد ذلك هو انقضاض عليها من قبل قيادة القوات المسلحة المصرية، ويستحضرني هنا موقف بعض الكيانات التي تبنت منذ البداية المبدأ القائل بخطأ المسار تحت مظلة المجلس العسكري، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: حركة السادس من أبريل (أحمد ماهر) والاشتراكيون الثوريون، والجبهة السلفية، وحركة (حازمون) وأفراد كأحمد حرارة، وعلي عبد الفتاح، وأسماء محفوظ، وغيرهم.

وبالنظر إلى خنق حرية الرأي وإجهاض التعبير السلمى وقتل العمل السياسي بالداخل المصري، فيتعين على الحركة إنشاء هيئة تأسيسية يكون مقرها الرئيس بباريس أو برلين أو بروكسل، واختيار إحدى تلك العواصم إنما يرجع إلى أن مساحة التحرك والتأثير، بل الصراع السياسي والحقوقي والدبلوماسي سيتركز بالدرجة الأولى على دول الاتحاد الأوروبي، وذلك لعدة اعتبارات جيو سياسية سيسهل فهمها عندما نعرض لتفاصيل خطوات وتحركات الهيئة التأسيسية.

وتتشكل الهيئة التأسيسية من مائة فرد من المصريين المقيمين بالخارج، ولو كانوا مزدوجى الجنسية والمصريين، أو المقيمين بمصر القادرين على التحرك بحرية للخارج، ويمكن لكل كيانات الداخل أن تسمي مندوبها أو مندوبيها من الأفراد الموجودين بالخارج أو القادرين على التواصل الآمن مع الخارج، فلدى مصر ما يزيد على تسعة ملايين مواطن يعيشون بالخارج خذلوا السيسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما أن لديها أمثال د. محمود رفعت، ود.نائل شافعي، ومحمد البرادعي، ود. عصام حجي، ود. عمر دراج، ود. أيمن نور، ود. صفى الدين حامد، وا. عمر واكد، وا. خالد أبو النجا، ود. عمرو حمزاوي، و د. سحر عزيز، وغيرهم ممن يمكنهم أن يشكلوا زخمًا للهيئة التأسيسية بالخارج.

وتقوم الهيئة التأسيسية بانتخاب مجلس رئاسي من خمسة أفراد ممن يتمتعون بحرية الحركة والمنعة من المتابعة الأمنية المصرية والخبرة في العمل السياسي أو الدبلوماسي أو الحقوقي في دول ذات ظل نظم ديمقراطية راسخة، أو على أقل تقدير ممن تعايش طويلًا مع أحد النظم الديمقراطية في دولة مستقرة، ويتوخى في انتخاب المجلس الرئاسى تمثيل كل القوى الرئيسة الداعمة لثورة يناير ما أمكن ذلك، ويختار المجلس من بين أعضائه رئيسًا ونائب رئيس، والمجلس هو ممثل الحركة التصحيحية أمام كل الجهات و المحافل الدولية.

على أن أعضاء الهيئة التأسيسية مزدوجي الجنسية سيتعين عليهم عدم تولي مناصب بمصر أو الترشح بأي انتخابات داخل مصر، وإنما سيكونون ظهيرًا سياسيًا وحقوقيًا ودبلوماسيًا، بل ربما اقتصاديًا لكل مرشح آخر تختاره الحركة التصحيحية لمنصب أو انتخابات في الداخل المصري. وستستمر هذه الحالة لحين تمكين الثورة ووضع دستور جديد للبلاد.

وسأقوم في مقالاتي القادمة بإذن الله بعرض المهام والخطوات التي على الهيئة التأسيسية والمجلس الرئاسي القيام بها لإحداث الاختراق المرجو لزعزعة سلطة العسكر والسيسي وتمكين الثورة في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد