«فاستخف قومه فأطاعوه»

صدق الله العظيم- آية (54) سورة الزخرف

آيه من القرآن الكريم نزلت في فرعون وقومه (المصريين)، وتوضح الآيه الكريمة كيف أن هذا الفرعون (أو الحاكم) الظالم الطاغيه قد استخف بقومه «أو بمواطنيه بلغة عصرنا»، فما كان منهم إلا أن خضعوا لأوامره وأطاعوه، وكانوا يرون أنه على صواب دائمًا، وأنه نعم الحاكم أو حتى أنه بحق إله.

وكان هذا هو حال أجدادنا القدماء، وعلى ما يبدو أن الشعب المصري أبى أن يغير من تلك العادات كما لو أنها جين يتوارثه جيل بعد آخر.

فإذا نظرنا على مر العصور في حال هذا الشعب فسنجد أنه لم يطرأ عليه أي نوع من التغيير من حيث تمجيد وتعظيم الحكام حتى درجة التَّأليه. أيضًا إذا تأملنا حال الحكام سنلحظ أن هؤلاء الحكام يسيرون هم الآخرون على خطى فرعون، فنجدهم يريدون أن يختصوا لأنفسهم بصلاحيات تجعل منهم متجبرين في الأرض، ونجد كل واحد منهم من خلال هذه الصلاحيات التي يختص بها نفسه كما وأنه بالفعل ينصب نفسه إلهًا، وكأنه يكرر قول فرعون: «أنا ربكم الأعلى»، وبالطبع على الجميع أن يطيعه ولا يعصى له أمرًا، فكيف تعصى أمر الإله.

واستمر هذا الحال مرورًا بالملكية إلى عهد مبارك، الذي وصل فساده واستبداده إلى حد استثارة ذلك الشعب المستكين حيث انتفض جزء كبير منه وخرج إلى الميادين مفجرًا ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومتمردًا على تلك العادة المتوارثة من الخنوع منذ فرعون، ومعلنًا أنه لن يخضع بعد ذلك، ورافضًا أي محاولة لتقييده.

وهذه الانتفاضة هي التي حولت طريقة النظر إلى الشعب المصري طارحة تساؤلًا وهو: «هل يثور الشعب المصري ضد حاكمه؟ هل يتمرد على آلهته ويكسر أصنامه بيديه؟». ومن هنا بدأت تخرج العديد من الدراسات حول سيكولوجية هذا الشعب وقدرته على الرفض.

ثم لم يمضِ إلا القليل حتى تولى ديكتاتور آخر ولكن هذه المرة بنكهة دينية، ومن ثم وجبت طاعة هذا الحاكم فإن لم يكن لأنه ولي الأمر فلأنه على حد قولهم «مؤمن »، ولكن بما يؤمن هذا الذي أراد أن يفرض ألوهيته هو الآخر من خلال إعلان دستوري جمع فيه كل السلطات والصلاحيات في يده.

ولكن إذا كانت هذه سنة الحكام كلهم فرعون –ولم يطرأ أي تغيير عليهم حتى بعد الثورة– فماذا عن الشعب؟  لقد ظن البعض أنه قد عاد في تلك الفترة إلى  الخضوع والطاعة العمياء مرة أخرى، ولكنه انتفض مرة أخرى رافضًا الاستكانة، ومستكملًا مسيرته في رفض تأليه الحكام.

ثم ما لبثت أن بدأت القصة من جديد مع فرعون آخر، وهو أيضًا ديكتاتور لكن هذه المرة جاء في زي الأب الحنون الذي يحنو ويعطف على شعبه، رغم أنه في الواقع يستبد بهم ويضلل عقولهم متلاعبًا بأفكارهم ومعتقداتهم، محاولًا إقناعهم أنه البطل الذي جاء لأجل خلاصهم، وأنه الوحيد القادر على إنقاذهم، وأن مجد الأمة لن يتحقق إلا على يديه. ولكن هذا حال الفراعنة، كما ذكرنا من قبل، أما ما يثير العجب هو أن الشعب الذي تعلم الرفض قد عاد سيرته الأولى «قوم فرعون»، فهم يمجدون فيه ليلًا ونهارًا ومتغنيين بأمجاد مفتراة.

ويبقى السؤال:  «هل سيظل الشعب المصري موصومًا بوصمة الخضوع هذه، وستظل متلازمة قوم فرعون معه للأبد أم أنه سينقلب عليها ويحدث تغييرًا بحق؟».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد