أخي وصديقي الحبيب

وصلت رسالتك الأخيره من وراء جدار  التي تخبرني في طياتها ان اكون بخير  ، وترجوني ان احافظ علي نفسي لأن وطننا او كما يسمي كذالك يحتاج لي في مستقبله ولأنك تحتاج إلى أن نجلس معًا، ذات زمن قادم، ساعات طويلة، يبث كلٌّ منا صاحبَه همومه، ويفرغ لديه حمولة نفسه المتعبة منذ شهور طوال. وتود لو اتصلت بيننا الأسباب ولم تتقطع بنا الطرق لأحكي لك عني وعن مدينتنا  ولكن حال السجان بين رغبتنا البسيطه ، اتعجب من رسالتك تلك اانت الذي تقول “كن بخير”     ولكن اي عن أي خير تتحدث؟!عن خير الدنيا أم خير الآخرة.. عن سلامة الجسد أم عن صحة الروح.. عن راحة بال الأهل والأحبة أم عن راحة الضمير ومن بات بوسعه أن يعرف ما الخير له في زحمة الأحداث والتعقيدات

أرجو الله أن يجمعني بك علي خير ونجد تلك الساعات الطويلة نتحدث فيها عن كل ما مر بنا تحدثني عن شهور الاعتقال الطويلة.. عن رحلة العذاب والألم.. عن قهر السجان ومصارعة اليأس هل ستكفي الساعات لذلك أم هل ستغني الكلمات

وأحدثك عن شهور طويلة من الخوف والألم والإصرار ومعاندة الظروف لمواصلة الطريق أحدثك كيف انكسرت رهبة الموت في النفوس، وكيف تغير امامي من كنت احسبهم مثلي ومثلك أرتالًا من أغلى أحبتنا وخيرة شبابنا كما كنا نظن أحدثك بما لم أستطع أن أحدث به أحدًا حتى الآن كيف ودعت صديقي .. كيف أمسكت يده وهو بين الحياة والموت أنظر في عينيه لا أدري هل كان ينظر إلي أم كان يسرح في عالم آخر كنت أرجوه في سري أن يبقى.. كان يقتلني العجز حينها كان يبتسم.. لا أدري أكان، مثل كثير من الشهداء، يسخر من دنيانا وتنافسنا فيها أم كان يرى منزلته في الآخرة وصمتي حينها.. أهو التجلد أمام الناس أم الاستسلام للشعور بالعجز أم التسليم لقضاء الله.

أتمنى لو أستطيع الكتابة إليك، بل اتمنى لو أستطيع الكتابة لنفسي، فما زالت الكتابة مهمة عسيرة، أحمل نفسي عليها مرارًا دون  جدوى، مع علمي أنها ستكون دواء لنفسي المثقلة بالهموم والخواطر والشجون، لكني لا أكاد أستطيع إليها سبيلًا

يصعب الجمع بين العمل والتأمل.. لا وقت في الغالب لكليهما!

أتذكُر حين كنا ندكر بالثورة التونسيه ، على عظمتها، ونقول إنها لا تعد أكثر من تجربة رومانسية إذا ما قورنت بالثورة السورية. كان ذلك قبل اعتقالك بعد أقل من عام على بداية الثورة (أحقًا مضى عليك في المعتقل قرابة النصف عام ؟!)

فالآن لا أرى ذلك العام الأول، مع كل ما مر فيه، إلا تجربة رومانسية إذا ما قيس بما كان من بعد!

انتقلنا من ثورة عظيمة إلى انقلاب عسكري كامل ، بكل ما في الانقلاب من تناقضات وتعقيدات، وبتنا في حال يحار فيها الحليم، فما بالك بمن كان حيرانَ ابتداءً بل غارقًا في الحيرة والشك المرير!!

ما زلت أبحث عن موطئ قدم من اليقين في بحار من الشك والقلق..

وما زلت منذ زمن لا أدري متى يكون التوقف أو الانسحاب تخاذلًا، أو المضي في طريق ما مكابرةً إلى أي حد كنا أو ما زلنا أسياد قرارنا، ومتى كنا عبيدًا لظروف أكبر منا وأبعاد لم ندرك مداها وكلما خسرنا رفيقًا من رفاقنا ثارت الأسئلة في نفوسنا ونفوس أهلنا وأصحابنا عن جدوى بقائنا في مدينتنا والموازنة بين دورنا الآن ودورنا في المستقبل، وكأننا نضمن حياتنا حتى الغد حتى لو خرجنا أين أحسنت ومتى أسأت، وهل أصبت في اختياراتي أم غلبني الجهل أو سوء التقدير.

هنا تتقلب في الناس بين من يراك بطلًا، وأنت في عين نفسك دون ذلك بكثير، ومن يحاربك كما لو كنت شيطانًا، مع أنك لا ترجو لهم وللناس إلا الخير ولا تحمل إليهم غيره

هي أمانة حُمّلناها وهي أكبر منا، وخذلَنا من كنا ننتظر أن يعينونا على حملها، فبتنا لا نحن نطيق حملها ولا نحن نطيق تركها!!

لا أجد ما أطمئن إليه سوى أنني ما خرجت أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، لكن أتقي سخط الله وأبتغي مرضاته، وبذلت جهدي في الاختيار في كل موقف مع علمي بضعفي ونقصي وقلة عدتي، لكني على ثقة أنه سيغفر لي ما أسرفت أو نسيت أو أخطأت

********

أعجب يا أخي من قدرتنا على الاستمرار رغم الأحزان التي ملأت نفوسنا حتى باتت جزءا من ملامحنا، والآلام التي ضاقت بها صدورنا، والعتمة التي ما زالت تلف طريقنا وما زلنا نكبر كل يوم رغمًا عنا..

لا أدري هل سنعود يومًا إلى حياتنا وإلى أنفسنا أعجب من نفسي كيف ما زلت أفكر في الثورة كما لو كانت مرحلة طارئة، ننتظر نهايتها كي نعود كما كنا قبلها، وكأننا سنكون حينها نفس الأشخاص الذين كنّاهم من قبل، ذات يومٍ يبدو الآن بعيدًا ضبابيًا تتكسر أشياء في الروح ولا نملك وقتًا لجبرها، فلا نملك إلا أن نتحامل على الجراح ونتابع مسيرنا المتعَب أملًا بيوم نلقي فيه كل الحمل الثقيل ونغيب في نوم طويل نفيق بعده وكأن كل ما كان ما هو إلا حلم طويل ثقيل!

********

أجد نفسي في ميدان غير ميداني أشتاق إلى اسمي وإلى قهوة الصباح مع اخوتي وحديقة الألعاب مع أطفالي خالاتي وأيام الجمعة مع أهلي (أعلم أنك تتمنى أشياء أبسط من هذه بكثير).

أشتاق إلى التمشي في قريتنا القديمه معك التي آمل ان تعود قريبا إلى أهلها، إلى سهرات الأصدقاء ومشاكساتهم، إلى قاعة المحاضرات أو غرفة الصف، إلى كتب اللغة الإنكليزية وبرامجها، إلى مساءات الشتاء في بيتي الذي دمره الحاقدون والجاهلون

********

تمضي في عتمة الليل الطويل وأنت لا تملك من الزاد إلا بصيصًا من الضوء في داخلك وتمنيات طيبةً من أشخاص يحبونك

********

أصعب ما نعيشه هنا هو أنك لا تدري متى ستنقضي رحلة الثورة الطويلة أم هل ستنقضي رحلة حياتك قبلها
فالموت الذي انكسرت هيبته في النفوس، ما عاد يملك إلا أن يعكر علينا بالجلبة التي يحدثها كل يوم حولنا ليذكرنا أنه حاضر في كل لحظة. لعله يحاول الانتقام من تجاهلنا إياه واستخفافنا به!

هل سيكون في العمر فسحة فتؤجلَ بعدُ حقوقًا للنفس والأهل فرطتَ فيها قضاءً لحقوق الوطن، أم سيعاجلك الموت قبل ذلك فتندم أن لم تقضِ بعض حقوقهم عليك، ولا تدري هل يغفرون لك

********

في النفس الكثير الكثير من الأحاديث إن كتب الله لنا البقاء، وإن كنت لا أدري هل ستكفي الساعات التي تطمع بها بل الأيام، أم ترانا حين نلتقي سنتعانق ويبكي كل منا على كتف صاحبه.. نبكي حتى يرهقنا البكاء ثم نجلس هناك.. نحدق في الغد الآتي ونستذكر بصمت الماضي القريب ونغيب في استسلام لوطأة ما مر بنا.

ترى كم سيلزمنا من الوقت حينها حتى نستوعب مقدار ما خسرنا، حتى نستعيد شيئًا من أنفسنا، حتى نرسم معنى جديدًا للحياة.

كم سيطول بنا الجلوس ومتى سننهض من جديد

********

صديقي، كن بخير!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد