مايو (أيار) 1934 تاريخ انطلاق وشهادة ميلاد الإذاعة المصرية الحكومية، حينما صدح أحمد سالم بكلمته الشهيرة: «هنا القاهرة» في افتتاح برنامج الإذاعة العام للمرة الأولى.

منذ البداية، أرادت الحكومة المصرية بالإذاعة الابتعاد عن مواقع الخلاف، وأسباب القيل والقال، فكانت القاعدة الأولى هي عدم التدخل الحزبي في الإذاعة، أو السماح بالتحزب بأحزاب السياسة في آرائها، ومنع الدعاية الحزبية والسياسية تمامًا؛ فالإذاعة ليس لها علاقة بالسياسة، هكذا صرَّح أعضاء لجنة إدارة الإذاعة المصرية، بقيادة محمد سعيد لطفي باشا، مشير الإذاعة في بدايتها.

التدخل الحكومي تحت غطاء المصداقية

هنا قد يبدو لوهلة أنَّ القرار يؤدي لأسباب المصداقية في عمل الإذاعة، ويحمي عقل المتلقي من التزييف، فإن صح هذا، فإن للقرار جوانب أخرى عند قراءة المشهد من زوايا مختلفة.
فلقد اختارت الحكومة حظر السياسة تحت عنوان عريض «استقلال الإذاعة»، لكن، أليس في ذلك مدعاة لادعاء وصاية السلطات المصرية على الإذاعة، وتوجيهها بمفردها ودون معارضة، وهذا بالمحصلة «تسييس» للإذاعة!
فإذا كانت الحكومة لم تُعدم استجوابات المعارضة تحت قبة البرلمان، ومناكفات المخالفين في الصحافة والنقابات، فها هي تجد لنفسها ساحةً فسيحة، تلعب فيها بمفردها.

كانت قاعدة جمهور الإذاعة أكبر من قاعدة جمهور الصحافة، وذلك في وقت كان غالب ساكني مصر من الفلاحين وغير المتعلمين؛ وهذا ما جعلها مطمع سيطرة الذين يريدون تحريك الناس والتلاعب بقناعاتهم.

سرايا عابدين تسمع وترى!

مما يؤكد أنه كانت للمسألة أبعاد أكثر بكثير من مجرد «إعلان نزاهة» الراديو حيال السياسة، هو أن القصر حاول التأثير من جهته في اتجاه الإذاعة، لكن على طريقة ساكنيه الخاصة؛ ففي عام 1951م أنعم الملك على قيادات الإذاعة بالرتب الملكية «البكوية من الدرجة الأولى والثانية، والباشوية»، ومنهم محمد حسني نجيب، مدير الإذاعة في ذلك الوقت، والذي نال رتبة البكوية من الدرجة الثانية.

هكذا كان التدخل الحكومي بالوصاية الشرعية – إذ إن الإذاعة هيئة حكومية تابعة لمجلس الوزراء مباشرة- والقانونية التي كفلها الدستور، من حيث رعاية مصالح الدولة العليا بكل الطرق الممكنة، وبين تدخلات الملك (الملكية) باستمالة أعضاء مجلس إدارة الإذاعة ببذل الهبات، وسكب المجاملات، ظهرت اهتمامات طرف جديد – وهو الأهم بالمناسبة- ألا وهو الاحتلال.

شركة ماركوني.. ظهير الاحتلال

فبرغم أن الإذاعة هيئة وطنية مصرية، فإن الشركة التي أوكِلَ إليها إدارتها هي شركة ماركوني البريطانية، فقد جرى اتفاق بين الحكومة المصرية برئاسة إسماعيل صدقي، وشركة ماركوني البريطانية المتخصصة في خدمات البرق واللاسلكي، على أن تتولى الأخيرة مهمة تشغيل الإذاعة المصرية، نيابةً عن الحكومة قليلة الخبرة والحيلة، حيال شؤون اللاسلكي وإدارة برامجه، لمدة 10 سنوات قابلة للتجديد.

فكان من الطبيعي أن يتحكم سكيرتير مكتب المندوب السامي البريطاني بسهولة في الإذاعة، وفرض خطط سيرها.

ومن بديع الملاحظات لمجريات الأحداث في تلك الفترة، أن الشركة نفسها – ماركوني- أطلقت بعد عامين فقط 1936 إذاعة جديدة في فلسطين، وفي حين قدمت الإذاعة المصرية برامجها باللغتين العربية والإنجليزية، كانت شركة ماركوني قد أطلقت برامج إذاعة القدس باللغتين العربية و«العبرية»، وفي هذا إشارة إلى ما توجهت إليه الأحداث عام 1948، والمعروفة بحرب فلسطين، عندما انقض اليهود على فلسطين.
فلقد كان الإنجليز يعملون بوتيرة متجانسة في كل مكان في إمبراطوريتهم التي لا تغيب عنها الشمس؛ للقبض على مفاصل الدول وأدوات نشر الوعي بها، والتأثير في الناس.

الجدير بالذكر، أن الإذاعة ظلت تحت إدارة بريطانية حتى مُصرت بإنهاء عقد شركة ماركوني عام 1947، فجاء في الوقائع المصرية بتاريخ 23 يوليو (تموز) 1949 قانون استقلال الإذاعة، مادته الأولى: «الإذاعة المصرية هيئة مستقلة قائمة بذاتها وتلحق برئاسة مجلس الوزراء، وأن لها الشخصية المعنوية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد