إن البداية تكمن في الموروث الاجتماعي الثقيل الذي ينجب أجيالا هشة نفسيا، وفارغة فكريا، كل من عاش في المجتمع المصري يدرك تماما ما هي أسوأ العادات الاجتماعية في مجتمعنا وأولها: عادات الزواج المصري .

فمنذ دخول العريس لمنزل العروسة، وتبدأ انتهاكات مادية لا حصر لها، بداية من المهر، مرورا بالعفش الباهظ المبالغ فيه، ثم النيش ومحتوياته الفاخرة، والذي يظل أعواما يأكله التراب لا يمس لغلو محتواه، ثم التكاليف الخيالية لليلة العرس ، وكلها أشياء تجعل من الزواج حلما جميلا لا يستطيع الاقتراب منه، إلا كل مقتدر، حيث يكافح الشاب منذ تخرجه من الجامعة حتى يستطيع تدبير كل هذه النفاقات الباهظة ليفوز بحبيبة القلب.

وهذا هو أهم أسباب العنوسة في مصر؛ حيث عزف الكثيرون عن فكرة الزواج، ولأن المورثات الاجتماعية لا تنتهي فينتهي حلم الزواج بكارثة، هل حدث حمل؟

وكأنه شيء مؤكد حدوثه بنسبة 100% رغم تأكيد الأطباء أنه يحدث كل شهر بنسبة 20% فقط, فيسقط قناع السعادة وتبدأ الأسئلة المتكررة التي تزيد من توتر وارتباك العروسين، وكأنهم في مارثون، وما يلبسون أن ينجبوا ويتنفسوا الصعداء حتى نبدأ في مارثون آخر: وهو متي ستنجبون الطفل الثاني، فإذا كان الأول  بنتا كان المارثون شديدا حاميا، وإذا كانت بنتا فلا تهدأ الأقوال، وكأن الأم المصرية اكتسبت صفة الأرنبة في كثرة الإنجاب.

فكل التفكير مركز منذ بلوغ الفتاة على الزواج، ثم الانجاب، ثم تتناسي الفتاة كل أحلامها السابقة؛ فهي في صراع مع كل شيء: مع أولاد، ووقت، وزوج، وعائلة، وتنسي تحقيق كيانها وذاتها.

وفي نفس الوقت يواجهه الزوج في جبهة أخرى: جبهة المادة، ومع ارتفاع الأسعار وصعوبة المعيشة يعمل الزوج أكثر من عمل، فيعود منزله متناسيا دوره الأبوي مكتفيا ببعض الحلوى للأولاد، بعد يوم عمل شاق، ويتناسى أيضا  حق زوجته: فهي بعد حلم الزواج، حلمها من يشاركها ويؤنسها في عالمها الخاص.

فتصبح الزوجة أمام راجل بنصف عقل، لا يستطيع مع الضغوط التي يواجهها أن يهتم بها، فتدور وتدور داخل الكثير من الدوائر المغلقة من الإحباط والكبت والاكتئاب، والمحصلة أبناء غير مستقرين نفسيا؛ لأن أباهم وأمهم لم يستطيعا إسعادهم، فكيف سيبثون إليهم السعادة، ويخرج الأبناء إلي المجتمع محملين بكل هذه الموروثات، بدون إعمال للعقل، ويموت الزوجان بعد عمر مليء بالصراعات، فكل الاتجاهات وكل أهدافهما تبتعد كلما ظنوا أنهم اقتربوا منها.

وهكذا أصبحت موروثاتنا الاجتماعية جزء من كل الأشياء التي تضغط علينا وتنسينا أنفسنا وتنسينا كيف نشعر بالسعادة، وتجعلنا لا نفكر في القيم التي نزرعها في أبنائنا، فقط نلبي احتياجاتهم المادية، أما الاحتياجات النفسية فإننا نغفلها تماما، فحصل المجتمع على جيل من شباب أقل ما يقال عنه: إنه شباب القنبلة الموقتة، وقد تخلي تماما هؤلاء الشباب عن كل القيم الأصيلة، وترسخ في أذهانهم كل ما هو سيئ، وهذه قد تكون بداية النهاية, وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, زواج, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد