يرى علماء الاجتماع وعلم النفس أن لكل شعب أو أمة مجموعة من السمات الشخصية العامة التي يهتم بها كل من الساسة وصناع القرار وكذلك صناع الإعلام ورجال الاقتصاد، هذه السمات تحدد ما الذي يستهوي الشعب وما الذي يحبه وما الذي يبغضه وما هي أولوياته وكيف يرى الأشياء وكيف يحكم عليها.

كما أنه يمكن من خلال معرفة هذه السمات الجمعية المتراكمة أن تُستقرَأ أفعال وردود أفعال الشعوب تجاه كافة القضايا الكلية وبعض القضايا الجزئية وتحولات واتجاهات رأيه العام تجاه كافة القضايا المحورية.

ويمكن تأسيسًا على هذه الصفات رسم كافة الخطط السياسية والإعلامية والتجارية، وإيجاد المبررات المناسبة في النفس العامة والنفس الخاصة لهذا الشعب لكي تحقق هذه الخطط أهدافها بيسر وسهولة.

وتسمى هذه الصفات أو السمات بــ(السمات الفارقة) وهي تميز الشعوب بعضها عن بعض على مقاييس الحضارة والأفضلية سواء درجة التماسك المجتمعي أو الوعي أو قدرة تلك الشعوب على مقاومة الصدمات والتغيرات وصناعة البنية الحضارية وتوكيدها.

ويمكن تشبيه الشعوب من حيث دراستهم وتحليل مكوناتهم بالسبائك والفلزات فكل سبيكة لها خواصها الخاصة بها ولها أيضًا استخداماتها وكذلك لها طريقتها الخاصة من حيث النشأة وطريقة السبك.

وكذلك الشعوب تختلف كاختلاف السبائك من حيث المكونات وطريقة التكوين والنشأة.
وقد استخدمت الملكة فيكتوريا نفس التشبيه في حديثها مع أحد مستشاريها عن مصر وشعبها حين قالت (إنه شعب يشبه النيكل فهو أشد لمعانًا من الذهب وأشد صلابة من الحديد لكن سريع الانطفاء يحتاج من يلمعه كل صباح) وتقصد بذلك أن هذا الشعب يحتاج من يحسن خطابه وتوجيهه.

لذلك سأمر مرورًا سريعًا على أهم العوامل المؤثرة في السمات الفارقة للشعب المصري من وجهة نظري والتي نتجت من تفاعل مكوناته المتشابكة والمعقدة على مدار قرون وفي ظل أحداث تتراوح بين كونها شديدة السخونة أحيانًا وشديدة البرودة في أحيان أقل.

أهم هذه العوامل أو السمات

أولًا: الإسلام السني ذو النزعة التصوفية الممزوج بالأدب العربي الرصين والركيك والشاذ الذي بدا وكأنه أكثر تأثيرًا.

ثانيًا: تعدد دوائر الانتماء والولاء بدءًا من التعصب للعائلة أو القبيلة مرورًا بالتعصب للبلد أو القرية أو الحي وحتى المهن إلى أن تصل إلى التعصب للفريق أو النادي أو الهواية، وعلى حدة بعض هذه الانتماءات تتحدد توجهات الفرد أو الجماعة فأحيانًا تغلب العائلة وأحيانًا تتغلب الهواية وفي الكثير من الأحيان تتغلب النزعة الدينية.

ثالثًا: ترابط الشهوة (النفوذ والسلطة، المال، النساء) والترابط هنا يعني التنافس على استحواذ الكل فمن يملك أحدهم يسعَ لكسب الاثنين الآخرين دون توقف إذا امتلك المال سعى لامتلاك السلطة والنساء، وإذا امتلك السلطة سعى للسيطرة على المال والنساء، والنساء لا يغويهن أكثر من أصحاب المال والسلطة.

رابعًا: الرغبة في مخالفة القانون والخروج على النسق العام (غير خاضع لما يخضع له الكل) وتظهر في قول الكثير (أنت متعرفش أنا مين أو ابن مين) رغبة منه في معاملة تختلف عن معاملة باقي البشر وهذا العامل يظهر في استشراء الرشوة والمحسوبية والبلطجة ومنهج الفهلوة.

خامسًا: استشراء الانفرادية وذم الشراكة وخاصة في المال ويظهر ذلك في الأمثال الشعبية (أنا زي الفريك محبش شريك) (عربية ملك ولا فدان أرض شرك).

سادسًا: تداخل السلطات والصلاحيات داخل المجتمع سواء الأسرة أو المؤسسات الخاصة أو الرسمية.

حيث أصبح رئيس المصلحة أو المدير وكأنه صاحبها يعين أقاربه ويصنع حاشيته (أنا المؤسسة والمؤسسة أنا) وأصبحت الأم هي الأب والأب بلا قرار.

سابعًا: تطاول فترات الاستبداد السياسي أدى لظهور أخلاق مثل (الوقيعة والوشاية) وتسمى في لغة العامة (الزنبة أو الإسفين) وكذلك المرشد الأمني أو المخبر كوظيفة لا يستحيي صاحبها أن يعرفه الناس بل يظهرها ويستعملها كأنها سلطة (الفخر بالقدرة على إيذاء الآخرين).

ثامنًا: (الجنس) اللغة الجنسية أصبحت شائعة بدءًا من السينما والمسرح والتعليق الرياضي والمزاح مرورًا بالمصطلحات السياسية والاقتصادية وانتهاءً بالتحرش اللفظي والبدني وممارسة الشذوذ والرذيلة للحد الذي أصبح معه المجتمع مهددًا وغير آمن.

تاسعًا: تعدد النخب تعتبر مصر الدولة الوحيدة في العالم التي تغيرت ثقافة نخبتها ولغتهم ودينهم وولاؤهم ثلاث مرات في ما يقرب من 200 سنة.

الأولى: الثقافة الإسلامية العربية التركية وكانت لها لغتان رئيسيتان (العربية والتركية).

الثانية: الثقافة العلمانية الأوروبية الفرنسية وكانت لها لغتان رئيسيتان (العربية والفرنسية).

الثالثة: الثقافة العلمانية الأوروبية بشقيها (الإنجليزي والأمريكي).

وكل ثقافة لها امتدادها داخل النخب المصرية ومن ثم الرأي العام الشعبي المصري فالإخوان المسلمون هم امتداد للثقافة العربية الإسلامية العثمانية التركية.

واليساريون وجل رواد الثقافة والفن وبعض صناع السياسة والقرار وعلى رأسهم (سعد زغلول – بطرس غالي – هيكل – الطهطاوي… إلخ) وامتداداتهم هم امتداد للثقافة العلمانية الأوروبية الفرنسية وكانت لها لغتان رئيسيتان (العربية والفرنسية).

النخب العسكرية والأمنية وقادة رأس المال وصناع السينما الآن في مصر هم امتداد للثقافة العلمانية الأوروبية بشقيها (الإنجليزي والأمريكي).

إضافة إلى ذلك هناك نخب صغيرة لها امتدادات عرقية أو دينية أو مصالح أو متأثرون بثقافات تحولات تاريخية مثل (سوفيت رووس) (أقباط أرثوذكس).

لذلك يجب على كل من يتصدر المشهد السياسي أن يعي هذه الأمور جيدًا حتى يمكنه حياكة خطاب سياسي مقنع وفعال وكذلك الخطاب الإعلامي والديني وكذلك عند التفاوض أو عقد التسويات يكون على علم بخلفيات هذه النخب وهذا الشعب.

وللكلام في هذا الموضوع تفصيل وبقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد