النداهة أسطورة قديمة تزعم أن هناك جنية جميلة تنادي على ضحاياها أثناء سيرهم ليلاً بجوار الترع، وما أن يسمعوا صوتها حتى يفقدوا عقولهم فيتبعونها حيث تكون، ثم يظل صوتها يتردد في آذانهم فيذهلون عن العالم كله ويسيرون كالمجانين في الشوارع غائبين عن كل من حولهم.

ولقد صاغ يوسف إدريس نداهة المصريين في عصرنا الحديث في روايته العبقرية النداهة ليكشف ذلك الخطر الذي صار يهدد المجتمع المصري، وها نحن نرى تطوراته، فنداهة يوسف إدريس هي تلك المدنية الحديثة ذات الألوان المبهرجة التي تحوّل كل شيء إلى مادة، والتي نجحت في تحويل المجتمع إلى أفراد متناثرين يبحثون بكل نهم عن مصالحهم الخاصة ولو على حساب غيرهم، ثم يرتمون خارج حلبة المصارعة ليلتقطوا أنفسهم، فنسمعهم وهم يئنّون من فرط جوع روحهم إلى القيم، وإلى علاقة دافئة مع غيرهم تحميهم من صقيع المنفعة والمادة.

بدأ الأمر في بدايات القرن العشرين حيث كانت نسبة الحضر أقل بكثير من نسبة الريف، فكان الفلاحون يشكلون أغلبية المصريين، حيث كانت مصر دولة زراعية بالأساس تفتح باب الصناعة على استحياء، وكانت طبيعة المجتمع المصري هي الطبيعة الريفية المتأصلة في المصري القديم الراغب في البقاء بجانب الأرض التي هي محور الحياة، حيث يبني على أطرافها بيته الصغير ليجتمع فيه مع أسرته، فالكل لواحد والواحد للكل، يتشاركون الحياة بحلوها ومرها، فكان الفرد يشعر بالأمان في وجود من حوله، فمهما كانت تقلبات الزمن فلا محالة من وجود سند يستند الجميع عليه.

ثم صاحت نداهة المدنية الحديثة في أبناء الريف، فساروا خلفها مشدوهين لا يلوون، وكل فرد يسعى كي يجد له مكانًا في أحضان هذه النداهة، فازدادت رقعة الحضر على حساب الريف، وبدأ الزحف المقدس نحو المدينة، ولكن أبناء الريف جاءوا بقيم القرية التي تربوا عليها، وبأسلوب الحياة المعتاد.

لذلك لم يكن للمدينة أثر ساحق عليهم حيث احتفظوا بالروح الريفية القديمة، فسعى الأبناء لإقامة عائلة واحدة مترابطة من خلال الإنجاب بلا حساب، والحرص على التواجد معًا، والقيام بكل مظاهر وحدة العائلة حيث السكن في بيت كبير يجمع جميع أفراد العائلة بأزواجهم وأولادهم، والقيام معًا بالطقوس العائلية المعتادة كالاحتفال بالأعياد والمواساة في المصائب، ملتفين حول كبير العائلة المهاب الجانب صاحب القرار النافذ.

واستيقظت النداهة في عنفوان منذ منتصف السبعينيات، ولم تكتف هذه المرة بصوتها العميق، وإنما أبرزت كل أسلحتها ومفاتنها كي تجذب ضحاياها إليها، وبدأ عصر الترانزستور والبوتيكات والكولا، وتغيرت قيم النجاح، وصار المجد للفرد لا العائلة، ووجد كل فرد نفسه مدفوعًا كي يحقق مجده الشخصي ولو على حساب العائلة وترابطها.

وتعددت الطرق التي كلها تؤدي إلى التفرق والتشرذم، فهناك من تبع نداهة الخليج ونفطها، وهناك من تبع نداهة البزنس وذهبها، ومن لم يستطع هجر العائلة لعله يتخلص من قيودها التي تمنعه من اتباع النداهة وذهب للسكن في أقاصي المناطق الجديدة وحيدًا شريدًا ليس له من يحميه إلا نجاحه الشخصي، والذي هو نجاح مادي بالطبع.

وانشغل الأبناء بتحقيق نجاحاتهم الشخصية، ولكن أي نجاح هو؟ لقد كان لهذا النجاح سمات أبرزها نوع السيارة وماركة الثياب والنظارة الشمسية، وأنواع الأجهزة الكهربائية في المنزل، وألوان السيراميك، ومدى ما يشغل صدر الزوجة وذراعيها من ذهب، ويا حبذا لو جمع المرء بين نجاحي الدنيا والآخرة، فأطلق لحية أو ألبس زوجته الحجاب والنقاب، خصوصًا لو كان نجاحه خليجي، لعله يسكن جوعه الروحي وحاجته للحب والدفء والعائلة.

وفي رحلة تحقيق المجد الشخصي انشغل الأفراد عن قيمهم الريفية القديمة، وروابطهم الإنسانية المعطلة لانطلاقهم، فتحولت العلاقة بين الأفراد في الأسرة الواحدة إلى لقاء أسبوعي بعدما كانوا يقيمون معًا متساندين ومتشاركين كل لحظات الحياة سهلت أم صعبت، فكان لقاء أسبوعيًّا جافًا، وكان فرصة لكي يعرض كل فرد من الأفراد نجاحاته الشخصية ليثير غيظ الآخرين، ويثبت تفوقه عليهم.

 

ومن هنا برزت الحاجة للتقسيط والقروض والعمل في وظيفة ثانية والرشوة والفهلوة وكروت الائتمان والجمعيات وأعمال التجارة السريعة في السلع الاستهلاكية لتحقيق المكاسب السريعة، وعن طريق كل هذه الوسائل تمكن الأفراد ناقصو النجاح من استكمال شروط نجاحهم حتى لا يتركوا الفرصة لأقرانهم للتفوق عليهم.

ثم تم اختصار اللقاء الأسبوعي للقاء في المناسبات حيث كل الأوقات مشغولة لصالح تحقيق الأمجاد الشخصية، ثم الاكتفاء بمكالمات الهاتف، ثم الآن صارت التهنئة سطر مسجوع في رسالة جماعية على الفيسبوك والواتساب يرسلها صاحبها لمجموعة لا يشعر تجاهها بشعور المودة، لكنه يؤدي واجب التهنئة. هذا إن تذكرها من الأصل.

وتحققت الأمجاد الشخصية ولكن.. ماذا بعد؟

هناك بالطبع المزيد من الأمجاد، فالمصانع تقذف كل يوم في وجوهنا مزيدًا من السلع التي تشكل قيمتنا أمام الآخرين لمزيد من التنافس، ولكن عند حد معين بدأ الجميع في الأنين، ففجأة شعرنا أننا عراة بلا غطاء، وكل منا كشجرة ضعيفة في صحراء قاحلة تجتاحها عاصفة تقتلع الجبال، وعندما بحثنا عن البشر من حولنا لنستند عليهم ما وجدناهم، حيث امتلأت الصحراء بأمجادنا الشخصية؛ فلم يتبقَ مكان للناس فيها، فشعر كل منا أن الحامي الحقيقي هو المال، فهو المنقذ الحقيقي لنا من عاصفة الحياة التي تجتاح حياتنا.

فالمريض لن يجد سوى المال كمنقذ له وإلا فلا نجاة، والتعليم الحقيقي لن يكون إلا بالمال، حتى نجاح الحب يحتاج إلى المال كي يتحول إلى زواج، والأبناء الصغار لن نضمن مستقبلهم بعلاقات حميمية دافئة مع الأعمام والأخوال والأصدقاء، وإنما مستقبلهم مرهون بوديعة بنكية أو أساور ذهبية أو شقق فاخرة.

 

ولكن الروح ما تزال تئن، وما زال الحب والدفء سلعًا غالية لا تشتريها كنوزنا حتى ولو كانت لنا خزائن تنوء بحملها العصبة من الرجال أولى القوة، وربما تفلح النداهة لكي تشغلنا عن ذلك ببهرجها وزينتها، ولكنها في النهاية لم تروِ عطشنا لصدر نسند رأسنا عليه، أو ليد تربت على رأسنا في حنو، فالمال لا صدر له ولا يد ولا قلب.

 

إن تلك النداهة الزائفة ستظل تصرخ في آذاننا وتعمي عيوننا ما دامت أيادينا خالية من لمسة بشرية، والحل كل الحل في الهرب منها والعودة إلى العلاقات الإنسانية الحقيقية، حيث يكون الناس والأحباب والأقارب والأصدقاء هم السند الحقيقي والمجد الحقيقي.

 

إن الخلاص من النداهة لا يكمن في المال، وإنما يكمن في قلب يعشق ويد تحنو ووجه يبتسم وصدر يضم ويحمي، إن الخلاص من النداهة في عائلة مترابطة متساندة متحابة، وعلاقات قوية دافئة، وأصدقاء يأتوننا في صباح العيد بجلابيبهم البيضاء وابتساماتهم العذبة، لا برسائل الواتساب والفيسبوك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد