لعبت القوي العلمانيه في مصر دورًا رئيسًا في صفوف المعارضة للرئيس السابق محمد مرسي، وإن كانت هذه المعارضة على حساب مبادئها وأخلاقياتها المزيفة في الأصل، فاتحدت القوى العلمانية مع رموز نظام مبارك الفاسد وساعدت الدوله العميقة، في إسقاط المسار الديمقراطي الذي أدي لفوز مرشح الإسلاميين في الرئاسة محمد مرسي والمؤسسات المنتخبة كالبرلمان الذي حظي بأغلبيه الإسلاميين أيضًا. من الواضح أن القوى العلمانية فضلت الاتحاد مع المؤسسة العسكرية المسيطرة على البلاد منذ حركة 23 يوليو (تموز) 1952، والتي كانت سببًا رئيسًا في الحال المتردي الذي وصلت إليه مصر وكانت القوى العلمانية في وقت سابق تتطالب بإسقاط حكم العسكر.
ولكن حين يتعلق الأمر بالإسلاميين قررت القوى العلمانية الاتحاد والوثوق في مؤسسة العسكر وكانت تداعيات هذا الأمر نسف المسار الديمقراطي فشلت القوى العلمانية بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في احتواء الشعب وكسب أرضية شعبية تسانده في الاستحقاقات الانتخابية التي شهدتها البلاد بعد الثورة وأدت إلى فوز ساحق للإسلاميين في هذه الاستحقاقات فقررت العلمانية عدم منافسة الإسلاميين منافسة شريفة، وبدأت بإقناع الناخبين ببرامجهم وأفكارهم عن طريق الهجوم على الإسلاميين والتشكيك في قدرة الإسلاميين على إدارة البلاد ووصفهم بالفشل فكان الخطاب السياسي للعلمانية بعد الثورة عبارة عن حزمة من الأكاذيب والافتراءات في الأخطاء والقصور التي وقعت فيها إدارة الرئيس مرسي. وتناسوا حالة التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي كانت تمر بها البلاد منذ انقلاب 23 يوليو 1952.
وعندما قرر العسكر القيام بالانقلاب على الرئيس المدني الوحيد المنتخب قام بتغيير الأساليب المعتادة في الانقلابات العسكرية، وقرر هذه المرة استخدام واجهة مدنية لتمرير هذا الانقلاب على أنه استجابة لمطالب شعبية، وذلك بعد تكوين أرضية شعبية تحت مسمى «حركة تمرد» التي اتضح فيما بعد أنها كانت ممولة من دول خليجية وغربية كانت ترى في المشروع الإسلامي خطرًا على الأمن القومي لبلادهم. فكانت القوى العلمانية هي الغطاء والواجهة المدنية المثالية لهذا الانقلاب، والتي كانت متمثلة في جبهة الإنقاذ الوطني، وبعد مرور الانقلاب قرر العسكر مكافأة العلمانية عبر تشكيل حكومة مدنية يقودها أحد الكوادر العلمانية في مصر، وهو الدكتور حازم الببلاوي وتعيين الوجه الأبرز في جبهة الإنقاذ الدكتور محمد البرادعي نائبًا للرئيس المؤقت عدلي منصور. وكان البرادعي معروفًا في هذه الفترة بأنه حلقة الوصل بين الإدارة الأمريكية المتمثلة في جون كيري وزير الخارجية والقوي المدنيه في مصر.
وكانت هذه الحكومة التي جاءت على ظهر الدبابات بدون أي استحقاقات انتخابية ذات سمعة سيئة إذ ارتكبت في عهدها الكثير من المذابح الشهيره بعد الانقلاب مثل مذبحه رابعة العدوية والنهضة ورمسيس وغير ذلك، وتم سن قانون التظاهر سيئ السمعة الذي نسف كل مبادئ الحرية التي كانت مبررًا رئيسًا لمعارضة القوى العلمانية لإدارة الدكتور مرسي كان مصير هذه الحكومة الفشل والإقاله وتلفيق التهم لإبراز رموزها واتهامهم بإهدار المال العام والفشل في إدارة البلاد، فكانت بداية الطريق للتخلص من القوى العلمانية، وجعلها واجهة لتبرير الفشل في الإدارة بعد الانقلاب لم يتخل العسكر تمامًا عن القوى العلمانية فقد كافأها أيضًا بجمعية تأسيسية لوضع الدستور الجديد بعذ الانقلاب تعيين رمز من رموز العلمانية، وهو الدبلوماسي عمرو موسى على رأس هذه الجمعية.
وسمح العسكر لهم بوضع هذا الدستور على هواهم وعلى أساس المبادئ الديمقراطية كما يدعون، ولم يتدخل العسكر في أي من هذه المواد، وأتاح لهم الفرصة كاملة لإبداء الرأي ووضع مواده على حسب هواهم العلماني، وتم تمرير هذا الدستور علي جثث المعارضين والمتظاهرين ضد هذا الدستور الذي ينسف المسار الديمقراطي. وعلى الرغم من أن العسكر لم يلتزم بمبادئ هذا الدستور وظهر هذا جليًا في حكومات السيسي التي رفضت تنفيذ الكثير من مواده خاصة فيما يتعلق بميزانية البحث العلمي والتعليم وقانون العداله الانتقالية، بالإضافه لعزل وزير الدفاع صدقي صبحي الشريك الرئيس للسيسي في انقلابه بالمخالفة للدستور، والذي ينص على أن وزير الدفاع محصن لمدة ثماني سنوات، إلا أن الضربة القاضية كانت هي التعديلات الدستورية الذي يشرع برلمان العسكر في تمريرها، فقد اتضح أن الجمعية التأسيسية والدستور الذي وضعه العلمانيون لم يكن إلا مسكنات للقوى العلمانية، وخطوة أولية لتثبيت أركان حكم العسكر. لم يسلم التيار العلماني من الصدام مع القوة العسكرية في نهايه المطاف فبعد أن قرر السيسي الترشح لرئاسة الدولة شعرت العلمانية بانتكاسة، وقررت الدفع بحمدين صباحي لمواجهه السيسي، ولم يسلم حمدين من هزيمة ساحقة في انتخابات هزليه غير مستوفية لأقل شروط الديمقراطية.
فكانت هذه المعركة المزيفة بداية للصدام مع القوى العلمانية في مصر. بدأ الصدام باتهامات القوى العلمانية للعسكر بالتفريط في التراب الوطني والتنازل عن جزء من سيادة مصر بالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير واقتحام نقابة الصحافيين والقرارات الاقتصادية الصعبة بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وتعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار وعدم احترام أحكام القضاء بخصوص مصريه تيران وصنافير وترحيب السيسي بصفقه القرن وتهجير الأهالي من سيناء ونزع ملكي الأراضي وبيعها لمستثمرين إماراتيين واستحواذ أجهزة المخابرات على معظم القنوات الفضائية والإعلامية، وتنفيذ سياسة الصوت الواحد للإعلام والتضييق على الصحافيين وغلق المواقع الإخبارية والتضييق على منظمات المجتمع المدني.
وصلت مرحله الصدام في نهايتها عقب مسرحية الرئاسة الثانية وإقصاء السيسي لمعظم المرشحين المعارضين والقبض عليهم والقبض على كثير من الرموز العلمانية والحزبية في مصر. ثم جاءت مرحلة التعديلات الدستورية لتنسف جميع أسس الديمقراطية وترسخ للديكتاتورية وتعلن وصاية العسكر على الدولة وبدأت القوى العلمانية الوصول لمرحله اليأس والانسحاب من المشهد السياسي أو الاصطفاف في معارضة هزلية لا تخرج عن طور الاستنكار والشجب، ومن المتوقع أن تندثر هذه القوى تمامًا لأن سياسات العسكر لا تسمح بوجود أي شريك في إداره البلاد لم تتعلم العلمانية الدرس ولم تدرك أن الدور قادم عليها لا محاله بعدما وضعوا أيديهم في اأيدي العسكر للقضاء على الإسلامين. فهل تقبل العلمانية بصفقه مع النظام الحاكم لتكون جزءًا من حكومة وبرلمان مصطنع.. أم تصل لمرحله الاندثار والسقوطً؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد