لم يكن صحيحًا أن الخلاف حول استفتاء 19 مارس كان خلافًا حول الترتيب؛ أيهما أولًا الدستور أم الانتخابات؟ ولكنه كان في حقيقته خلافًا حول من الذى يكتب الدستور؟ أو بمعنى أدق من الذي من حقه أن يختار أعضاء اللجنة التي كانت ستكتب دستور مصر الجديد بعد الثورة؟

كانت القوى العلمانية – بعد رحيل مبارك – ترى أن عدوها الرئيس هو التيار الإسلامي ممثلًا في جماعة الإخوان المسلمين. وكانت تدرك أن أي انتخابات حرة ونزيهة ستنتهى بفوزهم، لهذا كان من مصلحتها أن يتضمن الدستور موادًّا تمنع جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي ككل من الفوز في أي انتخابات قادمة.

ولم يكن هذا أمرًا عسيرًا، فإن مادتين أو ثلاثًا في الدستور كانت تكفي لمنع الإسلاميين من المشاركة في العملية السياسية في مرحلة ما بعد الثورة. المادة الأولى تمنع وتجرم قيام أي حزب يقوم على أساس ديني، وتمنح المحكمة الدستورية صلاحية حل أي حزب يثبت أنه قام على أساس ديني، وإلغاء نتائج أي انتخابات قد يكون فاز بها، وقد سبق وتضمنت التعديلات الدستورية التى أجراها مبارك في 2007 مادة تمنع إقامة أي حزب على أساس ديني. المادة الثانية أن تكون الانتخابات البرلمانية بالقوائم الحزبية فقط. ومن الممكن إضافة مادة ثالثة تنص على أن الجيش هو المسؤول عن حماية علمانية الدولة، وكانت ستكتب طبعًا في الدستور مدنية الدولة؛ مما يعطيه الحق في الانقلاب على أي نظام حكم ديمقراطي، إذا أعلنت المحكمة الدستورية أنه قائم على أساس ديني. وقد طالب الدكتور البرادعي بذلك صراحة في حوار مع جريدة الأهرام بتاريخ 17 أبريل (نيسان) 2011. أي أن تلك الأمور لم تكن بعيدة عن فكر العلمانيين.

إن تجريم أي حزب يقوم على أساس ديني، سيمنع التيار الإسلامي من حقه الطبيعي في تكوين أحزاب سياسية، وإذا أضفنا إلى ذلك إجراء الانتخابات البرلمانية وفق القوائم الحزبية فقط، وعدم السماح لغير الأحزاب بتكوين قوائم انتخابية. فإننا بذلك نكون قد حصرنا العمل السياسى في الأحزاب العلمانية وحدها.

إن هذا الوضع لم يكن ليمثل خطرًا على الإسلاميين، بقدر ما كان يمثل خطرًا على الدولة والثورة المصرية؛ لأنه سينتج عنه حكم أقلية، وليس حكم أغلبية. إذ إن الأغلبية محرومة من حقها في أن تختار من يمثلها. والحاكم أيًا كان إذا لم يستمد قوته من شعبه الذى اختاره فإنه يستمدها من القوى الخارجية، دولية أو إقليمية، كما يزداد اعتماده على الأجهزة الأمنية، لقمع أي معارضة لحكمه في الداخل. وبذلك نكون قد أعدنا إنتاج نظام مبارك من جديد، ولكن بأدوات ثورية، نظام حكم ليس له شعبية في الشارع، يستمد شرعيته وبقاءه من مساندة الخارجِ له، وقمعِ الأمن لمعارضيه.

كان العلمانيون يستطيعون أن يحققوا هذا لو ضمنوا تمثيلًا هامشيًا للإسلاميين في لجنة وضع الدستور، ولكن التعديلات الدستورية التي صاغتها لجنة تعديل الدستور برئاسة المستشار طارق البشري أحبطت تلك المساعي، حين جعلت البرلمان المنتخب من قبل الشعب هو المسؤول عن اختيار لجنة وضع الدستور.

ولما كانت الانتخابات البرلمانية ستتم بدون أي قيود على ترشح وانتخاب الإسلاميين، فإن المجلس سيضم حتمًا أغلبية إسلامية، وبالتالى سيكون هم المنوط بهم تشكيل لجنة وضع الدستور؛ مما يجعل وضع مواد في الدستور تحرم الإسلاميين من المشاركة السياسية ضربًا من المستحيل، بعد التعديلات الدستورية التي وضعتها لجنة تعديل الدستور برئاسة المستشار طارق البشري.

لهذا أعلنت القوى العلمانية رفضها للتعديلات الدستورية؛ لأنها لن تمكنها من وضع دستور يقيد الإسلاميين، ويمنعهم من المشاركة في العمل السياسي، وإذا رفض الشعب التعديلات الدستورية، فإن المجلس العسكري – كما صرح اللواء ممدوح شاهين في حوار تليفزيوني قبل التعديلات – سيقوم هو بتشكل لجنة وضع الدستور.

إن اختيار المجلس العسكري لأعضاء لجنة وضع الدستور، سيضمن حتمًا تمثيلًا هامشيًا للتيار الإسلامي في اللجنة، لن يكون مؤثرًا في قراراتها، وستكون أغلبية أعضاء اللجنة من القوى المعادية للتيار الإسلامي، سواء رجال الدولة من بقايا النظام السابق، أو القوى العلمانية المشاركة في الثورة – وقد رأينا تشكيل لجنة الخمسين التى قامت بتعديل الدستور بعد الانقلاب ولمن كانت الغلبة فيها – إن هذا الوضع كان يضمن للقوى العلمانية تحقيق مصالحها في وضع دستور يحول دون وصول الإسلاميين للحكم، وهو هدف كانت تتفق فيه مع بقايا النظام السابق، التي كانت بالتأكيد لا تريد أن يتولى الحكم في البلاد قوة سياسية لها شعبية في الشارع، سيكون من الصعب إخضاعها لمؤسسات الدولة العميقة، وستكون المواجهة معها حتمًا صعبة ومكلفة. وهو ما قد حدث بالفعل بعد ذلك.

لقد كان التصويت بنعم للتعديلات الدستورية هو الخيار الأفضل للثورة المصرية، حيث أنه جعل النواب المنتخبين من الشعب، هم الذين يشكلون لجنة وضع الدستور، ليكون الدستور الجديد إن لم يكن معبرًا عن إجماع شعبي، فهو معبر على الأقل عن الأغلبية، وهذا أضعف الإيمان. أما التصويت بلا، فكان سيعني أن المجلس العسكري هو الذي سيختار لجنة وضع الدستور، ليتم صياغة دستور يعبر عن فكر الأقلية، ويمهد لها الطريق إلى السلطة، فتتم إعادة نظام مبارك من جديد، من خلال وجوه جديدة، حكم أقلية لا يستند إلى أغلبية شعبية، ويعتمد على الدعم الخارجي، والقمع الأمني.

لقد كان استفتاء مارس أحد محاولات عديدة بَذَلَتْها القوى العلمانية لإقصاء التيار الإسلامي عن الحكم، وبالرغم من فشلها إلا أنها استمرت في تلك المحاولات على مدار عُمْر الثورة، حتى نجحت أخيرًا في 3 يوليو (تموز) 2013.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد