شاهدت منذ فترة على موقع (يوتيوب) فيديو يتحول فيه المايسترو من قيادة فرقته الموسيقية إلى قيادة الجمهور الذي يشاهد الحفل، ليتناغم تصفيقه مع إيقاع آلات الفرقة علوا وانخفاضا، وعلى خلاف قادة الأوركسترا الذين يعطون ظهورهم للجمهور طوال الوقت، استدار الرجل بوجهه، وحول أكف الآلاف إلى آلة جديدة تصدر نغمة غير مكتوبة في النوتة الموسيقية.

تسألني: ما علاقة هذا بالثورة المصرية؟ أقول: تفتقد الثورة المصرية مثل هذا المايسترو.

لقد أكد الجميع أن ثورة 25 يناير ثورة شباب، لا رأس لها، ولا قيادة، وضخمت الأذرع الإعلامية ومن ورائها أجهزة الأمن والمخابرات هذا المعنى، فلا يحق للقادة ولا الساسة ولا الرموز أن يتصدروا مشهد الثورة، وعليهم أن يتأخروا ويخلوا مواقع الصدارة للشباب.

ربما كانت هذه نقطة قوة للثورة المصرية في مرحلة الانطلاقة، لكنها تحولت إلى نقطة ضعف في حالة الاستمرار، وفي مرحلة الثورة المضادة والانقلاب العسكري وما بعده.

أريد للرموز أن تتوارى لتكون الثورة جسدا بلا رأس يسهل تقطيعه، ولتكون المباراة مع الشباب من خلال عشرات الائتلافات التي تدعي أنها تتحدث باسمهم وباسم الثورة. هذه من جهة.

ومن جهة أخرى، لم يستطع الرموز أن يرتفعوا إلى مستوى الحدث، فيتحول أحدهم من رمز من رموز المعارضة إلى زعيم للثورة، كما لم يستطيعوا ذلك مجتمعين، أتيحت الفرصة للبرادعي وأبو الفتوح وحمدين وغيرهم، وحالت دون كل واحد منهم أسباب مختلفة، كما أتيحت الفرصة للرئيس محمد مرسي، ورغم بساطته وتواضعه وتلقائيته، وكثرة خطاباته، إلا أنه افتقد النغمة المشتركة بينه وبين الجماهير، وظل في أعين الناس رئيسا طيبا، لكنه ليس زعيما.

اليوم بعد أن ودعنا الثورة وحكم ما بعد الثورة، وبعد سنتين ونصف من الانقلاب، لم تظهر شخصية تحسن قيادة المعارضة السياسية ضد الانقلاب، بل حتى الأحزاب والجماعات المعارضة تفتقد للشخصيات المناسبة، التي تحصر الكفاءات، وتحسن توظيف الطاقات، وترتاد مجالات جديدة من العمل والنضال، وتحقق نجاحات جزئية تمهيدا للنجاح الكلي. الحال الذي يمكن أن تطلق معه حكما على وجه التغليب: أن القيادات دون المستوى.

كيف يمكن الاستفادة من جموع المعارضين وليس المتظاهرين وحدهم، بحيث نستفيد من قدراتهم التي يستطيعونها دون أن نطالبهم بما هو فوق استطاعتهم، ودون أن نعرض المبادرين منهم للخطر؟

لقد كان للإعلام الدور الأكبر في نجاح ثورة 25 يناير، ثم في نجاح الثورة المضادة في الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو، واليوم لا تجد للإعلام المعارض حضورا مقبولا أو معقولا في معركة إسقاط الانقلاب، لا قنوات فضائية قوية ومستقرة، لا مواقع إخبارية عربية وأجنبية مقروءة ومحترفة، وبالطبع لا وكالات ولا صحف ولا مجلات.

السؤال: هل يمكن تشكيل لجنة إعلامية متخصصة، تستطيع تحويل مئات الآلاف من الصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أقوى وسيلة إعلامية تدفع في اتجاه تحقيق أهداف الثورة، بدلا من كونها كلاما أجوف، وخلافات فرعية، ونقاشات عقيمة لا طائل من ورائها، وذلك عن طريق وضع إستراتيجية إعلامية علمية مدروسة.

تحدد هذه الإستراتيجية أهدافها الجزئية، وتناقش فوائد ومضار تبني الخيارات المختلفة، ثم ترجح فيما بينها، ثم تنشرها وتروج لها، وتقنع بها الناس بكافة الوسائل والطرق.

مثلا تدرس هذه اللجنة: هل من الأفضل التركيز على فضائح ما يسمى بـ(مجلس الشعب)، أم إهماله، وعدم الترويج لأي خبر عنه، حتى ولو كان ساخرا أو هزيلا؟

هل نعيد نشر مقاطع الأذرع الإعلامية أم نقاطعهم وندعو لمقاطعتهم وصولا بقنواتهم إلى مرحلة الإفلاس؟

هل يوسع أفراد المعارضة علاقاتهم مع مؤيدي الانقلاب، ويناقشونهم ويحاورونهم بالحجة والمنطق، أم بالسباب والشتائم والإهانة، أم يغلق كل فريق الأبواب على نفسه فلا يحدث إلا من هو على شاكلته؟

وبإمكان هذه اللجنة أن تطلق حملات إعلامية بكافة الوسائل واللغات، للإفراج عن المعتقلين، أو عن معتقل بعينه، إلى أن يتحقق لها ما تريد، أو تجعل قضيتهم قضية رأي عام عالمي، وكذا بإمكانها استغلال الأحداث الكارثية التي يقوم بها الانقلاب كل يوم.

مئات الخيارات يمكن تبنيها بناء على معايير علمية، ومناقشات مطولة، وبهذا تتحول ملايين المنشورات إلى سيمفونية رائعة تعبر عن الثورة المصرية، تمهيدا لترقي المعارضة المصرية إلى هذا المستوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد