لقد أخطأنا حين غادرنا الميدان. هذه العبارة التى يتم ترديدها كثيرًا على لسان النخب السياسية في مصر، باعتبار أن عدم استكمال الثورة حتى إسقاط المجلس العسكرى هو خطأ من أخطاء الثورة، وهي عبارة ناتجة عن الوهم الذى سيطر على أذهان تلك النخبة أنهم هم من صنعوا الثورة وتهميشهم لدور الشعب البطل الحقيقي والوحيد للثورة المصرية.

إن الشعب قد ثار من أجل مطالب اقتصادية تتعلق بتحسين أحواله المعيشية، وقد تجسد في أذهان المواطنين أن مبارك وابنه هما السبب في تردي أوضاعهم المعيشية، بسبب سياستهم الاقتصادية المنحازة إلى الأغنياء، وأن رحيلهما سيؤدي إلى تحسن أحوالهم. ولما تحقق لهم ما أردوا فى 11 فبراير (شباط) برحيل مبارك وسقوط سيناريو التوريث، لم يكن من الممكن إقناع الشعب بمواصلة الثورة بعد أن حقق هدفه منها. فبأي علة كانت ستطلب النخب السياسية من الشعب مواصلة الثورة ضد المجلس العسكرى. والجيش له في وجدان الشعب مكانة بارزة، وقد زادت تلك المكانة بعد ثورة يناير (كانون الثاني) عندما لم يقم الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين، ثم أرغم مبارك على الرحيل، ولم يُظهر أى طمع فى السلطة، بل أعلن أنه سيسلم السلطة خلال ستة أشهر من خلال انتخابات رئاسية وبرلمانية.

إن انتهاء حالة الثورة لم يكن خيارًا فى يد النخبة السياسية حتى يقولوا إنهم أخطأوا حين اتخذوه، ولكنه كان أمرًا واقعًا. فقد انتهت الحالة الثورية لأن من قاموا بالثورة قد حققوا أهدافهم منها وعادوا لبيوتهم، لقد انتهت الثورة ولكن استمرت التظاهرات في الميدان وتواصلت الفعاليات، وهذا كان عين الصواب. فالحالة الثورية لم يكن القرار فيها بيد النخبة السياسية، بل بيد الشعب وحده الذي نزل في 28 يناير متحديًا النظام والسلطة، واستمر فى ثورته حتى تحقق له ما أراد ورضخت السلطة لمطلبه الأساسي والوحيد فى 11 فبراير برحيل مبارك عن السلطة. وبرحيل مبارك انتهت حالة الثورة التي هي خروج على النظام والقانون، وعُدنا إلى الصراع السياسي، وأهم أدواته هي التظاهرات السلمية بهدف الضغط على متخذي القرار – وكان في هذا الوقت هو المجلس العسكري الذي أصبح يمثل السلطة التنفيذية – من أجل تحقيق أهداف الثورة.

كان يجب أن تتواصل المظاهرات للضغط على المجلس العسكرى من أجل تطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور، وإعادة هيكلة الأجور بشكل أكثر عدلًا، ورفع المعاشات، وضم الصناديق السيادية إلى ميزانية الدولة، وتعيين رئيس وزراء يمثل الثورة، وإجراء انتخابات للمحافظين أو على الأقل اختيار محافظين من القوى الثورية، وتطهير القضاء واستقلاله عن السلطة التنفيذية، وحل المحكمة الدستورية وإعادة تشكيلها بشكل يضمن نزاهتها وحياديتها، وإقالة النائب العام وتعيين آخر مؤمن بالثورة وأهدافها.

لوحدث هذا وتوحدت مواقف القوى السياسية، وضغطت بقوة على المجلس العسكرى لتحقيق تلك الأهداف لاستجاب لها، فلقد أثبتت التجارب أن المجلس كان يستجيب للضغوط الشعبية حتى لا تتحول إلى ثورة أخرى كان يخشاها بشدة، ولو تم ذلك لتغير مجرى الأحداث، فلو نُفذت الإصلاحات الاقتصادية المتعلقة بالأجور والمعاشات، لالتف الشعب حول الثورة ولما استطاعت الثورة المضادة أن تلعب بعقول الناس وتوجههم ضد الثورة، ولو تم اختيار رئيس وزراء قوى يتمتع بالكفاءة لتحسن الاقتصاد وقتها وازداد التفاف الشعب حول الوزارة وتمسك بثورته، ولو تم إصلاح القضاء وتعيين نائب عام مؤمن بالثورة لتمت محاكمة كل رموز الثورة المضادة بشكل سليم، ولما استطاعوا أن يعيدوا تجميع قوتهم وإعادة إنتاج النظام السابق لينقضوا على الثورة ويجهزوا عليها.

ولكن مع الأسف ما حدث كان عكس هذا. لقد استمرت المظاهرات، ولكن ليس من أجل تحقيق أهداف الثورة، بل من أجل تصفية الحسابات بين القوى الثورية وتحديدًا بين العلمانيين والإسلاميين. فقد رأت القوى العلمانية أن الإسلاميين أصبحوا الآن هم عدوهم الحقيقي، وليس نظام مبارك. ففوجئ الجميع بحملة ضخمة تُشَن على لجنة تعديل الدستور، لأن فيها عضوًا ينتمى لجماعة الإخوان من أصل 11 عضوًا تتشكل منهم اللجنة، وهو ما ألقى بظلاله على التيار الإسلامي، فإذا كان العلمانيون يرفضون وجود عضو واحد ينتمى للإخوان فى لجنة تضم 11 عضوًا، فكيف يقبلون بالإخوان والإسلاميين فى الحكم؟ كيف يقبلون برئيس أو رئيس وزراء ينتمى للتيار الإسلامى؟ لقد بدا أن مفهوم المشاركة لدى العلمانيين هو أن يكون تمثيل الإسلاميين في السلطة هو صفر في المائة.

لقد تحولت التظاهرات -إ القليل منها – إلى صراع بين العلمانيين والإسلاميين، فتم تخوين الإسلاميين والهتاف ضدهم فى الميدان أكثر من الهتاف ضد مبارك ونظامه، وغاب الهدف الحقيقى للثورة وهو تحسين معيشة المواطن، وطفت على السطح أهداف أخرى لإقصاء هذا الفصيل أو تمكين ذاك، واشتد الصراع السياسي بين العلمانيين والإسلاميين، وبات واضحًا لكل ذي عينين حجمُ الهوة السحيقة التي تفصل بين التيارين.

إن المجلس العسكرى لم يسْعَ للإيقاع بينهما، ولم يكن مسؤولًا عن هذا الصراع ولم يصنعه، ولكنه استغله واستخدمه ليوسع مساحة نفوذه، كما استغلته واستفادت منه قوى الثورة المضادة وتحالفت مع القوى الثورية العلمانية ضد الإسلاميين حتى قضت عليهم تمامًا.

لم يكن الخطأ هو الخروج من الميدان، ولكن الخطأ كان الانقلاب على رفقاء الميدان قبل حتى أن تنتهى المعركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد