يجب أن نفرق بين ما حدث يوم 25 يناير (كانون الثاني) 2011 وما حدث يوم 28 يناير 2011، فهما حدثان مختلفان، وإن كان الثاني قد ترتب على الأول.

يوم 25 يناير شهد مظاهرات احتجاجية على التوجهات السياسية للدولة، دعا للتظاهر في هذا اليوم مجموعة من التنظيمات الشبابية ذات التوجه السياسي الواضح والصريح، وكانت المطالب السبعة للجمعية الوطنية للتغيير هي الهدف المعلن للتظاهرات، وقد شارك في تظاهرات ذلك اليوم عدد أكبر بكثير جدًا مما اعتادت مصر على مشاهدته في مثل تلك المظاهرات، ومما ساعد على زيادة العدد هو الحماس الذي انتاب الكثيرين من المتابعين للشأن السياسي بعد نجاح الثورة التونسية في التخلص من بن علي.
وقد انتهت التظاهرات في منتصف الليل بعد قيام الشرطة بفض المتظاهرين بالقوة، بعد أن تجمع من تبقى منهم في ميدان التحرير.

أما ما حدث في يوم 28 يناير فقد كان أمرًا مختلفًا تمامًا، وإن كان قد ترتب على ما حدث في 25 يناير، فبعد الأحداث الدامية التي شهدتها السويس، وانتهت بسقوط قتيل من المتظاهرين، انطلقت دعوات للتظاهر فيما سمي بجمعة الغضب.

كانت جمعة الغضب ثورة شعبية بامتياز، وهناك فرق بين الثورة الشعبية والمظاهرات السياسية؛ فالمظاهرات مهما زاد عدد المشاركين فيها هي شكل صاخب من أشكال الاحتجاج ضمن منظومة العمل السياسي وتخضع لقواعده وأطره العامة، حتى وإن كانت مجرمة بنص القانون إلا أنها تبقى شكلًا من أشكال العمل السياسي. أما الثورة فهي خروج على القانون والنظام، هي صراع مفتوح بين الشعب والسلطة لا يخضع لأي قواعد، الانتصار فيه يكون للأقوى، وعادة ما تكون الشعوب هي الأقوى، ومنذ 2011 حتى يومنا هذا لا يمكن أن نطلق اسم ثورة شعبية إلا على يومي 28 يناير و11 فبراير فقط، أما ما عدا ذلك بما في ذلك أحداث محمد محمود ورابعة، فكانت مظاهرات سياسية خاضعة للقوانين والقواعد.

وسر قوة الثورات الشعبية هي عفويتها والعشوائية في تحركاتها، مما يجعل من الصعب على السلطات أن تتنبأ بتلك التحركات، إن قوات الأمن في أي دولة أعدادها محدودة مقارنة بالمواطنين، وهي تعتمد في التصدي للتظاهرات – مهما كبر عددها – على المعرفة المسبقة بخط سيرها وتحركاتها وشخصية وتوجهات منظميها وطبيعة ردود أفعالهم، وبذلك تستطيع السيطرة على التظاهرات بسهولة، أما في حال الثورات الشعبية فتحركاتها لا يمكن توقعها، وليس لها منظمون معروفون يمكن التنبؤ بردود أفعالهم، فإذا وجهت قواتك للنقطة ألف ستجد تحركًا مفاجئًا في النقطة باء، وإذا حاصرت الحشود في النقطة جيم ستجد فجأة قواتك يتم مهاجمتها من النقطة دال، وأصبحت هي المحاصرة. وهذا عين ما حدث يوم 28 يناير حين أصبحت قوات الشرطة محاصرة من المتظاهرين المندفعين من كل مكان.

لقد كانت المظاهرات يوم 25 يناير تسير أمام أعين قوات الأمن تتحرك في خطوط محددة متجهة إلى هدف محدد – ميدان التحرير – يسهل رصدها والتعامل معها في الوقت والمكان الذي تراه قوات الأمن مناسبًا لها وهو ما حدث بالفعل.

أما يوم 28 يناير فكانت قوات الأمن لا تستطيع أن تعرف المكان الذي ستخرج منه الحشود، فقد كانت تخرج من كل مكان، ولا تستطيع أن تحدد هدفها النهائي؛ فبينما كانت قوات الأمن تمنع الحشود من التقدم إلى ميدان التحرير كانت المواجهات تدور أمام أقسام الشرطة في أغلب الأحياء، لم تعرف قوات الأمن أين يجب أن تحشد قواتها لتواجه الثائرين أو أين سيكون هجومهم التالي؟ كانوا يظهرون من كل مكان فجأة. في هذه الحالة تنهار قوات الأمن نفسيًا لأنها لا تستطيع أن تعرف من أين تأتيها الضربة القادمة. تمامًا كشخص في غرفة مظلمة يتلقى لكمات لا يعرف مصدرها ولا يعرف متى ولا أين ستكون اللكمة القادمة؟ فإنه سينهار حتمًا ليس من قوة اللكمات ولكن من عجزه عن توقعها. إن عدم قدرتنا على توقع الضربات يزيد من آثارها ووقع قوتها علينا.

الثورة الشعبية هي معادلة لا تقبل القسمة على اثنين، إما الشعب أو السلطة ولا يوجد في الواقع شيء اسمه ثورة شعبية سلمية وأخرى غير سلمية، ولكن هناك سلطة تدرك حقيقة الموقف فتتراجع سريعًا فلا تتطور الثورة إلى العنف، فتوصف بأنها ثورة سلمية، وهناك سلطات تتمادى في مواقفها وترفض التنازل وتستخدم العنف لقمع الثورة، فترد الثورة بالمثل.

لقد كان يوم 28 يناير هو يوم الثورة الحقيقي الذي وجه الشعب فيه ضربة قاضية للنظام أطاحت العديد من أركانه وتركته يترنح، وكان البطل الحقيقي في هذا اليوم هو الشعب، وكان المحرك الأساسي لثورة الشعب هو سوء الأوضاع الاقتصادية فقط وليس أي مطلب سياسي آخر؛ فإن الجموع التي خرجت في 28 يناير لم يكن يعنيها اسم من يحكم، حسني مبارك أم جمال مبارك، أتى بالانتخاب أم أتى بالتوريث، كل ما كان يعنيها – وهذا حقها – هو أحوالها المعيشية المتدهورة والتي تزداد تدهورًا.

وهنا كان أول خطأ للثورة حين ظنت القوة السياسية – المتصدرة للمشهد – أنها هي من صنعت الثورة، وأنها قد أسقطت النظام، وتجاهلت الشعب القوة الحقيقية التي صنعت الثورة، وتجاهلت مطالبه الاقتصادية التي ثار من أجلها، بل واعتبرت أن المطالب الاقتصادية محاولة لإفساد الثورة والانقضاض عليها، وانشغلت هي فيما بينها بخلافات سياسية لا تعني الشعب في شيء، ففقدت الثورة زخمها الحقيقي وقوتها الدافعة، وحدثت الفجوة بين الشعب – القوة الحقيقية للثورة – وبين النخب السياسية بمختلف توجهاتها، التي كان من المفترض أن تقود الثورة لتحقق أهداف صانعيها الحقيقيين وهم الشعب.

وفي هذه الفجوة دقت الثورة المضادة أول أوتادها لتدمير الثورة المصرية وقد نجحت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد