ما طار طير وارتفع فأممه عبد الناصر فوقع

كان هذا شعارًا عرفه الناس في فترة جمال عبد الناصر الاستبدادية، نظرًا لأن كثيرًا منهم كان يعرف أن  النجاح في مصر صعب جدًا في فترة جمال وتأميمه المشروعات الخاصة التي تتبع الدولة.

إحدى القصص المصرية التي انهارت من حكمه وتم تأميم شركتهم الناجحة هو أحد أبطال الزجاج المصريين صاحب شركة أتوبيسات النقل العام.

محمد سيد ياسين: بطل صناعة الزجاج في مصر

كان والده سيد بك ياسين من كبار مقاولي مصر، وعندما مات ترك له دينًا قدره 30 ألف جنيه، وهو رقم ضخم بأرقام بدايات عام 1900، واستطاع السداد، رغم أن كل هذه الديون ضمانات لأصدقاء امتنعوا عن الدفع.

في فبراير (شباط) عام 1921 خرج من محطة قطار القاهرة قادمًا إلى الإسكندرية، يحمل حقيبة ثقيلة والمطر لا يتوقف، والطين يملأ الشوارع، وعربات ترام متوقفة بسبب إضراب العمال. ولم يكن أمامه سوى الإشارة إلى عربة حنطور، لكن صاحبها طلب منه سبعة أضعاف الأجر المعتاد. وسأل نفسه ماذا يفعل الفقراء الذين لا يملكون المال؟

في هذه اللحظة قرر ياسين أن تكون هناك لأول مرة وسائل نقل عام رخيصة لنقل الركاب. وحول عددًا من سيارات النقل إلى أتوبيس. في البداية كانت الناس خائفة، وظل شهورًا يتحمل الخسارة حتى وثق فيها الركاب ونجحت الفكرة. لكن احتكار الأجانب ملكية وسائل النقل، وتضامن الإنجليز معهم، جعل الحكومة وقتها تسحب الترخيص وتعطيه لشركة إنجليزية، تعويضًا للرجل.

لم ييأس ياسين، وكما جاء في كتاب «عاشق الزجاج»، والصادر عن وزارة الاستثمار، قرر تأسيس صناعة الزجاج، في أوائل الثلاثينيات، حيث كان يتم الاكتفاء بالاستيراد. سافر إلى أشهر مراكز صناعة الزجاج في أوروبا، واستعان بخبراء لتعليم المصريين الذين كانوا هم الأشهر في هذه الصناعة منذ الفراعنة.

تجربة نجاحه

وظل الرجل المغامر يخسر سنواتٍ، حتى خرج أول منتج وهو «اللمبة الجاز» وكانت وسيلة الإنارة الوحيدة وقتها. وتبعتها الأكواب والأدوات المنزلية، وأصبح اسم زجاج ياسين أو مصانع ياسين هو الأشهر في مصر.

 

أوائل الستينيات تم تأميم مصانع ياسين للزجاج، وهو الرجل الذي وصفه الصحفي الكبير الراحل أحمد بهاء الدين بأنه «أحد زعماء الوطنية الاقتصادية في مصر»، وكانوا يصرفون له راتبًا شهريًا لا يكفي ثمن علاجه. وتم تهميشه ونبذه حتى وفاته.

بيع القضية والاستسلام أم قوة البقاء؟

لهذا لم يفكر كثيرًا عندما عرضت عليه الحكومة تعويضًا فوريًا بـ16 ألف جنيه أو خسارة كلية مادية وقضايا قد تدوم مئات السنين من أجل عودة الحياة مرة أخرى لمشاريعه.

البحث عن الحياة في وسط الظلام

في غرفة خفير منزله، وقف ياسين أمام لمبة الجاز البلجيكية، متسائلًا عن تاريخ صناعة الزجاج، وكيف كان للحضارة المصرية القديمة دور في ازدهارها، «وفقًا لتقرير صادر عن الحكومة المصرية في مطلع 1928، كانت مصر تستورد من الخارج جميع ما تحتاج إليه من زجاج»، كانت أفكار ياسين لإعادة إحياء المنتج المصري بمثابة تحدٍّ لمزاعم «اللورد كرومر» تجاه الشعب المصري، وكعادته نفذ أولى خطواته فور اكتمال المشروع في رأسه، ذهب إلى أوروبا وزار مصانع الزجاج، درس كل ما يؤهله للعمل في تلك الصناعة، وأحضر للقاهرة خبراء يساعدونه في تحقيق حلمه، إنشاء أول مصنع زجاج في مصر والشرق الأوسط.

لا فرق بين محتل وحاكم إلا في ضمائرهم

ربما لست أحلم بوطن غريب عصي عن التحقيق، ربما لا يختلف زمن عبد الناصر عن غيره من الحكام المستبدين. لا يختلف حكام محتلون أو من شخصيات في الوطن وجنسيته وديانته ولونه ومعتقده، ربما الفارق فقط ضمير إنساني بحت، الباحث عن فرصة نجاح في كومة قش. لا تستطيع أبدًا أن تنسى صاحب كولونيا خمس خمسات، لن تستطيع تفريق ومعرفة شخصيات الذين صنعوا علامة تؤثر في تاريخ مصر الحقيقي وسط زيف الخداع والخيانة والحروب. وسط الشعوب المنتصرة التي تكتب تاريخها وتحتفي بشخصيات مزيفة. أزيلوا ركام الأتربة من على أجساد الحقيقية. ودعوا التراب على أجساد الذين احتلوا عقولكم بزيف وخداع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد