حين يصل القرار السياسي – أي قرار سياسي– إلى الإقرار بأنه لا يملك بدائل غير ما هو معروض، أو ما هو مفروض عليه، إذن فإن العمل السياسي يفقد أهليته وشرعيته، وينزل بالقائم على أمره من بطل في رواية عظيمة إلى كومبارس متكلم في مسرحية هزيلة!

– محمد حسنين هيكل

قضيتُ الأسابيع الماضية، يومًا بعد يوم، وساعةً من وراء ساعة، أفكر في الحال التي وصلنا إليها اليوم في مصر. أفكر كيف كانت أحلامنا كبيرة، وكيف انتهت تلك الأحلام الكبيرة إلى كوابيس مفزعة؟! كيف كانت الآمال براقة، وكيف تحولت تلك الآمال البراقة إلى أحلام خادعة؟! وكيف انتهت تلك الآمال والأحلام وقد تحطمت على صخرة اليأس شبه المحقق؟ أفكر كيف كنا وعلام أصبحنا؟ أفكر كيف بدأنا وإلى ماذا انتهينا؟ أفكر في كيف؟ وأين؟ ولماذا؟
وبعد تفكير طال، وتأمل ألزمته بالموضوعية بعيدًا عن الشخصانية، والعدل والإنصاف بعيدًا عن الظُلم والجور، أو جربت مجتهدًا، وجدت: أن مصر اليوم تعيش أجواء أزمة حادة في كل المناحي، سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية بل ثقافية أيضًا.
ولكن على الجانب الآخر، نجد أن الإحساس العام لدى قطاع عريض من المجتمع المصري اليوم هو شعور بالخيبة أليم ممزوج بقلق عميق. خيبة مما جرى بالأمس وما زال يجرى اليوم، وقلق على الغد من تكرار السياسات نفسها.
ووسط كل ذلك تضاربت الآراء واختلفت التفسيرات، وتصادمت النظريات، وهكذا بالخوف، وبالحيرة، وبالشك، وبالأمل، وبالطموح يعيش الشعب المصري في أجواء عاصفة مرة ومتضاربة مرات.
لقد ظن الناس أن الرئيس «السيسي» الذي انتخبوه سيكون رحيمًا ورفيقًا بهم، وخصوصًا وأنه «وعدهم بأنه لن يرفع الدعم قبل أن يُغنيهم»، وأنه سيحاول إصلاح ما فسد دون أن يُحملهم كامل الفاتورة، ولكنهم وجدوا أن ناتج الفاتورة كاملاً سيتم دفعه من جيوبهم شبه الفارغة!

أي أن الذي حدث ظهر أنه خلاف لما هو منتظر، وذلك أحدث صدمة مزدوجة فهي مخالفة للتوقعات ومتعارضة مع الأماني!

ومن كل ذلك فإن شعورًا بالإحباط تولد لدى قطاع عريض في المجتمع، راح يتنامى لديه ويتراكم، ثم يتخطى من حالة إحباط إلى خيبة أمل أصبح ظاهرًا ومحسوسًا، والخوف أن تتحول تلك الخيبة إلى تملمُل، والتملمُل بدوره يتحول إلى سخط عام. وذلك وضع لا يريده أي وطني مخلص، وتحديدًا في تلك الظروف الإقليمية والدولية المكفهرة والمفتوحة على كل الاحتمالات والسيناريوهات.
ولذلك قررت أن أكتب لكل من الجنرال الرئيس ومؤيديه كلمة، علها تنفع في دق ناقوس الخطر لولي الأمر وأبواقه!
خصوصًا أن كثيرًا مما يكتبه ويقوله هؤلاء الأبواق يُعتبر عُدوانًا على حُرمة الوعي وعلى كرامة العقل وعلى شرف الكلمة في آنٍ واحد؛ مما يُحرج الجنرال الرئيس ويُسيء لشخصه ويضعف من موقفه.

من فضلكم دعوا المستقبل يتحرك بحرية، ودعوا المستقبل يمُر بأمان، ودعوا المستقبل يبدأ الآن قبل أن يفوت الأوان. – محمد حسنين هيكل «رحمه الله»

في البداية يجب أن يعلم الجميع أن مصر وشعبها أكبر من أي شخص، مهما علا نجمُه، أو حسن فعله، حتى ولو صار بطلاً من الأبطال، وذلك لأن حتى الأبطال ذوي الخوارق تُنجبهم الشعوب، ولكن البطل يعجز مهمًا امتلك من قوى خارقة عن إنجاب شعب!
وعلى السادة مؤيدي الجنرال الرئيس أن يعلموا كذلك أن النُظم ظواهر وأدوات عارضة في تواريخ الأوطان والشعوب، أي أن الوطن والشعب لا يخدم النظام والحكم ويفديهما، ولكن النظام والحكم هما الخدمة والفداء للشعب.
ولعلي أعتقد أن مصر وشعبها قادرون اليوم أن يقفوا ويصيحوا بأعلى صوت في وجوه الجميع بما قاله جنرال فرنسا العظيم «شارل ديجول» لمعاونيه في حركة فرنسا الحرة في المنفى، التي واجهت الاحتلال النازي لفرنسا، وبعد عودتهم معه جميعًا إلى باريس يوم النصر – أن يقول لهم كلمته المشهورة:
«أيها السادة، إن فرنسا ليست مدينة لأحد».
وكانت هذه صدمةً لهم، ولكن ديجول قصد أن يقول لهؤلاء الذين عاونوه في حركة فرنسا الحرة، طوال فترة الاحتلال النازي لأوروبا، إن سابق جهادهم من أجل الوطن لا يُعطي ميزة لأي منهم، وأنهم هُم المدينون لفرنسا أن تحملوا شرف الكفاح باسمها، وناضلوا تحت راياتها ولكن فرنسا ليست مدينة بأي شرف لأسمائهم!
والشيء نفسه في اعتقادي ينطبق على الشعب المصري في علاقته ببطله الجديد ومن معه من أبواق.
فمصر وشعبها قادرون اليوم أن يقفوا ويصيحوا بأعلى صوت في وجوه الجميع: «أيها السادة، إن مصر ليست مدينةً لأحد»، بل إن الجميع مدينون لمصر أن تحملوا شرف الكفاح باسمها، وناضلوا تحت راياتها ولكن مصر ليست مدينة بأي شرف لأسمائهم! مهما كبُرت أو مهما علت إلى عنان السماء.
ومصر كذلك تستطيع أن تفعل مع بطلها الجنرال الرئيس ما فعله الجنرال «شارل ديجول» مع معاونه في حركة فرنسا الحرة «جورج بيدو» حين التفت إليه، وهُما معًا في موكب النصر إلى قوس النصر في باريس سنة 1945، وقال له:

«مسيو، مسافة من فضلك»!

كان «ديجول» العظيم يطلب إلى «بيدو» ألا يمشي موازيًا له في موكب النصر، وأن يتأخر عنه بمسافة، حتى لا يختلط الأمر على الفرنسيين في ذلك اليوم التاريخي، وتذهب الظنون بينهم إلى تصور تساوي الرؤوس.
وأعتقد أن الشعب المصري قادرًا على أن يفعل ما فعله «ديجول» مع «بيدو» ويقول لرئيسه وبطله:
«مسيو، مسافة من فضلك!» لقد جئنا بك إلى الحُكم لكي تجعل حياتنا أفضل في عدل ورحمة، لقد جئنا بك من أجل أن تواجه المؤسسات الدولية التي تُريد مص آخر نقطة من دمائنا تحت ستار الإصلاح الاقتصادي المزعوم، وليس لأن تُصبح أنت منفذ تلك السياسات التي ستجعلنا أشباه بشر.
وذلك لأن الشعب هو القائد والمعلم وصاحب القول الفصل في أي موضوع لأنه مصدر الشرعية.
وأوضح بأن المسافة التي أعنيها وأقصدها بل أطلبها، هي مسافة إلى الأمام وليست للخلف، هي تلك المسافة التي تجعل الرئيس يقترب من إحساس الشعب ونبضه، وليس من أوامر البنك الدولي أو صندوق النقد ورغباته وطلباته، هي تلك المسافة التي تجعل الرئيس يتعاطى مع رغبات الشعب وأمانيه بالفهم لطبيعة ظروفه الصعبة في الحياة، وليس بضرورات الأمر الواقع المفروضة عليه من الخارج.
ثم إن الجنرال الرئيس ومؤيديه عليهم أن يعلموا أن الدولة مؤسسة رعاية÷ وليست سلطة جباية من جيوب الفقراء المعدمين، وقد يُقال – وللقول منطق- بأن بعض الإصلاحات كانت واجبة.
لكن الرئيس ومؤيديه عليهم أن يعلموا بأن أي اقتصاد وطني يحترم نفسه ويحترم مواطنيه، لا بد له أن يجعل الأرقام في خدمة الناس وليس الناس في خدمة الأرقام.
وكذلك فإن الجنرال الرئيس ومؤيديه عليهم أن يعلموا أن سياسة الشحاذة والتبرعات لم تُنشئ يومًا اقتصادًا قويًا ولم تبن في يوم وطنًا كبيرًا يسعى أبناؤه لكي يكون «قد الدنيا» كما يتحدث الرئيس في كل خطاباته وأحاديثه.
ومن المفارقات أن مصر هي واحدةً من البلدان الموضوعة في قوائم الدول الفقيرة÷ تستورد أكبر نسبة من السيارات «المرسيدس» في العالم بالقياس إلى عدد سكانها، وذلك طبقًا للبيان السنوي «لسنة 2016» لشركة «مرسيدس بينز».
ثم إن على الجنرال الرئيس ومعاونيه ومؤيديه أن يعلموا أن الحقيقة الاقتصادية لا يمكن الهرب منها مهما كانت سُرعة الجري، وأن مواجهتها لن تتأتى بتلقي نصائح البنك أو الصندوق وتعليماته وأوامره بل تأتي برؤية لأوضاع المجتمع المصري ومعرفة أن الطبقة الوسطى هي رافعة أي مجتمع، وهي المُحرك لأي نهضة وليست طبقة النصف في المائة التي كانت حاكمة ومسيطرة قبل ثورة 23 يوليو 1952، والتي عادت من جديد في منتصف السبعينات لتسمى «بالقطط السُمان» ونمت وكبُرت في عهد مبارك لتتحول إلى «وحش الهيدرا المُخيف»! وهو ما نراه بأعيُننا اليوم في مدى قوة تلك الطبقة التي لا يستطيع رئيس الدولة الجنرال «السيسي» أن يواجها بل يلتف عائدًا من المواجهة ويبرر ذلك بقوله «أن دعم الفقراء أخطر على الدولة من محاربة فساد تلك الطبقة».
وللعلم فقط، فإن مصر حصلت مصر على المركز الثاني لقائمة فوربس العالمية بأغنى الدول العربية لعام 2017 من حيث عدد المليارديرات 8 مليارديرات.
وبلغت ثروات المليارديرات المصريين في هذا العام نحو 44.2 مليار دولار، وهو ما يساوي 336 مليار جنيه مصري.
أي أن عشرات فقط من ذلك الشعب يستحوذون على تلك الثروة من أموال الوطن، بينما نصف الشعب المسكين المقهور يعيش تحت خط الفقر! وتلك مفارقة تجمع بين الضحك الهيستيري وبين البكاء المُر. رابط الخبر
ثم إن الجنرال الرئيس عليه أن يفهم كذلك أنه نتيجة للتناقض الاجتماعي الهائل الذي ورثه من عصر «مبارك» بين قمة الهرم الاجتماعي في مصر وبين قاعدته، فإن حالة من خلل التوازن راحت تعتري المجتمع المصري وتهزه بقوة وقسوة، والشاهد أن هذا التناقض الحاد بين الفقر والغنى سبب شعورًا بالاستفزاز يصعب تجاهله، وخصوصًا وقد بدا تركيز الغنى غير مبرر وأيضًا غير مشروع، ثم إن حصار الفقر بدا هو الآخر غير مُبرر وغير شرعي.
وربما كانت أخطر نتائج ذلك أن الطبقة المتوسطة في مصر وهي مستودع الحيوية الاجتماعية القادر باستمرار على دفع موجات التقدم أصبحت مضغوطة ومحاصرة. وذلك تسبب في إحداث تباطؤ إلى حد التوقف في دوافع الحركة والنهوض أي حدثت عملية خمول مجتمعية نعاني منها اليوم.
وذلك أمر لا بد وأن يجد الجنرال الرئيس علاجًا له وذلك العلاج لن يكون إلا بعملية إصلاح اجتماعي حقيقي يرُد الاعتبار لتلك الطبقة «المتوسطة» التي لن تقوم مصر أو تتحرك إلى الأمام خطوة بدونها وذلك يتطلب إعلان واضح وصريح يقترن بفعل قوى على أرض الواقع بالانحياز إلى تلك الطبقة.

«وقر واستقر في عقيدة المحكمة أن سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع بها، وأن دخول الجزيرتين راجحًا رجحانًا يسمو لليقين كأثر للسيادة المصرية» المستشار أحمد الشاذلي نائب رئيس مجلس الدولة.

ويجب أن يعلم الجنرال الرئيس ومؤيدوه كذلك أنه ليس هناك أخطر من أن ينزل ويغطس العمل الرسمي السياسي ليصبح شأنه شأن العمل السري، فالخفاء في السياسة ينزل بمطالبها ومستواها ويؤثر على هيبتها وأهدافها، ومن يريد أن يرى ذلك في أوضح صوره فلينظر إلى اتفاقية التنازل عن الجزر المصرية صنافير وتيران للسعودية، وكيفية تمريرها في البرلمان في مشهد كالح محزن ومؤلم بل مخز، ذلك المشهد الذي ضرب شرعية النظام في الصميم وجعله يمشي على حد السكين.
ومع وقوع ذلك المحظور؛ فقد انحدر التعامل مع الآخرين في الظرف الحاسم من القاعات المضيئة إلى سراديب العمل السري العربي والدولي، وتحولت المطالب والحقوق إلى همسات وصفقات مشكوك في قيمتها ونتائجها، وبدوره فإن ذلك كله سابقه ولاحقه، جعل الإدارة السياسية المصرية متوجسة في الداخل ومرتهنة في الخارج!
وتلك إحدى عواقب الانكشاف والاختراق والتعرض للابتزاز!
ثم إن الجنرال الرئيس ومؤيديه يجب أن يعرفوا أنه لا يوجد نظام يمتلك شرعية يستطيع أن يصطدم مع الشباب؛ لأن ذلك الاصطدام لن يخصم فقط من شرعية ذلك النظام فحسب، بل إنه سيضع ذلك النظام في تصادم مع المستقبل ذاته.

المستقبل يحاول الهرب من قمع الواقع

وأن التعامل مع الشباب لا يكون بمحاولة التدليس الذي يزوق ويزين ويثير الصخب والضجيج حول ما يريد الترويج له من سياسات باستخدام «القبضة الحريرية المخملية»، عن طريق إقامة مؤتمرات الشباب التي يعلم الجميع أنها تمثيلية مملة نصها هابط وإخراجها رديء.
ولا بوسائل الفرض والقسر باستخدام «القبضة الحديدية الفولاذية» عن طريق الاعتقالات وبناء سجون جديدة تتسع للمزيد والمزيد من النزلاء الجدد .

الواقع الأليم يقهر المستقبل بشكل عنيف

ولعل من المفارقات أن النظام وحكومته التي تشتكى دومًا من ضيق ذات اليد ويطالب المصريين بالتحمل دون أن يفتحوا أفواههم بكلمة، ودائمًا ما يذكرهم بقلة الموارد للصرف على الخدمات الأساسية «تعليم وصحة وإسكان» وخلافه قام بصرف أكثر من 750 مليون جنيه مصري حوالى «100 مليون دولار» على إنشاء سجون جديدة كان آخرهم سجن المستقبل!
وحسب الموازنة المصرية، فإن ميزانية وزارة الداخلية «تساوي خمسة أضعاف ميزانيتي وزارتي الصحة والتعليم معًا».
وتلك مفارقة لكنها تُظهر التوجهات الحقيقية للنظام ومبعث قلقه وتخوفاته.
وكان نتاج كل ما سبق ذكره صورة شديدة التعقيد؛ فقد تداخلت الأزمات الحالية اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتفاعلت مع مشاكل ومُشكلات سابقة، وتشابك كل ذلك مع أزمة اقتصادية دولية فأنتجوا لوحة سوريالية صعب قراءتها وفك شفرتها وفهم دلالاتها.
وكانت النهاية أن قطاعًا عريضًا من الشعب المصري وقف أمام خيار متعسف، مؤداه أن الذين يعترضون على الأمر الواقع الحالي، بما فيها تلك الإجراءات القمعية، ليس أمامهم إلا أن يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني بوجه وتقاطيع «الإخوان المسلمين».
وإذا لم يُبرئ هؤلاء المعترضين أنفسهم بقبول كل شيء، بما في ذلك الوسائل القمعية والقسرية، فإنهم بالاعتراض يكونون متواطئين وإن لم يقصدوا مع قوى الظلام وشياطينها الشريرة!
وفى النهاية أرجو ألا يجد الجنرال الرئيس نفسه مُضطرًا في تلك الظروف العاصفة إلى أن يقفز قفزة أخرى في الظلام إلى المجهول.
وأرجو ألا يكون لسان حالنا «الشعب» وقتها بما أجراه «وليام شكسبير» على لسان «مارك أنتوني» في رائعته «يوليوس قيصر» حين قال:
«يا أهل روما إذا كان لدى أحد منكم بقية من دموع فليذرفها الآن».
كانت تلك كلمتي في أذن الجنرال الرئيس ومؤيديه، فهل يعوها أم تُراهم ينطبق عليهم بيت الشعر القائل :

لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ** ولكن لا حياة لمن تنادي

انتهى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد