من أكبر المشاكل التي تواجهها المعارضة المصرية اليوم هي مشكلة التشتت والانقسام الحاد الناتج عن اختلاف الأولويات.

من الطبيعي أن تتواجد الاختلافات الفكرية الناتجة عن اختلاف الأيديولوجيات، ولكن عدم قدرة المعارضة المصرية على الاصطفاف برغم هذه الاختلافات وعدم قدرتها على ترتيب الأوراق والتركيز على الأهداف المشتركة يعوقها عن التقدم، خاصة أن دور المعارضة المصرية ليس سهلًا مطلقًا في وجه نظام يمتلك قوانين مثل قانون التظاهر الذي يظهر قانونُ الطوارئ الخاص بمبارك بجانبه كالطفل الوديع.

ينقسم المعارضون إلى العديد من القوى والتيارات والجماعات، وإن كنا نستطيع طبقًا للاختلاف الأيديولوجي أن نقسمهم إلى كتلتين؛ الكتلة الأولى تضم القوى المسماة بالقوى المدنية كحركة السادس من أبريل وحركة الاشتراكيين الثوريين وحزب الدستور والتيار الشعبي، وغيرهم من الأحزاب والتيارات الحاملة لنفس الأولويات مع وجود اختلافات فكرية جوهرية بينهم نحن في غنى عن الحديث عنها في هذا المقال. والكتلة الثانية تضم القوى المسماة بالإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوسط ومؤيدي أبي إسماعيل ومرسي وغيرهم من الإسلاميين.

تضع الكتلة الثانية عودة مرسي على رأس أولوياتها وتتمسك بذلك المطلب استنادًا إلى شرعية انتخابات 2012، بينما ترفض الكتلة الأولى ذلك المطلب رفضًا حاسمًا استنادًا إلى الجماهير الغفيرة التي نزلت إلى الشارع في الثلاثين من يونيو من عام 2013.

تتبادل الكتلتان الاتهامات بينهما وإن اختلفت تفاصيل تلك الاتهامات فالتهمة الأكبر هي «خيانة الثورة».

بغض النظر عن إيماني بعدم حدوث ثورة حقيقية في الفترة التالية للخامس والعشرين من يناير، إلا أن خيانة الثورة على افتراض حدوثها تهمة في غاية الخطورة. هل تصح هذه التهمة الموجهة للكتلتين إحداهما إلى الأخرى؟ في رأيي اختلاف تصرف كل كتلة في المراحل السياسية المختلفة التي عبرنا بها كان ناتجًا عن اختلاف زوايا تفكير كل كتلة.

الإخوان بعد الحادي عشر من فبراير آمنوا بنجاح الثورة وبناء على هذا الإيمان الذي اتضح لهم بطلانه فيما بعد, بدؤوا بلعب السياسة كما لعبوها 80 عامًا ماضية, في البداية بدؤوا كالمقامر في لاس فيغاس باللعب على القليل, فراهنوا على مجلسي الشعب والشورى ثم خشوا الخسارة المستقبلية فطمحوا في ربح سريع يعوضهم عن تلك الخسارة القادمة لا ريب، وبذلك رفعوا سقف الرهان وأعلنوا دخول الانتخابات الرئاسية, هل كان الإخوان على جهالة تامة بالنضال القائم بمحمد محمود وبفساد المجلس العسكري من أخمص قدميه إلى أعلى رأسه؟ بالطبع لا, ولكن رؤيتهم بمنتهى البساطة كانت محاسبة كل مجرم على جرائمه لاحقًا عند استقرار المناخ وإيمانهم بقدرتهم على محاسبة المجرمين مستقبلًا كانت نابعة عن فكر الإخوان الإصلاحي الذي كان يصفه أصدقائي في تلك الفترة بالعقيم, وإن كنت أختلف معهم أن الإصلاح قد ينجح في بعض الحالات ولكن لكل حالة ظروفها، وظروف بلادنا بعد الحادي عشر من فبراير لم تكن تسمح بتطبيق ذلك الفكر مطلقًا ومع ذلك بسبب الإيمان بنجاح الثورة الذي ذكرته سابقًا، فقد آمن الإخوان بقدرته وساروا في هذا الطريق إلى نهايته.

لو كان الإخوان على علم بقلة حيلتهم وبضعفهم وضعف مرشحيهم سواء كانوا مرشحين لمجلس الشعب أو للرئاسة أمام الدولة التي استمرت في تجانس تام ستين عامًا، وبرغم هذا العلم عاندوا وقرروا الاستيلاء على السلطة، فهذه مصيبة. أما إذا كانوا يجهلون تمامًا قوة مؤسسات الدولة وتجانسها وامتلاءها بالفساد وقامت مفاجأتهم على حد قولهم فهذه مصيبة أكبر؛ لأن ذلك قد ينبع عن حزب جديد على السياسة وليس عن جماعة مارست السياسة 80 عامًا كاملة واحتكت واصطدمت بالدولة مرارًا وتكرارًا.

بدأت حالة الانقسام بين الكتلتين في تلك الفترة وبدأ كره الكتلة الثانية يزرع زرعًا في قلوب الكتلة الأولى.

فشل الإخوان بالطبع خلال ذلك العام الذي حكمه مرسي, وإن كان ذلك الفشل يرجع إلى عدم وجود إستراتيجيات واضحة المعالم لمواجهة ما سموه  بـ«مؤامرات الدولة العميقة»، أو كان بسبب عدم تقدير الإخوان لحجمهم أمام دولة كاملة بداخليتها وقضائها ووزاراتها وأبواقها الإعلامية الفتاكة.

ففي تلك الفترة استغل معارضو الكتلة الثانية الفرصة سواء كانوا من الكتلة الأولى أو ممن اشتاقوا إلى عودة المياه إلى مجاريها، وهنا في رأيي وقع خطأ الكتلة الأولى من المعارضة الحالية.

السيناريو المثالي كان إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تحت ضغط جموع 30 يونيو الغفيرة أو انتخابات مجلس شعب يحدد ثلثيه رحيل مرسي أو بقاؤه, ما هو الفرق بين إسقاطه بهذه الطريقة وبين ما حدث؟ أولًا كان سيرجع الإخوان إلى بيوتهم صامتين تمامًا لرحيل مرسي بالصندوق كما جاء بالصندوق، وبالطبع لا شك أن مرسي الذي حصل على 52% من الأصوات بعد عصر الليمون كان سيخسر أية انتخابات أو استفتاءات قادمة خاصة بعد عامه الوردي الذي قضاه في السلطة، وبذلك كنا سنتجنب أنهارًا من الدماء ولم يكن ليوجد الإرهاب أصلًا لكي نحتاج محاربته، ولكن للأسف تركت الكتلة الأولى من المعارضة الحالية زمام الأمور للأيدي الخاطئة أو أنها لم تتركه لأنها لم تمسكه من الأصل بيديها، وإنما كانت واضعة يديها على سم علقم مغلف بالسكر مدهون على زمام الأمور وصارت لا تقل خطأ واحدًا عن أخطاء الإخوان.

تهمة الكتلة الأولى في حق الكتلة الثانية باطلة برغم ارتكابها الخطأ الذي ذكرته مسبقًا.

تهمة الكتلة الثانية في حق الكتلة الأولى باطلة برغم ارتكابها الخطأ الذي ذكرته مسبقًا.

والسبب في أن تهمة كل كتلة للأخرى واحدة هو أن الخطأ واحد وإن اختلف التوقيت, لعب كل منهما السياسة في توقيتات تعد فيها السياسة نجاسة.

ظهرت ومضات مفرحة مؤخرًا توحي بنمو درجة الوعي لدى المعارضة المصرية, لا مفر من جمع شمل أطراف المعارضة مرة ثانية ولا مفر من إجراء حوار حقيقي تحدد على أساسه الأولوية للوقوف في وجه الفساد، وعلى كل الأطراف تجديد التأكيد على سلميتها الكاملة ونبذها الكامل للعنف والتطرف والإرهاب الذي لم يكن الحل أبدًا لأي مشكلة ولم يكن هو في حد ذاته المشكلة أيضًا، بل إنه نتيجة مؤسفة لمشكلة مصرنا العزيزة وعلى كلتا الكتلتين التخلي عن كافة الاعتبارات الأخرى لحين توافر المناخ الذي يسمح للسياسي بأن يكون سياسيًّا.

مع الوضع في الاعتبار أن «التنازل» عن بعض المستحقات يدل على كون تلك المستحقات حقًّا واجبًا لكل طرف من الأطراف، ولكن التنازل بمعنى التخلي عن هذا الحق المشروع هو الحل الوحيد للتقدم إلى الأمام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد