لا شك أن التاريخ البشري يشهد لنا بتشابه كبير بين الإنسان وبين الأمم، سواء في كون الاثنين يتشاركان في مراحل النشأة الجنينية أو الولادة أو النمو والتطور، وسواء كان ذلك في النهايات المؤذنة بالرحيل من الشيخوخة إلى الموت، وكما يخطئ الأشخاص تخطئ الأمم، وكما يجب عليه تصحيح أخطائه، فأيضا على الأمم أن تصحح مسارها بعدم التيبس خلف أخطائها٠

 

ولأن الأمم تمر بالحالات والمراحل المتعددة التي يمر بها الإنسان، حيث إنها تتشكل جنينيتها بفكر ورؤى وتطابق بين أعضائها، سواء في المعتقد أو اللغة أو الثقافة،وتعد هذه المرحلة من أخطر المراحل على حياة الإنسان, وكذا من أخطر المراحل على تكوين اللبنة التي تتحمل باقي البناء الأممي، فلابد لكل أمة جديدة من جامع أساسي متوافق عليه, تتشارك كل المكونات في الرضا به وقبوله، وجعله مرجعية للتحاكم أو التواصل أو التوافق، وكما أنه يمكن تشكيل البنية الفكرية والثقافية والاجتماعية للفرد، فكذلك يمكن تطبيق ذلك على المجتمع الواحد والمتنوع، وكما أن الإنسان قابل بطبيعته لقبول التغيير والتطوير، فالمجتمعات كذلك سواء على المستوى الثقافي والعقدي والسلوكي.

 

فمن هنا تبرز أهمية التحول في إدارة الصراع في الحالة المصرية من إرادة التصفير والاستئصال؛ والذي تتبناه السلطة الحالية ومؤيدوها، وكذا يتبناه بعض من المعارضة، لابد قطعا، وفقا للمعطيات المتعددة، والتي تنبئ باستحالة الاستئصال لأحد طرفي الصراع، سواء طرف السلطة ومؤيديها أو المعارضة والمنحازين إليها، فتحتم الالتفات الحقيقي لتصور ورؤية جديدة لإدارة هذا المشهد, وذلك بالتحول من تصفير الصراع بين السلطة الحالية ومعارضيها بتنوعاتهم المختلفة, سواء في ذلك المعارضة الثورية أو السياسة, إلى البحث عن تسوية واقعية، سيذهب إليها المتصارعان حتما في نهاية الطريق.

 

وفي قفز متعمد على أسباب الصراع، وتغاضيا مقصودا عن تحديد قدرات كل طرف من أطراف الصراع، وبعيدا عن قراءة السياسات المعتمدة لدى الأطراف، وأيضا مرورا على الإخفاقات والنجاحات التي حققها أو أخفق فيها المعسكران بدون تحليل أو تقرير، وفي تجاوز واضح لعدم الخوض في الواقع الداخلي سياسيا واقتصاديا أو الخوض في أثر المتغيرات الدولية والإقليمية على الأزمة المصرية؛ لأن كلا من هذه النقاط تحتاج إلى قراءات منفصلة أو أكثر تعمقا؛ لإيصال حقيقتها للمتابعين والمهتمين, فبعيدا عن كل هذا وذاك نصل مباشرة لطرح اللبنة التي يمكن أن تبنى عليها أية تسوية عادلة للأزمة المصرية, وتشكل ميلادا جديدا لوطن يسع جميع مكوناته، وبداية جنينية لأمة مصرية جديدة تحقق التوافق فيما بين مكوناتها المختلفة، وذلك بالتوافق على بنود واضحة محددة في عقد اجتماعي جديد.

 

عقد يلمس مواطن الخلاف ويتوافق على صيغة مرضية حولها، يتلمس مناطق التخوف والتشكك ويحسمها ببنود ضامنة، وينظر إلى مواطن الطموح والآمال ويخصها ببنود محققة، ويتعرض لمواطن الحقوق والقصاص والمظالم ويضبط تحقيق العدالة فيها، عقد اجتماعي يحقق المساواة في الحقوق والواجبات، ويحافظ على الحريات الأساسية والسياسية،و يراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية والدينية، ويمنع الإقصاء ويقطع الطريق على الاستحواذ.

 

عقد اجتماعي جديد يحقق الاستقرار الوطني والمجتمعي، ويضمن تداولا سلمي للسلطة، ويؤكد على تحقيق عدالة اجتماعية وانتقالية، وينظم العلاقة بين المؤسسات, ويعيدها لدورها الطبيعي الأصيل، كما هو في جميع الدول المتقدمة، تضمن بنوده سن تشريعات عادلة لا تصادم دينا، ولا تحارب مكونا من أبناء الوطن، مؤيدين أو معارضين، مسلمين أو غير مسلمين, يحوي بين طياته رسالة الوطن للعالم: أنها رسالة تواصل للحضارات، وليست تصادما، رسالة حوار، وليس عنفا وانعزالا, رسالة احترام متبادلة ومنافع مشتركة، وليس علاقة تبعية للاستعمار.

 

أعتقد أن عقدا اجتماعيا جديدا يتفق على بنوده ممثلو كل الأطراف، والمكونات الفاعلة وغير الفاعلة في المشهد المصري، بحيث تتم مراعاة كل أطياف الشعب المصري, وضمان حقوقهم في حياة كريمة آمنة, هو أحد المخارج المهمة من نفق الأزمة المصرية، يمكن أن يبنى عليه، ويمكن أن تجتمع المكونات المتصارعة حوله، ويمكن باتفاقهم عليه أن نشهد ميلاد دولة جديدة، هي دولة الحقوق والحريات ودولة الاستقرار والاستقلال

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد