«المستورد أحسن بيعيش وبيعمر، لا يا عم مصري إيه! أنا عايز حاجة مستوردة. ودي بقى مستوردة ولا مصري؟ دنا جايبلك حاجة مستوردة إنما إيه تقفيل بره بقى»

كلها جمل نسمعها في الأسواق حينما نقوم بشراء احتياجاتنا من لوازم ومنتجات مختلفة في الأسواق المصرية، ولكن على الرغم من أن المشتري مصري والأسواق مصرية، إلا أن المشتريات غير مصرية، ونجد المصري نفسه ينفر من منتج بلده، وينجذب للمنتج الأجنبي؛ بحجة أنه أفضل وأكثر جودة، وأن المنتج المصري أقل جودة بكثير، ولا يعمر كثيرًا!

حتى وإن كان الأمر يتعلق بالمنتجات الغذائية فنجد البعض يفضل المنتجات المستوردة أيضًا بحجة الجودة الأعلى، وعدم وجود الغش التجاري الذي يهرب منه المستهلك المصري إلى المنتج الأجنبي أحيانًا، فيقول لك من تسأله على أسباب تفضيله المنتج المستورد: لماذا أرضى بمنتج أقل جودة وعمرًا أو أقل جودة وأقل طعمًا، إذا كنا نتحدث عن المنتجات الغذائية، وأنا استطيع أن أقدم لأولادي وأسرتي الأفضل؟ إذن فلماذا أشتري المنتج المصري!

ومن هنا كانت تكمن المشكلة أو إن صح القول «الكارثة». فعندما يكون المنتج المصري يحظى للأسف بنسبة كبيرة من تدني مستوى الجودة، ويدخل تحت مظلة الجودة العيد من المشكلات من سهولة التلف وسرعته، تدني الخامات المستخدمة وسوء التخزين، عدم الحفاظ على المواصفات القياسية المعروفة والسليمة، وحتى إن كان ذا جودة عالية أو تم تصنيعه بمهارة يأتي عدم الاهتمام باللمسات النهائية للمنتج؛ ليهدم ما تم بناؤه من قبل، وبالتالي يكون الناتج، إما عدم تداوله، أو النفور منه من قبل المستهلك، وركوده في الأسواق.

ولا أقصد بكلامي أن هذا ينطبق على جميع المنتجات المصرية، بل على العكس، تمتلك مصر العديد من الأيدي العاملة الماهرة والمدربة التي تستطيع أن تقدم منتجًا مصريًا أكثر جودة من المنتج المستوردة، والدليل على ذلك وجود بعض المصانع في مصر تقدم منتجات بجوة فائقة، بل تفوق المستورد، مثل مصانع السلع المعمرة كالثلاجات والغسالات والتليفزيونات، وأيضًا مصانع الغزل والنسيج، والتي تقدم المنسوجات القطنية المصرية والمعروفة بأنها أعلى جودة في العالم.

ولكن للأسف ينقصنا أن تكون الصناعة في مصر كلها مثل تلك الصناعات التي نفخر بها، حتى ينتعش المنتج المصري، وتنتعش العملة المصرية وسعر الصرف. ولكن دعونا نتساءل ما المشكلات أو المعوقات التي تجعل المنتج المصري يتراجع إلى هذا الحد، هل وجود السلع المستوردة وتفضيلها فقط؟ أم أن هذا نتيجة بالفعل لتراجعه، هل وجود عقدة الخواجة لدى الكثير منا لمجرد الاعتقاد بأن المستورد أفضل؟ في حين أنه يمكن أحيانًا أن يكون المنتج المصري أفضل بكثير، ولكن ينقصه لاعتناق معتقد ثقافي معين تكن تلك النتيجة؟ هل تراجع وتقادم الخبرات والأيدي المدربة للعمال وعدم تطور آليات الصناعة؟ أم التعليم الصناعي ترى ما الأسباب التي تجعل المنتج المصري يتصدر مراكز متأخرة في حين أنه يستطيع أن يكون في المركز الأول ببعض الجهد؟

دعونا نتفق أن لكل مشكلة جذور. وهذه الجذور تنبت شيئًا فشيئًا حتى تتشعب وتتعمق أكثر فأكثر، وبالتالي يتفاقم الأمر كما حدث معنا في تلك المشكلة، ولكن ما هي جذور تلك المشكلة؟

تتمثل تلك الجذور، وأنا أقصد تلك الكلمة؛ لأن بالفعل المشكلة تشعبت وتفرعت لأكثر من مشكلة أدت إلى طرح «ركود المنتج المصري» فإذا استعرضنا معًا تلك المشكلة من منبتها؛ نجد أنها تبدأ من التعليم، وبصفة خاصة التعليم الصناعي. فهو على الهامش بكل معاني الكلمة، فلا يوجد تطوير للمناهج حتى تواكب التطور الصناعي الهائل الذي يحدث بالعالم، ولا يوجد تطوير للمعامل أو الورش الموجودة بالمدارس الصناعية.

هذا إلى جانب قلة مرتبات معلمي التعليم الصناعي؛ وبالتالي محدودية تلك الفئة وعدم الإقبال على العمل بها.

جنبًا إلى جنب وجود ثقافة مترسخة بأن من يلتحق بالتعليم الصناعي هو الطالب الفاشل الذي لا يصلح لشيء، بعكس الدول المتقدمة، والتي ترى أن المبدع والمبتكر هو الذي يلتحق بالتعليم الصناعي؛ لأنه يمتلك قدرات إبداعية وابتكارية مختلفة، وبالتالي ينعكس ذلك على استيعاب واحتضان تلك الدول لقدرات أبنائها وطاقاتهم الإبداعية والاستفادة منها، في حين أن في مصر حتى وإن كان الطالب يمتلك تلك المهارات التي تؤهله للالتحاق بالتعليم الصناعي، وإن كان بالفعل راغبًا في ذلك، يرد الأهل والمجتمع بحجة أن من يلتحق به هو الفاشل الذي لا يستطيع أن يلتحق بأي شيء آخر، حتى يجعل التحاقه بالتعليم الصناعي هو آخر خيار يمكن أن يلجأ إليه.

ويوجد أيضًا الغش التجاري، والذي يعلب دورًا هامًا في نفور المستهلكين من المنتج المصري، فحينما يستيقظ المستهلك كل يوم على خبر فساد منتجات شهيرة اعتاد استخدامها لفترات طويلة، وأنها تقدم بمكونات فاسدة ولا تصلح للاستهلاك الآدمي، ويرى مصانع تغلق، ويتم حبس أصحابها بتهمة الفساد والغش التجاري، وإن كانت منتجات غذائية، وإن كانت غير ذلك يجد الخامات رديئة، ويتم استغلاله حرفيًا، وغشه ببيع منتجات رديئة الصنع أو بيع منتجات بمواصفات معينة يتم إعلامها للمشترى أو للمستهلك في حين أنه يجد مواصفات مخالفة تمامًا عند الاستخدام الفعلي، فوسط كل ذلك ماذا يتوقع أن يكون رد فعل المستهلك تجاه المنتج المصري؟

هذا إلى جانب سياسة الاحتكار وظاهرة السوق السوداء يؤديان إلى ارتفاع الأسعار بالطبع وبصورة مبالغ فيها، وفي كثير من الأحيان يؤديان إلى اختفاء المنتج أو ندرته في الأسواق، وبالتالي لجوء المستهلك إلى المنتج المستورد.

بالإضافة إلى وجود العديد من الاتفاقات الدولية والتي بمقتضاها يتطلب وجود تعامل تجاري مع بعض الدول من خلال الاستيراد بالإضافة إلى تطبيق فكر العولمة الذي انتشر بالعالم، والذي جعل العالم كالقرية الصغيرة؛ مما جعل المنتج  المستورد في منافسة دائمة وشرسة وأيضًا غير عادلة مع المنتج المصري.

أما إذا تحدثنا عن تقادم النظم الإنتاجية والآلات المستخدمة في كثير من الصناعات وعدم تطورها فحدث ولا حرج، بالإضافة إلى عدم تدريب الأيدي العاملة التدريب الكافي والاكتفاء بالخبرة الموجودة وعدم العمل على إثرائها بما يوازي التقدم الصناعي الموجود حاليًا.

إضافة لذلك تقادم دراسات الجدوى التي يقدمها صندوق التنمية الاجتماعي للشباب، فلا يراعي بها الظروف الاقتصادية الحالية والأسعار الجديدة للمواد والخامات المستخدمة في المشروعات والتكاليف، حيث تقدم بأسعار قديمة لا تتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية الحالية حيث لم يتم تطويرها؛ مما ينتج عنه عزوف الشباب عن الاستعانة بها، وبالتالي خسارة مبلغ القرض المقدم لهم من الصندوق الاجتماعي لعدم تناسبه مع الأحوال الاقتصادية الحالية؛ مما يجعل صندوق التنمية الاجتماعي يفقد دوره ألا وهو دعم الشباب والمشروعات الجديدة للتنمية، وأيضًا خسارة مشروعات وطاقات كثيرة ومختلفة يمكن أن يقدم شيئًا للاقتصاد المصري بسبب غياب الداعم المادي المناسب لها، مما ينتج عنه وجود طاقات وأفكار معطلة لا يتم العمل بها أو استيعابها.

ومن هنا نصل إلى أن كل ما استعرضناه هي مشكلات تدور في فلك واحد لتقدم نتيجة واحدة وهي ركود المنتج المصري وتدني مستوى الاقتصاد المصري بالتبعية.

لذلك يتم تقدير تلك الأهمية وعملت مصر على دعمها وتطويرها على مر العصور، خاصة في عهد الدولة الحديثة، أو عهد محمد علي، فشهدت الصناعة أزهى عصورها في مصر على يد محمد علي، فعندما تولى حكم مصر لم تكن أحوال الصناعة تلائم حاجة الجيش والأسطول، لذلك عمل على تنظيم الصناعة، حتى تحقق أهداف بناء القوة الذاتية للبلاد فعمل على إنعاش الصناعة في مصر بشتى الوسائل، حيث قام بإقامة المصانع الحكومية التي تتبع الدولة مباشرة (القطاع العام)، وذلك لتوفير الصناعات المطلوبة، كما استخدم خبراء من الخارج من إيطاليا، فرنسا، وانجلترا، في مختلف الصناعات لتدريب الأيدي العاملة وزيادة الخبرات.

كما قام بإجبار مشايخ الحارات على جمع الصبية للعمل في مصانع الدولة إجباريًا، فأصبحت بمثابة مدارس صناعية، بالإضافة إلى قيامه بتخصيص بعثات للخارج منذ 1909م لإيطاليا، فرنسا، النمسا وإنجلترا لدراسة فنون الصناعة المختلفة وترجمة الكتب الصناعية؛ وذلك للحصول على أعلى مستوى في مجال الصناعة وتقديم الأفضل للصناعة المصرية، وإن كانت تلك التجربة قد تم تفعيها منذ القرن التاسع عشر وقد أتت ثمارها، فلما لا نعيدها ثانية في القرن الواحد والعشرين.

فالعبرة ليست بالزمن، ولكن بالنهج والخطر التي نمشى عليها ليحقق الأهداف، فها هي تجربة محمد على نستطيع الاقتداء بها، بل الإضافة لها ما يتماشى مع عصرنا الحالي، فبالإضافة إلى تطبيق تجربة محمد على من استجلاب خبرات أجنبية من الخارج وإقامة مصانع قطاع عام لتوفير المواد المطلوبة وأيضًا إرسال بعثات إلى الخارج وترجمة كتب أجنبية في مجال الصناعة لزيادة الخبرات وتدرب الأيدي العاملة وجمع الأيدي المهرة والاستفادة بنا نحتاج إلى بعض السياسات الإضافية التي من شأنها إعلاء وإنعاش مستوى الصناعة في مصر كالاهتمام بتطوير التعليم الصناعي في المدارس. من حيث المناهج والمعامل والورش، بالإضافة إلى زيادة كادر ومرتبات المعلمين بصفة عامة ومعملي التعليم الصناعي بصفة خاصة، العمل على نشر الوعي الثقافي بأهمية التعليم الصناعي وخلق منظومة تحفيزية للالتحاق به، بدلًا من اعتباره ملاذ للفاشلين يتم التوعية بأنه ملحق للمبدعين والمبتكرين وأيضًا إمكانية تبني أمر تحويل المدارس الصناعية في مصر لورش منتجة يستطيع أن يكسب منها الطالب والمعلم والتي ستنعكس بدورها على زيادة الإنتاج، ما سيلعب دورًا محوريًا في تغير الثقافة المعروفة عن التعليم الصناعي، وأيضًا نقل الخبرات وإثراؤها.

ولم تتوقف خطي الإصلاح عند هذا الحد، بل يحتاج أيضًا إلى ضرورة تشجيع وتحفيز المنتجين وأصحاب المصانع على إنتاج منتج مصري ذي جودة عالية والرقابة على ذلك متبعين أسلوب الثواب والعقاب.

*فمن ينتج منتج دون المواصفات يحرم من ميزة ما تقدمها الدولة من خلال بعض المحفزات للمنتجين لتحقيق ذلك.

*حتى نصل في النهاية إلى أن جميع المصانع تنتج منتجًا بالجودة المطلوبة التي لا تسمح بسهولة تداوله، والإقبال عليه ليس محليًا فقط، بل خارجيًا أيضًا.

ومن الأكيد أنه لن يتحقق ذلك إلا من خلال تطوير النظم الإنتاجية أيضًا والنهوض بها.

وبالطبع لا نستطيع أن ننسى جهود وطاقات أبناء مصر الذين يسعون دائمًا لإعلاء شأنها وأن لا نهضة لتلك البلد إلا بسواعدهم، لذلك من الضروري تبنى الأفكار والجهود الشبابية، بل الاختراعات الجديدة التي يقدمها كثير من الشباب، ولكن للأسف لا يلتفت إليها، ولا تنمى بالشكل اللازم، والتي تستطيع أن تغير شكل الصناعة المصرية كليًا إذا تم دعمها واستيعابها، أما عن الاستيراد، فهناك ضرورة ملحة بتقليل الاستيراد؛ حتى تعطي الفرصة للمنتج المصري أن ينتعش ويستطيع منافسة المنتج الأجنبي.

وأراني أسمع صوتًا من أحد القراء يتساءل: ولم لا نمنع الاستيراد نهائيًا حتى نستطيع إنعاش المنتج المصري أكثر، فتكون إجاباتي أن هناك قيودًا على ذلك الأمر، حيث وجود اتفاقات دولية تمنع وقف الاستيراد كليًا لذلك يمكننا التقليل فقط، وجعل صادراتنا هي الأعلى من واردتنا.

وذلك من خلال تضييق النطاق حول الاستيراد ومعرفة بالضبط ماذا نريد أن نستورد والبعد عن المنتجات الهامشية في الاستيراد لتقليل التكلفة وغزو الأسواق المتعطشة الإفريقية على سبيل المثال، وذلك لفتح منافذ جديدة لمنتجاتنا، وبالتالي إعطاء الفرصة لزيادة الصادرات، وهنا يأتي دور الحكومة لتحقيق ذلك وأيضًا تشجيع الاستثمارات من خلال تقديم التسهيلات اللازمة للمستثمرين وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر لدعم الاستثمار الصناعي في مصر.

وفي ضوء تلك المنظومة الإصلاحية لم يقتصر دور المستهلك على الاستهلاك فقط بل لابد أن يكون هو أيضًا له دور إيجابي وفعال، حيث يجب عليه أن يتمتع بقدر أعلى من الإيجابية من خلال ضرورة إبلاغه عن أي أمر من شأنه أن يسبب تراجعًا أو ركودًا للمنتج المصري كالفساد والغش التجاري للجهات المختصة أو تراجع الجودة للمصانع والمنتجين للعمل على التحسين، كذلك العمل على تشجيع منتج بلده حتى ينتعش ويستطيع إثبات ذاته أمام مثيله الأجنبي.

وبذلك يكون قد تحققت أهداف المنظومة بشكل متكامل يكمل كل دور فيه الدور الآخر، ليكن الهدف الأساسي هو إعلاء شأن المنتج المصري، وجعل الصادرات هي الأكبر والأعلى من الواردات، والذي بالطبع سينعكس بدوره على مستوى الاقتصاد المصري من توفير فرص عمل واستقرار سعر الصرف للعملة المصرية واستقرار الأسعار أيضًا، هذا بالإضافة إلى جانب ارتفاع شأن مصر بين جيرانها من الدول لتصبح تجربة يقتدي بها غيرنا من الدول.

ولكي يتحقق كل هذا، لابد وأن يتكاتف المصريون جميعًا لتحقيق ذلك: منتجين، ومستهلكين، وكما قلنا من قبل: لن يتم رفعة مصر إلا على يد أبنائها وشعبها العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المنتج
عرض التعليقات
تحميل المزيد