حين نتحدث عن اقتصاد الدولة، ونقص العملة، وارتفاع الدين الخارجي والدين الداخلي، فإن بعض الناس يبدون رأيهم ويرشحون طباعة العملة؛ فهم يرون أنهم بذلك يحلون هذه المشاكل، إلا أنهم لا يعلمون أنها تزيد.

وقبل كل شيء، نتحدث قليلًا عن مفهوم التضخم الاقتصادي.

التضخم الاقتصادي: هو من أكبر الاصطلاحات الاقتصادية شيوعًا، غير أنه على الرغم من شيوع استخدام هذا المصطلح فإنه لا يوجد اتفاق بين الاقتصاديين بشأن تعريفه، ويرجع ذلك إلى انقسام الرأي حول تحديد مفهوم التضخم؛ إذ يستخدم هذا الاصطلاح لوصف عدد من الحالات المختلفة؛ مثل الارتفاع المفرط في المستوى العام للأسعار، تضخم الدخل النقدي أو عنصر من عناصر الدخل النقدي، مثل الأجور أو الأرباح، ارتفاع التكاليف، الإفراط في خلق الأرصدة النقدية.

ليس من الضروري أن تتحرك هذه الظواهر المختلفة في اتجاه واحد وفي وقت واحد، بمعنى أنه من الممكن أن يحدث ارتفاع في الأسعار دون أن يصحبه ارتفاع في الدخل النقدي، كما أنّه من الممكن أن يحدث ارتفاع في التكاليف دون أن يصحبه ارتفاع في الأرباح، ومن المحتمل أن يحدث إفراط في خلق النقود دون أن يصحبه ارتفاع في الأسعار أو الدخول النقدية.

وبعبارة أخرى، فإن الظواهر المختلفة التي يمكن أن يطلق على كل منها «التضخم»، هي ظواهر مستقلة بعضها عن بعض إلى حد ما، وهذا الاستقلال هو الذي يثير الإرباك في تحديد مفهوم التضخم.

ويميز اصطلاح التضخم بالظاهرة التي يطلق عليها، وبذلك تتكون مجموعة من الاصطلاحات وتشمل: تضخم الأسعار: أي الارتفاع المفرط في الأسعار، تضخم الدخل: أي ارتفاع الدخول النقدية، مثل تضخم الأجور وتضخم الأرباح، تضخم التكاليف أي ارتفاع التكاليف، التضخم النقدي، تضخم الائتمان المصرفي.

ومن هنا يرى بعض الكتاب أنه عندما يستخدم تعبير «التضخم»، دون تمييز الحالة التي يطلق عليها، فإن المقصود بهذا الاصطلاح يكون تضخم الأسعار؛ وذلك لأن الارتفاع المفرط في الأسعار هو المعنى الذي ينصرف إليه الذهن مباشرة عندما يذكر اصطلاح التضخم.

التضخم المفرط وتأثيره على الاقتصاد الألماني في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى

ينقل عن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون «مارس1913- مارس 1922» قوله: إنه «لا يوجد أي جزء من الولايات المتحدة، حيث لا يعلم أي شخص، أن المصالح الخاصة هي التي كانت تدير الحكومة».

أول جولة من المضاربة على أسعار صرف العملات بين الدول المختلفة بدأت فعليًّا سنة 1921، في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومعاهدة فرساي، وانتهت سنة 1936. ألمانيا استقبلت عام 1921 بتضخم مفرط تم التخطيط له لتحسين التنافسية، إلى أن أدى الاستمرار به لفترة مطولة لتحطيم الاقتصاد الألماني المثقل بأعباء تعويضات الحرب ومعاهدة فرساي. وفي سنة 1925 قامت فرنسا بتخفيض قيمة الفرنك الفرنسي قبل العودة للمعيار الذهبي الكلاسيكي، مما أكسبها تنافسية مقارنة ببلدان مثل إنجلترا والولايات المتحدة التي عادت للعمل بنوع من المعيار الذهبي الكلاسيكي بأسعار ما قبل الحرب العالمية الأولى. إنجلترا انسحبت من نادي الغطاء الذهبي الكلاسيكي نهائيًا سنة 1931، مما أدى إلى اكتسابها ميزة تنافسية مقارنة بفرنسا. ألمانيا انتعشت إثر قرار الرئيس الأمريكي هربرت هوفر «1929- 1933» بتعليق العمل بتعويضات الحرب التي يتوجب على ألمانيا دفعها بموجب معاهدة فرساي، والذي تحول لقرار رسمي إثر المؤتمر الذي تم عقده في مدينة لوزان السويسرية سنة 1932. الولايات المتحدة قامت سنة 1933 بتخفيض قيمة الدولار أمام الذهب أملًا في الخروج من أزمة الكساد التي تسبب بها انهيار الأسهم والبورصة في وول ستريت، أو ما يعرف بالاثنين الأسود سنة 1929، مما أدى إلى إكساب صادراتها ميزة تنافسية في مواجهة إنجلترا إثر تخفيضها قيمة الإسترليني سنة 1931. وأخيرًا قامت فرنسا وإنجلترا بتخفيض قيمة عملتهما مرة أخرى سنة 1936؛ ففرنسا قامت بتعويم عملتها وفكت ارتباطها مع سعر الذهب، وإنجلترا قامت بخطوتها من أجل الخروج من أسوأ أزمة كساد اقتصادي ولاكتساب ميزة تنافسية أمام الولايات المتحدة وخصوصًا إثر قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي بتخفيض قيمة الدولار.

القصة بدأت سنة 1921 حين قام البنك المركزي الألماني المعروف باسم «رايشسبانك Reichsbank» بعدة إجراءات تهدف إلى تخفيض حاد في قيمة العملة الألمانية- المارك- وذلك بواسطة طباعة كميات هائلة من النقود الورقية بدون أن يوجد ما يعادل قيمتها من الذهب؛ مما أدى إلى تضخم مفرط.«Hyperinflation» الإجراءات التي اتبعها الرايشبانك كانت عبارة عن شراء سندات حكومية مقابل أموال نقدية، كانت تستخدمها الحكومة في تمويل عجز الميزانية والإنفاق الحكومي، مما أدى إلى واحدة من أسوأ موجات التضخم في الدول المتقدمة. الهدف الرئيسي هو زيادة قدرة ألمانيا على الوفاء بالتزاماتها عبر زيادة الصادرات، وتخفيض القيمة الفعلية للتعويضات عبر تصدير التضخم في قيمة المارك الألماني لدول بعينها، قامت بفرض شروط تعويضات الحرب على ألمانيا.

المشكلة التي واجهها البنك المركزي الألماني، هي أن تعويضات الحرب العالمية الأولى المترتبة على ألمانيا كانت مرتبطة بقيمة ما يعرف بالمارك الذهبي، والنسبة المئوية من الصادرات الألمانية، وهو ما يبقي التعويضات بعيدة عن تأثيرات التضخم في قيمة المارك الألماني؛ إذ إنه من شروط المعاهدة أن تكون التعويضات بما يعادل قيمتها ذهبًا أو عملات باستثناء المارك الألماني.

التضخم الذي بدأت تلوح ملامحة سنة 1921 لم يكن يعد تهديدًا للاقتصاد في بدايته، بل كان يعد مجرد ارتفاع عادي للأسعار، كما أن موجودات البنوك الألمانية كانت تعادل تقريبًا التزاماتها، مما يعني أن أرصدتها مؤمنة ضد الأزمات الاقتصادية. آثار التضخم لم تكن سلبية بالنسبة للجميع فقد كانت هناك شركات عليها ديون تبخرت قيمتها مع التضخم، كما أن الكثير من الشركات الألمانية كانت لها فروع خارجية تدر على الشركة الأم عملة صعبة، مما أدى إلى تجنيبها الأسوأ في تلك الموجة من التضخم المفرط فحافظت على كينونتها واستمراريتها.

أكبر المتضررين من أزمة التضخم في ألمانيا، كانت الفئة الوسطى، وأصحاب معاشات التقاعد من غير المؤهلين لأي زيادة مرتبطة بالتضخم، وكذلك من كانوا يدخرون أموالهم بالبنوك وليس لهم عمليات مالية أو حسابات بالعملة الصعبة خارج ألمانيا.

بحلول سنة 1922، تحول التضخم إلى ما يسمى التضخم المفرط؛ إذ توقفت محاولات البنك المركزي الألماني من السيطرة على تفاقم المشكلة، وبدأ بطبع النقود بكميات كبيرة لسد النفقات الحكومية وزيادات الأجور التي تطالب بها النقابات العمالية. وقد تفاقمت الأزمة لدرجة أن البنك المركزي الألماني قد قام بالتعاقد مع شركات خاصة لطبع النقود، ولجان مهمتها الحصول على الحبر والمواد اللازمة لطباعة النقود بأي طريقة، لدرجة الطباعة على وجه واحد للورقة النقدية لتوفير الحبر.

في سنة 1923، ومع استمرار انهيار الاقتصاد الألماني، وعجز ألمانيا عن الوفاء بتعويضات الحرب، فقد قامت كل من فرنسا وبلجيكا باحتلال منطقة وادي الرور«Ruhr» لتأمين حقوقهما من التعويضات عن طريق الصادرات من البضائع والفحم. ردة فعل العمال الألمان تمثلت بإبطاء الإنتاج، وعمليات تخريب؛ إذ قامت الحكومة الألمانية بطبع المزيد من النقود لتسديد مكافئات وحوافز لتشجيع العمال على المزيد من تلك الأعمال.

وفي السنة نفسها، قد تم تداول عملة جديدة هي رينتينمارك «Rentenmark»، وكان غطاؤها مدعومًا بقروض التسليف العقاري، والضرائب العقارية، ولكنها كانت حلًّا مؤقتًا؛ إذ تم استبدالها سنة 1924 بعملة جديدة هي ريتشسمارك «Reichsmark» مدعومًا بغطاء ذهبي، ولكن ليس قبل أن يصل سعر صرف الرينتينمارك «Rentenmark» مقابل «Mark» إلى 1 رينتيمارك: مليون مارك إذ انتهت عملة المارك الألماني وقتها في سلة المهملات ومجاري الصرف الصحي؛ لأنها أصبحت بلا قيمة.

التضخم المفرط الذي حل بألمانيا، كانت له عدة فوائد من الناحية السياسية والاقتصادية. أولًا: توحيد الشعب الألماني حول رفض التدخل الأجنبي. ثانيًا: إيجاد ذريعة لإعادة التسليح بسبب التدخل الفرنسي والبلجيكي في منطقة وادي الرور«Ruhr». ثالثًا: خلق حالة من التعاطف من جانب الولايات المتحدة وإنجلترا، بسبب انهيار الاقتصاد الألماني، على الرغم من أن قيمة التعويضات لم تكن مرتبطة بسعر صرف المارك، ولكن المزاعم الألمانية بخصوص التضخم المفرط ألقت باللوم على تعويضات الحرب أنها سبب لذلك. رابعًا: الشركات الألمانية والمؤسسات التجارية التي كانت تحتفظ بأصول مالية خارج ألمانيا بعملات أخرى، أو كان لها عمليات ومكاتب خارجية، قد خرجت أقوى بسبب قدرتها على شراء شركات وأعمال تجارية منهارة داخل ألمانيا، وبالعملة الصعبة لو شاءت، كما أن ديونها الخارجية قد أصبحت غير ذات قيمة، بسبب انهيار العملة الألمانية، والتضخم المفرط.

ألمانيا تخلت لاحقًا عن موضوع الغطاء الذهبي للعملة في زمن السلم وليس الحرب، بل يجادل البعض أن التضخم المفرط الذي عانت منه ألمانيا كان مقصودًا ولأهداف سياسية، ولكن ذلك ليس المهم، بل إن ما جرى في ألمانيا خلال تلك الفترة كان درسًا لدول صناعية أخرى، أن اقتصادًا قائمًا على عملة ورقية تم تعويمها، قادر في أي لحظة على اتخاذ إجراءات لتخفيض قيمة تلك العملة لتحقيق أهداف سياسية بحتة. تلك المرحلة أثبتت أن الدول من الممكن أن تخرج من مرحلة التضخم المفرط متجنبة أغلب الأثار السلبية، في حال توفرت لديها العناصر الضرورية لذلك، وهي الموارد الطبيعية، العمالة المدربة، الأصول الثابتة، والأهم الذهب. خلال فترة لم تتجاوز خمس سنين على انتهاء مرحلة التضخم المفرط سنة 1924، حققت الصناعة الألمانية قفزة كبيرة، وتفوقت في نموها على دول مثل الولايات المتحدة.

لقد اضطرت ألمانيا إلى إلغاء عملتها «المارك» آنذاك، واعتماد عملة جديدة، هل ستضطر مصر لفعلها هي الأخرى؟ هل سنقرأ الفاتحة على روح الجنيه المصري؟ أم أين الحل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد