البحث عن بدائل أخرى

تسير الأوضاع داخل مصر في طريق صعب على كافة المستويات، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي؛ مما صعب من حياة المصريين بشكل كبير لم يشهدوه أو يتوقعوه منذ ثورة 25 يناير، وهو ما يرجع إلى تنفيذ روشتة صندوق النقد الدولي ورفع الدعم عن المحروقات والكهرباء والغاز والمياه.

ومما يصعب الأمر أكثر الطريقة التي تتبعها الإدارة الحالية والتي تنفرد بكافة الأمور والقرارات الاستراتيجية وغير الاستراتيجية، كما تشهد تلك الفترة تعاظمًا لدور المؤسسة العسكرية في كافة المجالات وبشكل خاص الدور الاقتصادي إلى جانب استبعاد النخب المدنية عن صناعة القرار أو المشاركة في صنعه.

يبدو النظام السياسي المصري الحالي أقرب إلى عرض الرجل الواحد، الذي يتحدث في كل شيء بدءًا من الأراضي الحكومية التي يسيطر البعض بشكل مخالف للقانون مرورًا بالحديث عن دهان واجهات العمارات انتهاء بالمشروعات الإسمنتية والتي تصرف عليها من ميزانية الدولة التي تعاني عجزًا من الأصل وانتهاء بصناعة القرارات الاستراتيجية مثل التعامل مع ملف تيران وصنافير أو التصرف في مياه النيل.

أيضًا يلاحظ تصاعد الاعتماد على الأجهزة الأمنية والذي أصبح طرفًا أساسيًا في إدارة العملية الانتخابية والسياسية والحزبية، وكذلك ملفات إدارة الإعلام من خلال حجب المواقع ومصادرة الصحف.

كما يعاني النظام السياسي المصري أزمة في وضع الأولويات إلى جانب الانحيازات الاقتصادية والاجتماعية للتوجه الرأسمالي في صورته البدائية القبيحة، واتباع طريق وسياسات نظام مبارك بشكل أكثر تطرفًا، سواء برفع الدعم نهائيًا وتحميل مشكلة الديون المتزايدة على المواطن العادي، وكذلك باتباع روشتة صندوق النقد الدولي وزيادة الاقتراض، وفي التالي تنوء ميزانية الدولة بأقساط سداد الدين الذي وصل إلى أرقام ضخمة.

وفي المقابل على المستوى السياسي يتعامل نظام السيسي مع أحزاب المعارضة والقوى المدنية بطريقة مختلفة لم يتوقعها الكثيرين حتى في أسوأ أحلامهم، وكان الظن أنه بالإمكان أن تتولى جبهة الإنقاذ الأكبر في إدارة البلاد في أعقاب 30 يونيو (حزيران) 2013 بعد أن وقفت ضد سياسات الإخوان في استبعاد القوى المدنية بشكل مطلق.

الا أنه وتحديدًا منذ عام 2014 بدأ النظام يقوم باستبعاد مطلق للأحزاب السياسية التي كانت جزءًا من هذا التحالف باستثناء بعض الأحزاب التي سيطرت عليها الدولة مثل حزب الوفد الذي نجحت الدولة في تأمين إدارة حزبية شبه حكومية له، أيضًا لا زال حزب التجمع يراهن على سياسات النظام الحالي من خلال تأييد التعديلات الدستورية الأخيرة، رغم حرص الحزب على تأكيد اختلافه مع بعض السياسات الاقتصادية للنظام.

في المجمل لا يزال يعتمد النظام على القبضة الأمنية والاعتماد على بعض احزاب التي صنعها النظام بعد 30 يونيو وأبرزها حزب مستقبل وطن وحماة وطن وغيره، وبدرجة أقل حزب المصريين الأحرار جناح عصام خليل.

في المقابل تستمر حالات القبض على نشطاء المعارضة بشكل شبه يومي، وتقوم النيابة بمد حالات الحبس الاحتياطي بل ما يتجاوز العامين ولتصل إلى ثلاثة أعوام في حالات كبيرة.

وتستمر الهجمة على الحياة الحزبية ورؤساء الأحزاب وقياداتها، احتجزت الدولة عددًا من قيادات تيار الكرامة.

ويدخل د. عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي في 2012 حبسه لمدة قاربت على العام.

فضلًا عن عدد من قيادات حزب الدستور، والمصري الديمقراطي. وشباب ثورة 25 يناير مثل مصطفى ماهر شقيق أحمد ماهر القيادي بحركة 6 أبريل وعدد من نشطاء اليسار ومنهم د. جمال عبد الفتاح وهيثم محمدين. فضلًا عن حبس أحمد دومًا بأحكام تصل إلى 25 عامًا.

إلى جانب الشخصيات العامة الصادر عليها أحكام قضائية في قضية إهانة القضاء، ومنهم المحاميان المعروفان منتصر الزيات عضو مجلس النقابة الأسبق ومحمد منيب المحامي وعضو مجلس النواب السابق، وم. حمدي الفخراني عضو مجلس النواب السابق أيضًا. فضلًا عن صدور أحكام قضائية على المستشار هشام جنينة رئيس نادي القضاء الأسبق ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، والمستشار أحمد سليمان وزير العدل الأسبق.

كما يستمر حبس عدد من الصحافيين والمدونين ومنهم عادل صبري رئيس تحرير موقع مصر العربية.

ورغم إصدار عفو جمهوري عن 560 متهمًا منذ أيام والصادر عليهم أحكام وجزء منهم ينتمي منهم لأعضاء جماعة الإخوان ومنهم أيضًا الكاتب والصحافي المعروف د. عبد الحليم قنديل لأسباب صحية، وإخلاء سيبل السفير معصوم مرزوق ود. يحيي القزاز. ورائد سلامة ود. عبد الفتاح البنا، وهم محبوسون منذ عام تحت ذمة قرارات الحبس الاحتياطي بعد فحص القضية وظهور عدم صحة الاتهامات الموجهة إليهم؛ فتخيل كم من المظلومين الذين لا زالوا بالحبس بسبب اتهامات من عينة إذاعة أخبار كاذبة والتحريض على مواقع فيسبوك؟

السؤال الأساسي في هذا لسياق كيف سوف تتعامل قوى المعارضة المصرية مع نظام السيسي في هذه المرحلة؟ وهل ليس هناك ما تقوم به هذه القوى؟ وهل أفلست سياسيًا بتقديم بديل شعبي وسياسي للنظام الحالي؟

يأتي هذا في ظل إثارة الفتن والانقسامات بين قوى المعارضة، سواء من خلال الحديث عن معارضة الداخل ومعارضة الخارج، ومحاولة البعض إبراز وتسويد هذا التقسيم بين طرفي المعارضة، ناسين أن معارضة الداخل وقياداتها كانت يومًا جزءًا من معارضة الداخل كتفًا بكتف، وأنهم هاجروا للخارج بسبب قمع المتزايد للنظام.

ويلعب النظام على هذه الأزمات لمحاولة خلق واستمرار هذا التقسيم والفصل غير الموضوعي بين كل من المعارضتين، وانشغال معارضة الداخل بنفي اي علاقة لها بمعارضة الخارج بشكل عام دون تفرقة، إلى اجانب انشغالها بالقبض على اعضائها والتضييق اليومي على نشاطها.

من جانب أخر رغم انشاء المعارضة المدنية وبشكل خاص التيار الديمقراطي بأحزابه وبعض نشطاء حقوق الإنسان المستقلين، لبعض الأشكال السياسية مثل الحركة المدنية الديمقراطية، أو اتحاد الدفاع عن الدستور.

إلا أن هذه الأشكال لم تنجح حتى الآن في كسر شفرة أو أن تجد كلمة السر الخاصة بالتعامل مع النظام الحالي، ولم تنجح حتى في بناء بديل ديمقراطي يستطيع مواجهة سياساته والتفكير بشكل استراتيجي في الحد من هيمنة النظام الحالي ووضع سياسات بديلًا لها.

ورغم تحقيق بعض النجاحات الأخيرة في الاستفتاء على تعديل الدستور بقيام كتلة تصويتية معقولة بالرفض لتعديلات الدستور وإعلان وجود ما يقارب 3 مليون صوت رافض، مع التحفظ على الأرقام المعلنة بالتأييد والتي لا يوجد هناك ضمانة للتأكد من صحتها.

وسط الانقسام بين المشاركة بالرفض للتعديلات، وبين الموقف المقاطع، لم تنجح المعارضة في التنسيق بين كل من الموقفين. ولم تضع تصورًا ما بعد نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي ترسخ من هيمنة النظام على كافة السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.

في ظني أن هذا الموقف الحالي من قوى المعارضة أنها تواجه سياسات مختلفة كلية عن نظام مبارك والذي سمح بمساحة هامشية للقوى السياسية الأخرى، لا تمس رأس هذا النظام بسوء، كما سمح بهامش للاعلام في حدود معينة وسمح بإنشاء صحافة خاصة أعطت للنظام واجهة تعددية محدودة، في المقابل احتفظ نظام مبارك في البرلمانات المختلفة مع وجود تمثيل هامشي لقوى المعارضة زادت مع جماعة الإخوان إلى 88 مقعدًا في برلمان 2005. وتعي أحزاب المعارضة الديمقراطية ذلك بالتأكيد.

وما لم تنجح هذه القوى الديمقراطية في وضع استراتيجيات بديلة وذات فعالية لسياسات النظام الحالي ووضع الأسس لكسر هذا الحصار المعلن على نشاطها، وما لم تتجه إلى مزيد من التنسيق مع بعضها والخروج قليلًا عن معادلة البيانات السياسية وقبول سياسات الحصار المفروضة على هذه القوى في مقارها وأشغالها بحالات القبض المستمرة على أعضائها وقياداتها وتشويهها إعلاميًا لن تتغير المعادلة.

ويكفي أن حملة إعلامية مثل «اطمن انت مش لوحدك» حركت كثيرًا من حالة الموات السياسي الحادث في مصر.

إن العنصر الغائب هنا يبدو أنه غياب المواطن عن حلقة النقاش السياسي الدائرة يوميًا في مصر في كافة الشئون الحياتية.

ورغم معاناة هذا المواطن والطبقة الوسطى بتأثير تلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية، في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والتغذية. فإنه يجب الاعتراف أنه قوى المعارضة لم تنجح في استغلال فرصة ثورة 25 يناير التي خلقت ساحات جديدة للنقاش السياسي بين جماهير المواطنين، وأسهمت في تنويرهم بقيمتهم ودورهم السياسي وكيفية بناء حملات ضغط على السلطة واحترام حقوق الإنسان.

لم يتم استغلال المساحة السياسية التي أتيحت في الفترة من 2011 ـ 2014، لجذب وتجنيد المزيد من الأعضاء أو المواطنين وتفعيل دورهم في الحياة السياسية بشكل حقيقي، وأغلب الأحزاب المصرية لا تعمل على تحقيق أحد المفاهيم الأساسية في البناء التنظيمي وهو التجنيد السياسي للأعضاء وتفعيل دورهم التنظيمي في التواصل مع الجماهير.

واستخدام آلية التثقيف الحزبي في بناء وعي سياسي موضوعي يتبني رؤية الحزب الفكرية والسياسية والاقتصادية المعارضة للنظام وكيفية مواجهتها وتجاهل استخدام آلية التخطيط الاستراتيجي في بناء أحزاب قوية لديها استراتيجيات وسياسات بديلة. كما يغيب عنها الامتداد الجيلي وبناء منظمات تعمل وسط الجمهور الطلابي والعمالي والفلاحي.

إلى جانب غياب منابر إعلامية تطرح وجهة نظرها للجمهور، وفي النهاية تستطيع الحصول على مزيد من التأييد السياسي تنعكس في صناديق التصويت وتحميها.

وبدلًا عن ذلك انشغلت أغلب الأحزاب في مواجهة الانشقاقات الداخلية، سواء المدارة بالأمن وأجهزة الإدارة أو بعيدًا عنها.

ولذلك تجد الأحزاب المصرية نفسها عارية في مواجهة القمع الرسمي، في ظل غياب رأي عام دولي يستطيع الضغط على سياسات النظام، وغياب الجمهور من ساحة الفعل السياسي، وتسويد مناخ الخوف من ممارسات الدولة الأمنية والقمعية في مواجهة معارضيها حتى من خلال بوست على «فيسبوك».

فما العمل؟ يمكن الاستفادة من بعض التجارب التي نجحت ولا تزال في مواجهة الأنظمة المستبدة، وأبرزها ما تم في التجربتين الجزائرية والسودانية، مثلًا تجربة تجمع المهنيين السودانيين يمكن الاستفادة منها، بتوسيع صفوف جبهة المعارضة، سواء بضم جماعات نقابية ومهنية وعمالية أو بناء تجمعات تمثل المواطنين والدخول في تحالف جبهوي يستطيع دعم الحركة المدنية الديمقراطية أو بناء شكل آخر يستيطع وضع استراتيجية طويلة المدى لمواجهة هذه السياسات التي تقود مصر إلى الوراء لقرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد