خرج من رحم أمه ليجد عالمًا مختلفًا تمامًا عمّا تعود عليه بالداخل، فهو لم يعد يسمع دقات قلبها إلّا في مناسبات تحدث كل عدة ساعات، ولم تعد تفزعه الصرخات المتكررة في أواخر أيامه بهذا السكن، مرت الأيام عليه، ذاهلًا تارة، وباكيًا تارة، ومؤرقًا بسبب أشياء ليست بيده تارةً أخرى، كبر قليلًا ودخل مرحلة الطفولة، جِراح الركبتين والطاقة التي تفوق إمكانيات جسده الضئيل، والتعليمات الأبوية التي ما أنزل الله بها من سلطان، ها هو أصبح «شحطًا» كبيرًا كما تقول أمّه دائما، مراهقًا تنضح من وجهه آثار الهرمونات، كانت نتائجه في الثانوية ليست على المستوى المطلوب، لذلك حينما دخل الجامعة وجد نفسه يدرس أشياء لا تمت لرغباته بصلة، ولكن أجواء الجامعة جذبته على أي حال، فأصبح يهتم بمظهرة أكثر، طريقة كلامة، ضحكته، ردود أفعاله. كان يجب أن يتم كل هذا بشكل أكثر أناقة، بدأ في اكتشاف الأجزاء العميقة في شخصيته، كان برغم ازدحام محيطه يشعر بالعزلة، حتى قابل تلك الفتاة التي جمع بينهما أنهما الوحيدان اللذان رسبا في مادة الدكتور مفتاح، وبدأت السمفونيات بالعزف، فذوقهما واحد، طباعهما واحدة، يقولان نفس الشيء في نفس الوقت، وينهار الزمن من فرط السرعة حينما يتحدثان.

أحبها بجنون، كان يشعر بأن كل شيء متعلق بها يجري في عروقه بطريقة ما، لو أن شاعرًا من شعراء العرب الكبار عصر عقله شهرًا ليصف ما بقلب الفتى لعجز، كان فتىً وسيمًا، ذكيًا، مشاغبًا أحيانًا، قد تختلف الآراء حول طباعه، ولكن الكل يتفق على أنه كان عاشقًا حتى النخاع، أحبته بدورها، كان أول حب لهما وبدا أنه الأخير، وصلا إلى علوّ شاهق من المشاعر، تلك المشاعر التي ينقبض لها القلب وينبسط، وتنطلق معها الروح إلى مروج خضراء من الأماني والأحلام، مرّت شهور أخرى وهبطا من هذا العلو الشاهق على صخرة الواقع، هو بالكاد يملك ثمن البوكسر الذي يلبسه، والفتاة تصير أجمل مع كل ساعة تمر، فتنهال عليها طلبات رسمية من التي تروّج لها الخالة فلانة صديقة الخالة علّانة ويكون قوامها الشقة الجاهزة والعمل في الخليج وأشياء أخرى من التي تجعل من أي أحمق «عريس لقطة»،

ارفضيهم، حاربي أهلك والمجتمع من أجلي، قلت أنك ستنتظرين للأبد، لذا تمردي أو اهربي، ولكن مهلًا أيها الثائر فالأمور لا تسير هكذا، الأمور عبارة عن سلسلة طويلة من المشادّات والحرب النفسية وضغط الأعصاب واحتقان الأجواء وانفجار الأمور أحيانًا، سلسلة طويلة مفادها أنها لا يمكنها الانتظار أكثر.

وهكذا ذهب كل شيء، بعد عدّة ليال من البكاء والعويل وإلقاء اللوم على بعضهم قررت هي الاستسلام، وجاء «العريس اللقطة» من الخليج، شكله مقبول، يبدو أنه كدح كثيرًا ليصل إلى هنا، عيناه تنمّان عن حزن قديم، وسعادة وليدة اللحظة، تخطى كل الرسميات والمفاوضات وقال بصوت واثق: «إن شاء الله الفرح كمان شهر، أنا واخد أجازة قصيرة من الشغل وعايز ألحق أظبط كل حاجة عشان هاخد مراتي معايا»، كانت هي شاردة، في الغالب لم تسمع حرفًا مما قيل، ولكن بطريقة ما علت الزغاريد، وتم كل شيء سريعًا، وهكذا انتشرت صور الزفاف على «الفيس بوك».

كان صاحبنا يظن أنه أقوى من هذا، ولكنه ما إن رآها بفستان الزفاف حتى انفجر، كرهها، كره زوجها، كره نفسه والعالم، انقطع عن الطعام، التزم الصمت واعتزل الناس، قتل الحنين جزءًا منه، قتلت الغيرة جزءًا آخر، قتلت الكراهية أجزاءً، أصبح خاويًا، استقبل فترة التجنيد بكثير من اللامبالاة، قضى عامًا طويلًا مليئًا بأشياء على غرار: «ارقد يا عسكري»، «ازحف يا عسكري»، «إنت ولا حاجة»  (ظن أنهم ربما كانوا محقين في آخر جملة).

خرج ليبدأ رحلة اسمها الحياة، الأمور لا تجدي هنا، الأسعار في الصاعد والرواتب في النازل، ربما يكفي هذا الراتب سجائره التي ينفث بدخانها اكتئابه، أو طعامه وملابسه اللذين من حق أي حمار وحشي في أستراليا مثلًا، الملاذ الأخير دومًا ما يكون متمثلًا في إحدى دول الخليج، سافر، عمل كترس في آلة، جنى مالًا، كان يكوّم المال فوق جراحه القديمة فتداريها، تلك الأوراق الفانية التي حُرم بسببها من سعادته كاملة، تغيّر مع الزمن، اجتاح النسيان أيامه ببطء، مرور الزمن جعله أقوى، ولكنه «كرجل»، له احتياجات فيزيائية بحتة، هاتَف أمّه بخصوص البحث عن فتاه مناسبة، بشرط أن تكون جميلة متفجرة الأنوثة، عاد ليراها بعد أن قامت الخالة فلانة بدورها الاستخباري مع الخالة علّانة، ذهب لمقابلة الفتاة في جلسة عائلية مليئة بالابتسامات الزائفة وتصنّع الرقيّ، كانت الأمور رسمية، بدا للفتاة أنه كدح كثيرًا ليصل إلى هنا، عيناه تنمّان عن حزن قديم، وسعادة وليدة اللحظة، تخطى كل الرسميات والمفاوضات وقال بصوت واثق: «إن شاء الله الفرح كمان شهر، أنا واخد أجازة قصيرة من الشغل وعايز الحق أظبط كل حاجة عشان هاخد مراتي معايا»، كانت هي شاردة، في الغالب لم تسمع حرفًا مما قيل، ولكن بطريقة ما علت الزغاريد، وتم كل شيء سريعًا، وهكذا انتشرت صور الزفاف على «الفيس بوك».

كان يعلم أن هناك من يشاهد تلك الصور وينتحب،. كان يعلم أنه واحد من أكثر عشر شخصيات مكروهة في العالم في تلك اللحظة، كان يعلم كل شيء ولكنه اختار أن يتجاهل كل شيء ويستمر في التقدّم، مرّ عام على زواجه، وكانت فرحته لا توصف حين أصبح أبًا، هذا الطفل الذي سيحمل اسمه قد خرج من رحم أمه ليجد عالمًا مختلفًا تمامًا عمّا تعود عليه بالداخل، فهو لم يعد يسمع دقات قلبها إلا في مناسبات تحدث كل عدة ساعات، ولم تعد تفزعه الصرخات المتكررة في أواخر أيامه بهذا السكن.

«لن تنتهي»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد