تعتبر حركة المقاومة الإسلامية حماس النموذج الأنجح في جماعة الإخوان المسلمين، من ناحية صعودها السياسي ونجاحها العسكري وصمودها، بالرغم من ظروف الحصار والحروب التي مرت بها. ومما جعل هذا النموذج متألقًا الجمع بين السياسة والدعوة والجهاد، مع التمسك الأصيل بفكر جماعة الإخوان ومبادئها، فقد ضربت الحركة المثل في معنى الجهاد الإسلامي الصحيح، الذي يبرع في قتال العدو المحتل، ويتورع عن قتال الأخ الشقيق وإن كان ظالمًا، يرفض مبدأ التفاوض مع العدو، إذا كان الأمر يتعلق بإضافة مشروعية للكيان الصهيوني، لكنه لا يمتنع عن ذلك، إذا كان هو صاحب القوة في المعادلة، كالتفاوض على هدنة مؤقتة في الحرب، أو في ملف الأسرى. لذا يعتبر هذا النموذج ملهمًا للكثير من أتباع الجماعة الأطول تاريخًا في الحركات الإسلامية المعاصرة، لكن السؤال الذي قد يدور في أذهان البعض الآن: هل ستظل الحركة نموذجًا للجماعة بعد هذه المصالحة؟ وهل سينعكس ذلك على الصراع الحالي بين إخوان مصر ونظام السيسي؟

لقد أظهرت الحركة تسامحًا كبيرًا مع النظام المصري الذي لم يتوقف عن إهانتها واتهامها بكل جريمة وعمل إرهابي منذ بداية انقلاب الثالث من يوليو وحتى الآن، وسخر جميع أدواته لذلك، الإعلامية والدينية والقضائية، حتى إن رئيس مصر المنتخب د. محمد مرسي مازال يقبع في سجون النظام بتهمة التخابر معها، هذا بالإضافة إلى أن هذا النظام هو أحد فكي كماشة الحصار على قطاع غزة، ومسئول بشكل مباشر عن أرواح الكثير من الفلسطينيين الذين انقضت أعمارهم وهم على أمل أن يخرجوا للعلاج عبر معبر رفح البري الذي كان مغلقًا بشكل شبه تام طوال الأربع سنوات الماضية.

أما عن تسامحها مع حركة فتح التي انقلبت عليها بعد فوزها بالانتخابات التشريعية عام 2006، وقتلت من أبنائها من قتلت، ولم تتورع قيادتها عن المجاهرة بعزمها على نزع سلاح المقاومة، ولا تزال تطارد وتعتقل أبناء الحركة في الضفة الغربية تحت ما يسمى بالتنسيق الأمني مع العدو الصهيوني، إلى غير ذلك من مشاحنات وتوترات على كل الأصعدة، تراها حتى في صراع الكتلة الإسلامية (الذراع الطلابي لحركة حماس) مع الشبيبة الفتحاوية، لكن، ومع كل ذلك، كانت حاضرة وملبية لكل دعوات المصالحة خلال السنوات الماضية، نعم بشروطها، ومع خصمها الذي تجاوزت خصومته الخلاف السياسي، إلى أن تطورت هذه الشروط لتشمل تسليم إدارة قطاع غزة له، حتى تم الاتفاق وتصافحت الأيادي.

ماذا عن الجماعة الأم إذًا؟ إخوان مصر، أصل الإخوان ومنبع حركتهم وموطن مرشدهم؟ هل يقبلون بما فعلته حماس؟ أم يرون ذلك انحرافًا عن القيم والمبادئ وتغييرًا للثوابت؟ هل ستظل الحركة نموذجًا ناجحًا في نظرهم أم سيصبح فاشلًا بعد الآن؟ أم سيتم ترجمة ما حصل أنه كبوة؟ لم يخرج حتى الآن بيان من أي من شقي الجماعة، فهل سيخيم الصمت حتى نرى النتائج؟ وهل تعتبر النتائج مبررة للمخالفات (إن اعتبرت كذلك) أم أن الغاية لا تبرر الوسيلة؟

ما حدث في محنة الإخوان الأولى في خمسينات القرن الماضي أن قبعت الجماعة في السجون حتى مطلع السبعينات حين أخرجهم السادات، فهل ستنتظر الجماعة أن يتغير السيسي، ويأتي حاكم عسكري آخر؛ فيعفو عنهم ويخرجهم من أقبية السجون؟ أم ستسعى الجماعة للمصالحة؟ أم سترفض الخروج حتى إذا صدر عفو عن قياداتها وشبابها حتى يعود د. مرسي إلى الحكم؟ هل مبدأ المصالحة أو التفاوض موجود أم مرفوض؟ وإذا كان موجودًا فما هي الشروط التي تراها الجماعة الحد الأدنى؟ وإذا لم يكن موجودًا حتى الساعة، فهل من الممكن أن يتم طرحه الآن في ضوء المصالحة الفلسطينية؟ وإذا كان مرفوضًا فهل تراه كذلك بشأن حماس؟ أم لكل مقام مقال؟

مما لا شك فيه أن المقارنة ربما تكون ظالمة، لأن حماس لجأت للمصالحة ومعها شئ في يدها استطاعت أن تحافظ عليه ولم يقدر أحد على نزعه منها حتى بقوة السلاح، وهو قطاع غزة، استطاعت حماس حمايته وكسرت أقدام العدو الصهيوني حينما حاول التوغل بريًا في حروبه ضد القطاع، واستطاعت تحمل حصارًا شديدًا لوقت لم يتخيل أحد أنها ستصل إلى نصفه، أما الوضع في مصر فيختلف قليلًا، فالجماعة لا يوجد بيدها غير شرعية رئيسها المختطف، وليس بيدها قوة تمكنها من التفاوض وفرض الشروط والمصالحة، والنظام ربما يرى أسبابًا أكثر في إفنائها عن المحافظة عليها، ففي فنائها استقرار لأمره وإرضاء لحلفائه وداعميه من بعض دول الخليج ودول الغرب والكيان الصهيوني، وهو يحتاج هذا الرضا والدعم الدولي خاصة مع تردّي الوضع الاقتصادي في مصر وعدم الاستقرار فيها.

كما أن النظام يعلم تمام العلم أنه لا توجد أي صلة للجماعة بأي أعمال عنف في سيناء وغيرها، كما كان يعلم أنه ليس لحماس أية صلة بذلك أيضًا، فلا يوجد بالتالي أي خطر عليه منها، بل في قمعها مصالح وفوائد شتى. أما بخصوص الشرعية التي تعتبر نقطة القوة الوحيدة في يد الجماعة بعد انتهاء حراكها في الشوارع والميادين، يرى النظام وداعموه أنه قد سلبها منهم بانتخابات أخرى، نعم تلك الانتخابات التي قاطعتها المعارضة حتى توسل النظام من خلال أبواقه الإعلامية الناس للمشاركة فيها، أما مراكز قوة الجماعة ودعوتها فقد صادر النظام أموالها وأغلق جمعياتها الخيرية وطارد واعتقل كل من تسول له نفسه أن يتعاطف معها ولو فقط برفع شعار رابعة.

إذًا فالنظام لا يحتاج للمصالحة، إلّا أن يُدفع إليها دفعًا من أحد حلفائه إن أحسّوا بقلق بخصوص الجماعة وأرادوا استيعابها وتهدئتها، فدائمًا القاعدة الأساسية لتعامل الغرب مع مصر هي تجنب الفوضى والانفجار، أما قمع الحريات وسلب الحقوق فلا بأس به طالما تبدو الأمور مستقرة أو في نطاق السيطرة، لكن هل تعتقد الجماعة أنها بحاجة إلى هذه المصالحة؟ حتى ولو كانت هذه الحاجة مؤقتة لتعيد ترتيب الجماعة صفوفها وتحسين أوضاعها للخوض في جولة أخرى تكون أكثر استعداداً لها، وتتعامل فيها مع معطيات الواقع بشكل أفضل مما فعلت عقب ثورة يناير؟ نعم إن شرعية د. مرسي لم تُنزع من قلوب كثير من أنصاره ومؤيديه وحتى معارضيه الذين ارتضوا به لارتضائهم بالديمقراطية التي أتت به وكانوا ينتوون انتخاب غيره بعد انقضاء مدته، لكن هل يوجد لهذه الشرعية أجل مسمى؟ لقد كانت الشرعية في يد حماس، وحافظت عليها، لكن لكل شيء أوان، وقد مر على الانتخابات ١١ عامًا، فهل كذلك انقضى وقت شرعية مرسي الذي لو كان رئيسًا لانقضت مدته الرئاسية؟ وإن لم تنقض، فهل ستنقضي يومًا؟ وهل تنقضي بانقضاء أجله (حفظه الله) في سجون الموت البطيء؟

لم يتوقع أحد منذ بضعة شهور أن يرى هذا المشهد الذي يسلم فيه اسماعيل هنية على خالد فوزي رئيس المخابرات المصرية، أو صورته بجانب عمرو أديب الذي اعتاد على سب حماس وإهانتها طيلة السنوات الماضية، بل ورفع يده تحية للجندي الإسرائيلي في أحد لقاءاته التلفزيونية، فهل من الممكن أن نرى مشهدًا مشابهًا على الساحة المصرية؟ وإن حدث فهل سيسعد المصريون بذلك؟ وهل سيتغير رأي أنصار السيسي الذين لم تكف ألسنتهم عن الإساءة لهذه الجماعة منذ انقلاب الثالث من يوليو؟ هل سيثبت الإخوان على مبدأهم حتى لو قضوا في سبيل ذلك؟ أم سيقومون بالمناورة وتقديم بعض التنازلات الحالية لتحقيق أهداف مستقبلية؟ ومتى من الممكن أن يتم ذلك؟ تساؤلات كثيرة قد أثارتها المصالحة الفلسطينية في الأذهان، ربما قد آن الأوان أن يطرحها الجميع، عسى أن نجد لها إجابة قبل أن نصطدم بواقع لم نحسب حسابه أو نندم على فرص أضعناها وقتما سنحت لنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد