تطوّر الصحافة المصرية على امتداد قرنٍ منذ نشأتها هو موضوع كتاب “الصحافة المصرية في مائة عام” للباحث الدكتور عبد اللطيف حمزة الصادر في منتصف القرن الماضي عن دار القلم.

في دراسته التي اقتصرها على الصحافة المكتوبة باللغة العربية، عمد الباحث المصري إلى تقسيم السنوات المائة الأولى من عمر الصحافة المصرية إلى أربعة أطوار رئيسية، تيسيرًا على القراء المتخصصين منهم وغير المتخصصين، مع إدراكه التام بأن تاريخ الصحافة، كأي تاريخ، هو سلسلة حية متصلة ومتداخلة الحلقات. وسنلقي الضوء في هذه المقالة على الطورين الأول والثاني، وهما طور النشأة (1828 -1876) وطور الشباب (1976-1882) بحسب تصنيف حمزة في كتابه القيّم.

كانت مصر أول بلاد الشرق معرفة بالصحافة على الرغم من أن المطبعة لم تصلها إلا مع الحملة الفرنسية، حيث كانت قد دخلت من قبل إلى القسطنطينية وحلب. وكان أول شكل من أشكال الجورنال أو الصحيفة قد صدر على يد السلطات الفرنسية في مصر، قبل أن يظهر في عهد محمد علي باشا ما يعرف بجورنال الخديوي، وهو تقرير ملخص للشؤون المالية والزراعية والتعليمية والعمرانية في الأقاليم يرفع إلى الباشا، ويطبع في نسخ لا يتجاوز عددها المئة كان الاطلاع عليها محصورًا في كبار موظفي الدولة. مع ذلك، فإن حمزة يؤرخ للبداية الرسمية للصحافة بظهور أول جريدة رسمية، بعد الجورنال، وهي جريدة “الوقائع المصرية” التي صدرت لأول مرة في الثالث من ديسمبر من عام 1828، وكانت ناطقة باسم الحاكم الذي كان يدقّق في كل خبر من أخبارها. وقد تضمنت الصحيفة، إلى جانب الدعاية للوالي، موضوعات أبرزها البحوث العلمية وشؤون الجيش، واستمرت على هذا النحو حتى تولى أمرها رفاعة الطهطاوي فأضاف إليها العديد من الأبواب. اللافت أن تلك الصحيفة لم تكن تصدر بوتيرة ثابتة، ورغم أنها قد توقفت مرة عن الصدور لخمس سنوات، إلا أنها استمرت وما زالت تصدر حتى اليوم بشكل ملحق للجريدة الرسمية في مصر. إلى جانب “الوقائع” أصدر الجيش المصري في عام 1832 جريدة خاصة به تحت اسم “الجريدة العسكرية” إلا أنها اختفت بعد فترة وجيزة.

في بداية عهده، شجع الخديوي إسماعيل الصحافة، هو الذي احتذى بالأوروبيين في نظام الحكم ومظاهر التحضر والتمدن وفي ميدان الثقافة، فآمن بالدعاية من خلال الصحافة لما لها من تأثير كبير على الرأي العام، وظهر في عهده عدد من الصحف الرسمية منها: صحيفة “روضة المدارس” الصادرة عام 1870، والتي كانت أول مجلة مصرية تعنى بالعلوم والآداب والفنون وبذلك اعتبرت الأم الأولى للمجلات الأدبية في مصر، وجريدة “يعسوب الطب”، وجريدة “أركان حرب الجيش المصري”، كما ظهرت صحف شعبية حاول الخديوي أن يعتمد عليها في معركته ضد السلطان العثماني من جهة، وضد الدول الأجنبية من جهة أخرى، ولا سيما فرنسا وإنكلترا اللتين راحتا تتدخلان في الشؤون المصرية الداخلية بذريعة الدفاع عن مصالحها الاقتصادية بعد تورط إسماعيل في الديون. من تلك الصحف الشعبية التي تولتها أقلام مصرية وسورية ولبنانية: “وادي النيل”، وهي جريدة شعبية علمية أدبية سياسية أسبوعية، صدر العدد الأول منها في يوليو عام 1867، وصحيفة “نزهة الأفكار” التي أصدرها إبراهيم المويلحي وعثمان جلال في عام 1869، إلا أن حياتها كانت قصيرة فقد احتجبت عن الظهور بعد فترة قليلة من صدورها “لإسرافها في التجديد” وتمسكها بالحرية التي لم تكن ملائمة في ذلك الوقت، وصحيفة “روضة الأخبار” التي تزامن صدورها مع صدور صحيفة “الأهرام” في عام 1875 لصاحبيها الأخوين بشارة وسليم تقلا، وكانا قد لجآ إلى مصر فرارًا من بطش الولاة العثمانيين، وأنشآ مطبعة “الأهرام” وحصلا على إذن نظارة الخارجية بإنشاء جريدة، متعهدين بعدم الخوض في السياسة وبأن تقتصر أخبارها على البرقيات التجارية والعلمية ونتف من الكتب الأدبية وبعض قصائد الشعر.

تميزت تلك الفترة التاريخية بشيء من الهدوء السياسي قبل قيام ثورة عرابي، وقد بدت الصحف الشعبية في أول عهدها وكأنها صورة عن الصحف الرسمية.

أما طور الشباب الذي شهد دخول الصحافة مضمار الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي، فقد امتد، برأي حمزة، بين العامين 1877 و1882، وكانت الحرب قد نشبت بين تركيا وروسيا في عام 1877-1878، فانطلقت الصحف الشعبية تخوض في نقل أخبارها وتحليلها، وكان محظورًا عليها قبل ذلك الخوض في الأمور السياسية، وقد تغاضت الحكومة المصرية عن ما كانت تنشره تلك الصحف لرغبتها في الوقوف على الحياد في ذلك الصراع، بل “وأرخت لها الحبل، لكنها بقيت تمسك بطرفه”.

شهدت تلك الفترة أيضًا ظهور عدد من الصحف الجديدة، ففي عام 1877 صدرت جريدة “الوطن” لصاحبها ميخائيل عبد السيد وجريدة “مصر” لصاحبها أديب إسحق الذي أصدر في العام التالي في الإسكندرية جريدة “التجارة” مع صديقه سليم النقاش، و”مرآة الشرق” لصاحبها سليم عنجوري (1879)، و”العصر الجديد” و”المحروسة” (1880)، و”مصر القاهرة” التي أصدرها إسحق من باريس في عام 1880 بعد أن أغلقت السلطات صحيفتيه “مصر” و”التجارة”، و”التنكيت والتبكيت” لصاحبها عبد الله النديم (1881)، والتي ما لبث أن استعاض عنها بجريدة “الطائف”. كما صدرت في فئة الصحافة الهزلية جريدة “أبو نضارة” في عام 1887 لصاحبها الأديب والمسرحي يعقوب صنوع التي هاجمت إسماعيل وسخرت من أوضاع الحياة المصرية في عهده بأسلوب متوارٍ ملتوٍ لكنه لم يخفَ على الحاكم الذي نفى صنوع إلى باريس، حيث أصدر هذا الأخير عدة صحف: أبو نظارة زرقاء، النظارات المصرية، أبو صفارة…

تأثرت جميع تلك الصحف بحركة المفكر جمال الدين الأفغاني في بذر بذور الثورة الفكرية والدعوة إلى الحرية، فراحت تنتقد الطبقة الحاكمة والامتيازات الأجنبية وتدافع عن كرامة المصريين الذين يلقون في بلادهم معاملةً أدنى من معاملة الأجانب، كما هاجمت قانون المطبوعات وازدواجية معاييره.

في عام 1879، عزل السلطان العثماني الخديوي إسماعيل بضغط من الحكومات الأوروبية بعدما تراكمت الديون عليه، وقد استبشرت الصحف خيرًا بهذا العزل وأملت ببزوغ عهدٍ جديد، لا سيما بعد أن لاحت بوادر ثورة أحمد عرابي في الأفق، فسالت الأقلام فاضحةً تجاوزات حكم إسماعيل الذي أدت سياساته وإسرافه في النفقات وفي الاستدانة إلى وقوع مصر في براثن الديون وجرت إليها التدخل الأجنبي، فكتب الإمام محمد عبده في “الأهرام”، ثم في “الوقائع المصرية” ابتداءً من عام 1880، وكانت أفكاره أقرب إلى الاعتدال والتطوير مقارنةً بأفكار أستاذه جمال الدين الأفغاني الثورية. كما كتب عبد الله النديم في “التنكيت والتبكيت” ثم في “الطائف” التي انتقل بها النديم إلى ميدان القتال فأضحت ناطقة رسمية باسم ثورة عرابي التي أدت هزيمتها في معركة التل الكبير في عام 1882 إلى اختفاء النديم عن الأنظار طوال عشر سنوات إلى أن أصدر الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي خلف الخديوي توفيق، عفوًا عنه في عام 1892.

لم تنجُ الصحافة المصرية إذًا في أطوارِها الأولى من محاولات السلطةِ الحاكمة، سواء كانت الخديوي أو لاحقًا سلطات الاحتلال البريطاني، السيطرة عليها وتدجينها، عن طريق الإغلاق وكمّ الأفواه ونفيِ الأصوات المعارضة أو المنتقدة، لكنها خرجت من تلك المعارك أقوى وأكثر نضجًا وتأثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد