عندما انطلقت شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير كان من البديهي أن يطرح المجتمع أسئلته واستفساراته عن القائمين عليها والمشاركين فيها وكان من الطبيعي أن يتعرف المصريون عمومًا وأبناء الحركة الإسلامية تحديدًا عن مشاركة السلفيين في تلك الانتفاضة باعتبارهم أحد أكبر قطاعات الحركة الإسلامية المصرية، وعندما حان موعد الانقلاب تساءل الناس عن الموقف السلفي منه أيضًا، والمطالع لوتيرة الأحداث يجد أن الفصائل السلفية بمدارسها المختلفة تبنت مواقف متباينة من الثورة المصرية وانقلاب الثالث من يوليو وما تبعهما، تنوعت هذه المواقف حول المشاركة والمغالبة والاعتزال والتحريم، ومن خلال هذه الورقة نستعرض مواقف المدارس السلفية المصرية المتنوعة بمشايخها ومريديها من ثورة يناير وانقلاب يوليو.

المدرسة السلفية الحركية

وهي المدرسة السلفية الوحيدة التي شاركت في ثورة الخامس والعشرين من يناير منذ شرارتها الأولى من بين كل  الفصائل السلفية المختلفة وهي مدرسة مقترنة بعدد من المشايخ الذين أرهقهم نظام مبارك وسجنهم لفترات متفاوتة وضيق عليهم دروس علمهم وقيد حركتهم بشكل كبير أمثال الشيخ محمد عبد المقصود الذي ظل بميدان التحرير لعدة أيام يدعو الشباب للمشاركة ويؤصل وجوب النزول والثورة على النظام وهكذا بقية مشايخ تلك المدرسة كالشيخ فوزي السعيد القابع حاليًا في سجون الانقلاب العسكري والشيخ نشأت أحمد وغيرهم.

ولا ينكر متابع أن هذا الفصيل عقب الثورة كان أقل الفصائل حظًا من حيث مقاعده في البرلمان أو مشاركته في كتابة الدستور أو تمثيله في الهيئات والمؤسسات المختلفة، وفي الوقت ذاته يعد أيضًا هو الفصيل السلفي الأكثر تعرضًا لشراسة الأمن وقمع الدولة البوليسية عقب الانقلاب، فرمز هذه المدرسة وهو الشيخ محمد عبد المقصود مطارد خارج البلاد  نظرًا لاتهامه في عدد من قضايا العنف والتي صدر في إحداها أحكام قاسية طالته هو وعدد من أقرانه ورفقائه في الفكر والتوجه، ويرى متابعون أن السبب وراء اضطهاد هذه المدرسة عن دونها من المدارس هو رفض السلفيين الحركيين مزاحمة جماعة الإخوان المسلمين أو التشويش على أدائها أثناء تصدرها المشهد السياسي المصري برلمانًا كان أم رئاسة ففضل هذا الفصيل المشاركة والتضامن والتعاطف مع الجماعة في موسمي الثورة والانقلاب فكان مصيره لا يختلف كثيرًا عن مصير الإخوان في القمع والتنكيل والمطاردة.

 

الدعوة السلفية وذراعها السياسي “حزب النور”

تلك المدرسة التي استحوذت في فترة من الفترات على غالبية الجمهور السلفي بمشايخها الذين أتاح لهم نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك المساجد والمدارس العلمية دون تضييق كبير يذكر، وظهر ذلك جليًا قبل الثورة في دروس وحلقات علمية أسبوعية لمشايخ هذا التيار أمثال ياسر برهامي وأحمد فريد وغيرهم إلى أن جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير وأعلنت الدعوة السلفية عدم المشاركة في الثورة وانحاز أغلب مشايخها ومريديها إلى فكرة عدم الخروج على الحاكم  وإعطاء الفرصة للنظام، وبعد أيام قلائل بدت فيها مؤشرات على رحيل مبارك أصدرت الدعوة بيانًا باركت فيه ثورة الشعب المصري على النظام المباركي المستبد مما حدا بالمحللين والمتابعين أن يؤكدوا اقتراب موعد سقوط النظام معللين ذلك بأن الدعوة السلفية لا تتحرك من تلقاء نفسها وثمة جهة ما هي من حرّكتها لإصدار هذا البيان الذي يحجز لها مكانًا في المستقبل مع قوى الثورة الحقيقية.

واتجهت الدعوة السلفية بعدها للانخراط الجزئي في العملية السياسية بعد الثورة فقامت بتأسيس ذراع سياسي لها وهو حزب النور على طريقة تأسيس الإخوان لحزب الحرية والعدالة، ومنذ اللحظات الأولى بدت الدعوة السلفية متحفزة ومتربصة بجماعة الإخوان المسلمين في كل المراحل التي تبعت الثورة، فزاحمتهم في برلمان 2012 من خلال الدفع بعدد كبير من النواب التابعين والمقربين للدعوة على قوائم الحزب في أغلب محافظات الجمهورية على الرغم من توصيات مستمرة لبعض مشايخ السلفيين حينها بضرورة إفساح المجال لرفقائهم في جماعة الإخوان ليستحوذوا على المشهد السياسي أمثال الشيخ محمد عبد المقصود والشيخ أحمد النقيب واتجه حينها نواب النور لتشكيل معارضة كبيرة داخل البرلمان فضلًا عن تصرفاتهم ومعاركهم المبكرة على عدد من القضايا التي صورت بأنها شرعية كان من بينها تحريم الوقوف للسلام الوطني للبلاد والحديث عن تقويض التدريس باللغة الإنجليزية للمناهج الابتدائية وغيرها من المعارك الجانبية المبكرة والمخيفة لعموم المصريين الذين يبحثون عن تشريعات اقتصادية وتنموية تؤمن لهم حياة كريمة.

واستمر الحزب والدعوة في التشويش والمغالبة فهددوا بالانسحاب من الجمعية التأسيسية لدستور 2012 واتهام الإخوان بالتطبيع مع الشيعة الإيرانيين ودعم قضية الضباط الملتحين والانسحاب من فريق الرئاسة التابع لمرسي والتماهي مع مطالب جبهة الإنقاذ وغيرها من المطالب التي حدث مثلها وأكبر بعد انقلاب الثالث من يوليو دون أن تحرك الدعوة أو الحزب ساكنًا حول أي انتهاك شرعي أو سياسي أو حقوقي، ويرى البعض أن الموقف الذي تبنته الدعوة وحزبها بعد الانقلاب كان متوقعًا وغير مفاجئ باعتبار ما جاء في بيان الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في البلاد بمباركة الأمين العام للحزب جلال المرة الذي أوفده الحزب للمشاركة في بيان الانقلاب، وهو ما اعتبره المتابعون شرعنة من حزب له خلفية إسلامية لانقلاب الجيش على الرئيس الإسلامي محمد مرسي، وما زال موقف الدعوة والحزب اللذين فقدا الكثير من قواعدهما في مختلف المحافظات ثابتًا في التعاطي مع سلطة الانقلاب دون النظر لحالة التردي الشرعي والسياسي والحقوقي والاقتصادي للبلاد.

المدرسة السلفية العلمية

وهي الحاضنة الرئيسية لعموم السلفيين في مصر فهي مدرسة استطاعت في بداية الألفية الحديثة أن تجذب العديد من الأنصار والمريدين إليها من خلال خطها العام التي أوضحته حينها للسلطة والمجتمع بأنها أبعد ما تكون عن السياسة ومناوشاتها، فكان هذا عامل الجذب الأكبر للكثير من الشباب الذين رأوا حالة بشعة من التنكيل والتعذيب والسجن لشباب ارتبطوا في بدايات التزامهم بتيارات أصولية يتبنى المرتبطون بها السمت الإسلامي من إطلاق اللحى وتقصير الثياب “تجربة الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد” في تسعينيات القرن الماضي،  فانتهزت شريحة كبيرة من الشباب وجود نافذة دعوية تكسبهم قضية الهدى الظاهر دون أن يلقوا مصير أقرانهم من الجماعات الإسلامية الراديكالية، ومع دخول موسم الثورة وقف شيوخ هذه المدرسة كالشيخ محمد حسان والشيخ محمد حسين يعقوب وغيرهم موقف المتفرج ثم المعتزل للثورة دون إبداء أسباب واضحة للاعتزال وعدم المشاركة، وعقب الثورة شاركت شريحة من هذه المدرسة ليست بالصغيرة في بعض المناسبات المنبثقة عن الثورة كالسباق البرلماني والرئاسي وبعضهم قام بدعم المرشح الإسلامي حازم صلاح أبو إسماعيل حتى تم استبعاده، لكن هذه المدرسة حافظت بأغلبيتها على نمطها الدعوي المتجنب والمتجاوز لما حدث في مصر بعد الثالث من يوليو معللة ذلك بضرورة الحفاظ على منابرها الدعوية والإعلامية وقد نجحت في ذلك بنسبة حتى بدت في تقييمها وظاهرها العام لدى المحللين والمتابعين بأنها مدرسة ليست مع السلطة ولا مع الثورة في نفس الوقت.

المدرسة السلفية الجامية  “الرسلانية”

وهي مدرسة ارتبط اسمها بالشيخ محمد أمان الجامي الإثيوبي الأصل والذي عمل مدرسًا في الجامعة الإسلامية بقسم العقيدة وشاركه لاحقًا في التنظير لهذا الفكر الشيخ ربيع ابن هادي المدخلي وهو مدرس في الجامعة ومتخصص في علوم الحديث وأصوله، ويقوم فكر المدرسة الجامية أو المداخلية كما يطلق البعض عليها على التصدي لأي توجه سياسي مناوئ للسلطة انطلاقًا مما يعتقدون أنه منهج السلف في السمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم، وانتقلت أفكار تلك المدرسة تدريجيًا للسلفية المصرية عن طريق مجموعة من المشايخ كان أشهرهم محمد سعيد رسلان ذاك الشيخ السلفي الذي أعلن وأنصاره منذ اليوم الأول لثورة الخامس والعشرين من يناير تحريم المشاركة في الثورة معتبرين ذلك خروجًا على الحاكم وإسقاطًا للدولة، فحرموا الاندماج في عملية سياسية من وجهة نظرهم أزاحت الحاكم المتغلب في البلاد “حسني مبارك” منذرين بفتن وكوارث ستمر بها البلاد عقب الثورة واصمين من شاركوا فيها بالخوارج وحرموا الأحزاب تأسيسًا وانتماءً.

وكان هذا نهجهم طيلة سنوات الثورة، وزاد عليه عقب الانقلاب دعوات أطلقها مشايخ هذا التيار كانت تحريضية في مجملها إذ دعا أغلبهم أجهزة الدولة إلى عملية اجتثاث وتطهير لجماعة الإخوان وأنصارها مهما كانت كلفة ذلك معتبرين أن الحكم العسكري القائم ببطشه وقهره واستبداده أقل خطرًا على الدين من حكم جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها من المدارس السلفية الأخرى التي اتُهمت من قبل المدرسة الرسلانية بأنها مدارس تكفيرية تُحل الدماء وتريد هدم الدولة، ولا يزال موقف هذه المدرسة وفكرها تجاه الأحداث التي وقعت في مصر منذ الثورة وحتى الانقلاب ثابتًا في تأييده للسلطة لم يتغير رغم المستجدات والمتغيرات والانتهاكات التي وقعت.

ويتضح لنا مما سبق أن الحالة السلفية المصرية تحتاج إلى ظاهرة وتيار جديد يجمع بين الأصالة الدعوية والتربية الحركية ويعمل باستقلالية تامة بعيدًا عن تقديس الأشخاص، فضلًا عن ضرورة ظهور خطاب سلفي هادئ يجمع ولا يفرق يخدم الفكرة والمنهجية دون هجوم أو تجريح، خطاب يحافظ على أصوليته ويواكب الواقع المعاصر والتغيرات المجتمعية ويغير كثيرًا من الفكرة التي ظلت حبيسة العقول والأذهان وهي أن السلفية تخدم السلطة وتنحاز إلى الأنظمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد