أيام وتحل علينا الذكرى العاشرة لثورة يناير المجيدة، ذكرى أمال كبيرة، وطموحات لا سقف لها، وحلم الحرية والعدالة الاجتماعية وغد أفضل ودولة خالية من الظلم والفقر والفساد والاستبداد، ومجتمع يقبل التنوع ويحترمه. لكن بعد عقد من الزمن تحل الذكرى محملة بالحزن والأسى على الشهداء، والآمال الضائعة، والفرص المهدرة، والطموحات المنهارة، حتى أمسى تخيل حياة آمنة في مصر حلمًا صعب المنال، واقتصر الأمل على يوم بدون ضرائب جديدة، أو ارتفاع للأسعار، أو تنازل عن أرض مصرية.

ويمكن تقسيم ثورة يناير إلى ثلاث مراحل رئيسية:

1: المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل يناير: وهي مرحلة بناء وتنمية الوعي الثوري، وخلق منفذ للشارع للمعارضة (ولو جزئيًّا) وتراكم الخبرات الثورية. واستفادت هذه المرحلة من انتفاضة الخبز 1977م بدرجة ما، وساعدت في ثقلها الانتفاضة الفلسطينية الثانية في بداية الألفية الجديدة، والمظاهرات المناهضة للحرب على العراق 2003م، ثم مظاهرات حركة كفاية 2004- 2006 وبداية عهد من الإضرابات العمالية بين عامي 2006- 2007م، وبداية انتشار مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر»، وتداول فيديوهات عن قمع الشرطة وتعذيبها، آخرها كان تعذيب خالد سعيد (الذي أصبح أيقونة الثورة). ولأن الثورات من الصعب التنبؤ بها، كانت تعد الثورة التونسية وسقوط بن علي شرارة يناير.

2- المرحلة الثانية: مرحلة الثورة (25 يناير- 11 فبراير): بدأت الدعوة لمظاهرة في الخامس والعشرين من يناير (عيد الشرطة) من صفحة على «فيسبوك»، تحمل سم «كلنا خالد سعيد»، وسطر المصريون في فترة الـ18 يوم بطولات خالدة من أول محاولات الوصول للميدان، ثم فض الأمن لهم وتزايد الإعداد مع بداية الحشد لجمعة الغضب في 28 يناير، بالإضافة لقطع نظام مبارك النت وكل شبكات المحمول مما ساعد في زيادة أعداد الناس بالشارع وانهيار جهاز الشرطة، حتى اضطر الضباط لخلع البذلات الخاصة بهم تجنبًا ولمحاولة التخفي عن أعين المتظاهرين، ثم محاولة النظام فض اعتصام التحرير بالقوة والبلطجية والجمال فيما عرف بـ«موقعة الجمل»، ولكن المتظاهرين أظهروا بأسًا وقوة وشجاعة لا مثيل لهم، ثم بدأ التحرك ناحية القصر الجمهوري بعد خطاب مبارك وعدم نيته للرحيل؛ مما دفع الجيش إلى التدخل لعدم السماح بسقوط السلطة في أيدي الثوار، وأعلن عمر سليمان رئيس المخابرات تنحي مبارك وقيام المجلس العسكري بقيادة شئون البلاد.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد يناير (12 فبراير 2011- 3يوليو 2013): طبيعة هذه المرحلة تختلف كثيرًا عن المرحلتين السابقتين؛ فهي تطلب إدراكًا لطبيعة المرحلة وأهدافها وكيفية العمل على تحقيقها، ووعيًا بالعقبات والعوائق التي ستواجهها، وأيضًا بتحركات الثورة المضادة بالداخل وبالخارج – ثالوث الثورة المضادة: الكيان الصهيوني والإمارات والسعودية-  واشتملت ثورة يناير على ثلاث فئات رئيسية: أول فئة وهم الثوار الذين دعوا ليناير وكانوا في الصفوف الأولى لها، منهم شباب ليس له أيديولوجية سياسية، وحركة كفاية، وحركة 6 أبريل، وكانوا يمثلون التيار الثوري للثورة. الفئة الثانية وهم الرجعيون الذين لم ينضموا للثورة إيمانًا منهم بأهدافها ولا مطالبها ولكن دفعتهم الظروف للانضمام إليها، كما في حالة الإخوان المسلمين والسلفيين. وأما الفئة الثالثة فهي التي بدأت الخروج للشارع بعد وصول الإخوان للحكم، وهم فئة من فلول النظام السابق وكبار رجال أعمال عهد مبارك، ولواءات من الجيش والشرطة، وهم حاملو لواء الثورة المضادة.

دروس من يناير

1- ضرورة عزل العسكر عن السلطة: إذ لم يكن إعلان تنحي مبارك إلا تبادلًا للسلطة بين أفراد النظام السابق, وبدأ الإخوان مبكرًا خيانة الثورة وعقد الاتفاقيات مع المجلس العسكري وعملا كلاهما على ضرورة تحييد الميدان (وهي نقطة الالتقاء لكليهما)، فبدأ الإخوان إضافة صبغة دينية لحكم العسكر، وترديد حديث ضعيف يقول «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض»، والدفاع عن المجلس العسكري والتغطية على جرائمه في الفترة الانتقالية، وبالمقابل سمح لهم العسكر بإقامة حزب سياسي، واستغلال القاعدة الكبيرة للإخوان في الدفع في اتجاه إجراء انتخابات برلمانية وترديد شعارات مثل «الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الباطل ثم يهدأ ليبني الأمجاد» للتأكيد أن الميدان قد أدى دوره ولا حاجة له الآن، ويجب أن يعود للرف، فكانت الأغلبية في البرلمان للإخوان المسلمين، ثم الدفع في طريق إجراء انتخابات رئاسية.

2- عدم وجود حوار بناء بين قوى الثورة حول طبيعة المرحلة الانتقالية وأهدافها، وكيفية العمل على تحقيقها، وعدم توفر حد أدنى من التوافق بين النخب الثورية التي ما زالت تتمسك بالميدان أداة فاعلة للتغيير في جانب، وبين الإخوان المسلمين في الجانب الثاني، ساعد في تفاقم الأزمة بين الجانبين، وزادتها الانتخابات وضوحًا للعامة؛ مما فتح الطريق مبكرًا أمام الثورة المضادة لتنال من يناير. فبعد الانتخابات الرئاسية تجاوز الإخوان أهداف يناير واعتبروا أن هذه الانتخابات الرئاسية نهائية لا مرحلية في الطريق نحو بناء دولة مدنية، فبدأ محمد مرسي أولًا برد الجميل للمجلس العسكري بعدم محاسبة قيادات المجلس العسكري عن جرائمهم في المرحلة الانتقالية والتي بلغ ضحايا العسكر فيها حوالي (438 شهيدًا و16806 مصابين) وعدم محاسبة المتهمين من الشرطة على جرائمهم في يناير ثم الاعلان الدستوري المكمل، وعزل النائب العام، وجعل القرارات الرئاسية نهائية وغير قابلة للطعن، وكانت في الفترة نفسها المظاهرات الرافضة للإخوان مستمرة في الشوارع والميادين حتى بلغ عدد الشهداء في فترة الإخوان (470) وعدد المصابين (9228) عند ذلك وجد قيادات الثورة المضادة الفرصة مثالية للانقضاض على الإخوان والعودة للحكم مرة أخرى، فشرع إعلام النظام السابق في الترهيب من الإخوان والتلويح بقضايا المرأة، واستغلال المسيحيين، والتذكير ليل نهار بالنموذج السوري والليبيي حتى مظاهرة 30 يونيو وانضمام الليبراليين، وقيادات يسارية وسلفية للمظاهرات، والتصفيق لتدخل العسكر ودعم بيان الانقلاب في 3 يوليو، والتهليل لصعود السيسي للحكم الذي لم يقض على الإخوان فقط، ولكن اكتسح في طريقه كل المعارضة.

3- من شأن كل ثورة الكشف عن حجم الفساد المستشري في الدولة ورفع الغطاء عنه ليصبح على مرأى ومسمع من الجميع، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة أو إنتاج البديل المناسب بدلًا من إصلاحها، ولكن عندما وصل الإخوان للحكم عجزوا عن خلق البديل أو حتى إجراء أي إصلاح (لطبيعتهم غير الثورية)، فاستكملوا البناء على المؤسسات الموجودة، وساعدوا في ترسيخ جمهورية الضباط؛ فكانت النتيجة أنهم كتبوا نهايتهم بأيديهم قبل أن يلقي الميدان كلمته الأخيرة.

أصبح من الضروري علينا الآن؛ التوقف عند يناير للتعلم من أسباب الفشل وتحليل الإخفاقات التي عادت بالعسكر للحكم وفي انتصار الثورة المضادة، واستخلاص الدروس والعبر منها، وليس تأطيرها واختصارها في بعض الرموز، وضرورة استبدال سؤال هل فشلت أم نجحت يناير؟! بسؤال: أين نقف من الموجة الثانية للثورة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد