في يوم 28 يناير (كانون الثاني) كان يومًا فاصلًا وتغييرًا لمسار الحدث في مصر، كان مخطط فوضى خلاقة، وكان مخطط الانقلاب على حسني مبارك، سُمح بخروج الشعب المصري تحت حماية الجيش المصري للشوارع، لاستغلال الشعب المصري في مهمة محددة زمانًا ومكانًا، وتغييرات على رقعة الشطرنج، لا يتعدى تغيير الملك، واستمرار العساكر في حراسة الحدود تحت رئاسة عسكري مطيع ليس لأولاده، أو زوجته الطموح.

في يوم 28 يناير تغيرت أحداث ساخنة، وانقُلب على الانقلاب، ولم يكن ساعتها سقف المطالب، ولا الطموحات، محددًا. وكانت بداية المطالب استقالة وزير، أو استقالة حكومة، أو على أقصى تقدير تحسين الظروف المعيشية بقرارات آنية وعاجلة.

الكل كان مرتبكًا، لكن سقف المطالب ارتفع بعد مواجهة دامية في ذلك اليوم المشهود، وكان يومًا فارقًا في تاريخ مصر الحديث. استمر العناد بين الطرفين، وكلما لبي مطلب انتقل الثوار إلى مطلب آخر يتخطى القدرات، ويفوق الطموحات وآمال المتظاهرين، حتى ظهر في الآفاق هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام».

تمسك الجميع بالهتاف وأصبح مطلبًا لا بديل عنه، ولا تفاوض حوله، أرسل المفاوضون للميدان قبل ذلك اليوم وبعده، وكان أحد المفاوضين هو السيسي، أو ربما يكون هو الراعي الرسمي للحوار بديلًا عن العسكر.

لم تفلح المفاوضات المكوكية بين الطرفين إقصاء الهتاف عن ميدان التحرير، وكان الدم وقودًا للاستمرار في التمسك بالمطالبة برحيل النظام، بعد ذلك اليوم خرجت المظاهرات في كل المحافظات، وأقيمت الاعتصامات دعمًا للتحرير في ميدان التحرير.

وكلما رفض النظام العسكري الاستجابة للمطالب كلما رسخت قواعد الثوار في الميدان، وخرجت هتافات «ارحل يعني إمشي إنت مبتفهمشي»، ظهرت كل الإبداعات شعرًا، ونثرًا، ونظمًا، ورسمًا، وتمثيلًا، وغناء، وكانت مواهب جميلة ورائعة، وكان الميدان يتسع لكل المصريين: ليبرالي، شيوعي ناصري، إخواني، مسيحي، ومحجبات وغيرهن، وكانت خطبة الجمعة الرائعة للدكتور القرضاوي التي استلهمت وقائع الثورة المصرية مخاطبًا فيها الشعب المصري كله حتى المسيحي كان له نصيب من خطبة الجمعة.

لوحة رائعة نسجت بنسيج مصري خالص، فكم كان قويًا متينًا أجبر العسكر على الانصياع والاستجابة الفورية، وأداء التحية العسكرية، والذهاب إلى صناديق الانتخابات حتى تكون إدارة الدولة المصرية كاملة بقرار من الشعب المصري عبر التعددية، والانتخابات، والتشاركية السياسية في الحكم لانتزاع مصر من احتلال العسكر، بهدوء، كان هناك أمل في أن تنتقل السلطة العليا في البلاد بهدوء إلى السلطة المنتخبة بإرادة مصرية خالصة، وإدارة منتخبة كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية في العالم، وأن يستمر المنتخب مدته القانونية، ويكون هناك تداول سلمي للسلطة دون نزاع، أو التفاف على إرادة الشعب المصري.

أكد العسكريون عدم طمعهم في حكم مصر، وأن شرف العسكرية يعلو شرف السلطة العليا، وأنهم مع الشرعية الدستورية والسياسية لمن يختاره الشعب المصري بارادة حرة، لكن شيئًا ما حدث بعد فترة انتقالية جاوزت العامين، استطاع العسكر تفريق هذا النسيج المتجانس، وإضاعة الفرصة التاريخية في استنقاذ مصر.

وكان ما كان من الانقلاب على الشرعية الدستورية والسياسية لأول رئيس مدني مصري منتخب في تاريخها، كنا نتمنى تطبيق النموذج التركي في تسليم السلطة القانونية للنهوض بمصر كما تركيا، لكن جنرالات الجيش المصري كان لهم رأي آخر، وكان قرارًا بالانقلاب على إرادة الشعب المصري.

لكنها جولة من الصراع كانت البداية لاكتشاف الخلايا والخبايا وحجم الفساد في الدولة المصرية العسكرية المتحكمة، ولم يتوقف الصراع بعد، ولم ينته حتى اليوم، وما زال للحديث بقية إن شاء الله، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد