تحدث موشيه يعلون، وزير الدفاع اللإسرائيلي، قبل 14 عام وفي مطلع الانتفاضة الفلسطينية الثانية “انتفاضة الأقصى” عندما كان يشغل منصب “رئيس الأركان” عن ضرورة استخدام سياسة “كي الوعي” للمجتمع الفلسطيني، الذي يشكّل الحاضنة الشعبية للمقاومة، كإجراء فعّال لردع المقاومة وإيقاف الانتفاضة، والعودة لحالة الهدوء النسبية التي سادت بعد قدوم السلطة وقبل دخول شارون المسجد الأقصى.

وتقوم سياسة “كي الوعي” على استخدام القوة المفرطة، وتوجيه الضربات القاسية للشعب الفلسطيني لدفعهم إلى الإقرار بالعجز عن الانتصار على إسرائيل عسكريًّا، أو حتى إكراهها على تقديم التنازلات تحت الضغط العسكري والأمني، وعبّر يعلون نفسه، في العام 2008 –أثناء الحرب على قطاع غزة- بصورة أوضح عن المصطلح الذي اخترعه بقوله “ينبغي إجبار الفلسطينيين على الإدراك في أعماق وجدانهم بأنهم شعب مهزوم”!

إزاء تلك السياسة[1]، انقسم الشعب الفلسطيني وأحزابه السياسية إلى معسكرين، أحدهما ينادي فعلًا بضرورة إيقاف المقاومة، واللجوء إلى طاولة المفاوضات كخيار وحيد وأخير، وآخر ما زال متمسك بالمقاومة كأسلوب لا انفكاك منه، رغم مضي أكثر من عقد على استخدام إسرائيل لسياسة كي الوعي، وتوحيد جهود أذرعها العسكرية والأمنية، فضلاً عن الإعلامية لتحقيق الهدف المنشود.

هذا تماماً ما يستخدمه النظام المصري في معرض مواجهته للحراك الثوري المناهض للانقلاب، فعلى الرغم من إدراك بعض عقلاء معسكر الانقلاب أن فض اعتصامي رابعة والنهضة، والاستخدام المفرط للقوة سينعكس سلبًا على الصورة الخارجية للنظام، إلا أنهم أذعنوا لتلك الممارسات رغبةً منهم في بث العجز في “العقل الجمعي” للثوار عن مواجهة الدولة التي تملك القوة، والقوة المفرطة، ولا تتردد في استخدامها، واستمر النظام في سياسته المنشودة لتحقيق هدفه، فاعتقل الآلاف ومن جميع المحافظات والقرى، وفعّل سياسة التصفية الميدانية والقتل في المعتقلات ليس خوفًا من تأثير المعتقلين، بقدر ما هو إيصال رسالة عن المصير الذي ينتظر مخالفي النظام.

كما أطلق جيش من الإعلاميين والفنانين لتغذية أهدافه، فهاجموا الثوار ومناهضي الانقلاب، وحمّلوهم مسئولية عدم الاستقرار، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتتابعة التي وقعت بها مصر، إضافة إلى اختلاق بحر من الأكاذيب التي من شأنها عزل التضامن الشعبي عن الطرف الآخر، كما سعى لاستخدام مصطلح “الإرهاب” في وصف معارضيه؛ لحشد الوعي العالمي، بمساعدة الدول الداعمة للانقلاب، في اتجاه الموافقة على سياساته، وممارساته، واستغل الأحداث العالمية، كعمليات باريس، ونشاط داعش، لدعم سياسته، إضافة إلى حديث الإعلاميين المتكرر عن دور “الإخوان” ومعارضي الانقلاب في دعم الجماعات المسلحة في سيناء، والتي تشكّل خطرا على المنطقة.

تلك الممارسات، وأخرى لا مجال لحصرها، وإن كانت تبدو مسيئة للنظام إلا أنه لا يأبه بذلك، في سبيل تحقيق هدفه المنشود، وعزل الشعب المصري عن الثوار كخطوة أولى، وصولًا إلى بث العجز في نفوس الثوار عن القدرة على مواجهة هذا النظام، فضلًا عن الانتصار عليه، وبالتالي ينبغي على الثوار في مصر، ومناهضي الانقلاب التغلب على ممارسات النظام، وقطع الطريق عليه، ومواجهة سياسة “كي الوعي”[2] من خلال “نصائح كتبها الدكتور محسن صالح للفلسطينيين لمواجهة سياسة كي الوعي الإسرائيلية، تم إسقاطها على الحالة المصرية”:

  • التمسك بالأهداف العليا والحفاظ عليها والتذكير بها دوماً من خلال وسائل الإعلام المختلفة.
  • إفساح المجال للنقد الذاتي ومراقبة الأداء والمحاسبة على التقصير، والالتصاق أكثر بنبض الجماهير.
  • عدم الاغترار ببعض المكاسب السريعة ذات الطبيعة المظهرية كالاتصالات والعلاقات السياسية، وبعض أشكال الدعم المادي والاحتضان مدفوعة الثمن.
  • التفريق بين الفرص المتاحة والفخاخ القاتلة، والتعرف على نقاط ضعف النظام والأزمات التي تعصف به، واستغلالها في حشد الرفض الشعبي له.

في النهاية يشار إلى أن بقاء الحراك الثوري نشط في شوارع مصر هو الهدف غير الوحيد لقادة معسكر الثوار، فالمظاهرات وحدها لن تفضي إلى سقوط النظام أو عودة الشرعية، النظام ضعيف منذ الساعات الأولى للانقلاب، ولكنه سعى لإضعاف المعارضة حتى باتت أضعف وأكثر هواناً منه، فالحل يكمن بتوحيد الجهود وإيجاد كيان معارض قادر على الإطاحة بالنظام المتهالك، وسد الفراغ مكانه.

_________________________________________________________________________________________________

[1] المصطلح وإن كان قد استخدم أول مرة على لسان يعلون في العام 2002 إلا أنها كسياسة إسرائيلية في تعاملها مع أعدائها قد رافقتها منذ تأسيسها، 1948م، والانقسام الفلسطيني (المقاوم والمفاوض) بدأ قبل انتفاضة الأقصى بسنوات، منذ كامب ديفيد الأولى، لكنه تطوّر بصورة ملحوظة بعد الانتفاضة.

[2] نصائح كتبها الدكتور محسن صالح للفلسطينيين لمواجهة سياسة كي الوعي الإسرائيلية، تم إسقاطها على الحالة المصرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد