“كل سنة بأه وإنت طيب”.. هكذا يعبر المصريون عن انتهاء الأمر نهاية مزرية, وهكذا شعرت بها كلما هنأني أحد بقدوم الشهر الكريم، لم تعد كلمات تمني الخير لنا تُجدي، ولا تصاميم الفوتوشوب بالأهلّة المنثورة تُفرح، اختفى صدى ابتهالات النقشبندي، خفت تداخل أصوات المآذن في صلاة التراويح وتكلل ليل رمضان بجمود لا مثيل له، وأصبح أجلّ ما نفعله أن نرقب عقارب الساعة خوفا من مباغتة الفجر المبكر لنا.

(1) انتحار الانتحار:

طالما درسنا وقرأنا أن أعلى نسبة انتحار في العالم في دولة السويد غير الشقيقة، بسبب ارتفاع الحالة المادية مما تجعل الشخص ينهي كل مطالبه من الحياة على نحو سريع ثم يشعر بعدم جدواها فيتخلص منها وخصوصا عندما ينعدم الدين وينمحي الإيمان.

أما في بلادنا العامرة كان الانتحار النادر مرتبط بأقصى درجات البؤس التي تخيلناها أن تنتحر فتاة بعد نوبة اكتئاب حادة، أو يعجز أب عن سد رمق صغاره فينهي حياته في النيل أو بحبل رديء الصنع في أحد أركان منزله، أو يتخلص شاب من روحه بعد ابتلاع شريط كامل من الدواء فتفشل محاولات إنقاذه.

وتتنوع ردود أفعالنا حيال ذلك.. فمنا من ينهي الكلام في الحادثة بالتذكير بحرمة الانتحار شرعا، ومنا من يعرج على الحكم الشرعي ثم يلتمس العذر بالحالة التي مر بها الشخص وأدت به إلى الانتحار لعلها تشفع له عند الله، وآخر يحيي هذا الفعل “الشجاع” ويحث عليه تخلصا من كل ذلك “الأرف” – أو مفردات أخرى للسب – الذي نعيشه، وتظهر كلمات اللوم والعتب للمحيطين بعدم الاهتمام بالأصدقاء أو متابعة أحوالهم إذا اختفوا وتقوقعوا على أنفسهم ويلف هذا الجو كله خليط من أسى ويأس مما وصلنا إليه.

حتى ظهر علينا “الانتحار الكاذب” وكأن الحقيقي لا يكفي لقتل ما تبقى فينا من حياة، ففقدنا صوابنا في رد الفعل، وتشابه علينا الحزن والسبّ، الفرح والشك، العتاب والخصومة وتلطخت قداسة الروح بوحل الشهرة وهوس التواصل الاجتماعي والعلاقات المزيفة، وما انتبهنا أن ما حدث أسوأ من الانتحار وأقسى من الموت..!

أي ضياع وصل إليه الإنسان ليفعل هذه الفعلة؟ أي مرض تلّبس بالقلوب ليأخذ بها إلى هذه الدرجة من الوجع الطائش؟ أي خيال أسود يمكن أن يرشدنا عن عمق القاع الذي يجذبنا إليه دون شفقة؟

ما الذي يوقف جزر القيم عن بر حياتنا حتى تكشفت كل العورات ووضح كل العوار؟!

ما أكثر استخدام المصريون كلمة “انتحر” بطريقة هزلية بجانب كلمات عديدة ككلمة المنطق مثلا، لكن لم أتخيل أبدا أن ينتحر الانتحار بسببنا في مصر، فلا تخرج قبل أن تقول سبحان الله، وإن لم تقلها فسنعلم أنك انتحرت.

(2) مسلسلات رمضان:

هل تشعر بابتذال العنوان الذي قرأته للتو؟ هل تأففت من رتابة نقد المسلسلات في رمضان منذ أن كان جيلنا في مرحلة الثانوية العامة وما يعادلها من شهادات؟ أدرك أن الضجة التي اصطنعت حول مسلسل “الضوء الشارد” قد بدأت تنشط في خلايا ذاكرتك، وأن التوقعات المؤلفة عن ماهية نهاية مسلسل ” الحاج متولي” قد ذكرتك في الحال بذاك الملل الممجوج، منذ ذلك الوقت ونحن ننعق بنفس الكلمات التي لا داعي لسردها الآن لا لشيء إلا لأني أريد أن أحظى بقراءتك لحروفي حتى النهاية دون أن تصاب بانقطاع في النفس بعد زفرة ضيق طويلة.

لا بأس، فقد علم المختصون بإعلامنا ودرامتنا بذلك كله، فلا يضيرك السيل اللانهائي لإعلانات المسلسلات حيثما وليت وجهك.

دع القلق وابدأ الحياة، فثمة مسلسل أشاد به الصهاينة واحتفلوا به معنا.. الحمد لله..!

وكل سنة بأه وإنت طيب..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد