تؤدي الخلافات السياسية المعاصرة دورًا كبيرًا في تزييف الماضي وتشويهه، ويُستخدم التاريخ بوصفه أحد أسلحة الصراعات السياسية القائمة. ومن هنا فقد أدت الخلافات المصرية التركية المعاصرة دورًا فاعلًا في تشويه الدولة العثمانية والإساءة إليها.

الدولة العثمانية حمت مصر من الاحتلال البرتغالي:

يعلم كلُّ دارس للتاريخ أن الفتح العثماني لمصر كان حمايةً لها من البرتغاليين، الذين وصلوا إلى الهند بعد اكتشافهم طريق رأس الرجاء الصالح سنة 904هـ/ 1498م، ثم أرسوا سنة 1502م حملة مكونة من خمس سفن حربية للإقامة الدائمة عند مدخل البحر الأحمر، وهو ما اعتُبر تهديدًا مباشرًا لمصالح الدولة المملوكية في مصر والشام، وقد تمادى البرتغاليون في حربهم؛ فعملوا على مهاجمة السفن العربية ومنعها من مزاولة النشاط التجاري في مياه المحيط الهندي إلا بتصريح من البرتغاليين.

ولقد حفظ لنا المؤرخ المكي قطب الدين النهروالي رواية مهمَّة عن ظهور البرتغاليين في المحيط الهندي والبحر الأحمر، فكتب يقول: «وقع في أوَّل القرن العاشر (ابتداءً من عام 1495) من الحوادث الفوادح النوادر، دخول البرتغال اللعين من طائفة الفرنج المَلاعين إلى ديار الهند، وكان طائفة منهم يَرْكَبُون من زقاق سبتة (مضيق جبل طارق)…  إلى أن خلص منهم غُرَاب (سفينة صغيرة) إلى الهند، فلا زالوا يتوصَّلون إلى معرفة هذا البحر إلى أن دلهم شخص ماهر من أهل البحر، يقال له أحمد بن ماجد صاحَبَه كبير الإفرنج، وكان يقال له الأملندي (أي الأميرال)، وعاشره في السُّكر، فعلمه الطريق في حال سكره، وقال لهم: لا تقربوا الساحل من ذلك المكان (أي الساحل الإفريقي) وتوغَّلوا في البحر ثم عودوا (أي إلى ساحل الهند) فلا تنالُكم الأمواج، فَلَمَّا فعلوا ذلك صار يَسْلَمُ من الكسر كثيرٌ من مراكبهم، فكَثُروا في بَحْرِ الهِنْدِ… فصاروا يَقْطَعُونَ الطريق على المسلمين أسرًا ونهبًا، ويأخذون كلَّ سفينة غصبًا، إلى أن كَثُرَ ضَرَرُهم على المسلمين، وعَمَّ أَذَاهُم على المسافرين، فأرسل السلطان مظفر شاه سلطان كجرات يومئذ إلى السلطان الأشرف قانصوه الغوري يستعين به على الإفرنج، ويطلب العدد والآلات والمدافع؛ لدفع ضرر الفرنج على المسلمين… لكثرة ضرر الفرنج بالمسلمين في بحر اليمن وبنادرها، وتواتر أذاهم، وضعف جنود المسلمين في بحر اليمن عن مقاومتهم» أهـ [1]

إذن تصاعد الخطر البرتغالي على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وعجز المماليك عن صدِّهم بعد تدمير الأسطول المملوكي في معركة ديو البحرية فبراير (شباط) 1509م. وقد رأى علماء الدولة العثمانية ضرورة ضم الشام ومصر وحماية الأماكن المقدسة من خطر البرتغاليين.

البرتغاليون خططوا لتخريب مكة المكرمة ونبش قبر الرسول بالمدينة المنورة:

يذكر د. عبد العزيز الشناوي أن البرتغاليين قد وضعوا مخططًا صليبيًّا خطيرًا، تمثل في دخولهم البحر الأحمر واستيلائهم على جدة ثم الزحف منها على مكة المكرمة لهدم الكعبة المشرفة، ثم مواصلة الزحف منها على المدينة المنورة لنبش قبر رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ومواصلة الزحف بعد ذلك إلى تبوك وصولًا إلى بيت المقدس، حيث المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وكان الشريفُ بركات، أمير مكة المكرمة، قد ارتاب في ثلاثة أشخاص تسللوا إلى مكة المكرمة وكانوا يحومون حول المسجد الحرام متظاهرين بأنهم مسلمون، ويرتدون زيَّ العثمانيين، ويتكلمون العربية والتركية، فأمر بالقبض عليهم، وبالكشف على أجسامهم اتضح أنهم مسيحيون لأنهم كانوا بغير ختان، وباستجوابهم اتضح أنهم جواسيس برتغاليون بعثتْ بهم سلطات لشبونة ليعملوا أدلاء للجيش البرتغالي الصليبي عند دخوله مكة، وقد تم اعتقالهم وبُعث بهم إلى السلطان الغوري، وقد وقع هذا الحادث في عام 1510م، أي قبل الفتح العثماني لمصر بسبع سنوات فقط. [2]

ويذكر د. زكريا سليمان بيومي أن عرب المشرق استغاثوا بالسلطان العثماني سليم الأول، حين استفحل الخطر الصليبي البرتغالي، وعجزت حكومات المنطقة العربية في التصدي لهم، حتى كتب قاضي «بجاية» وغيره من الفقهاء إلى السلطان العثماني قائلين: «إن بلادنا لك أو للذئب» أهـ [3]؛ أي إما الفتح العثماني وإما الاحتلال البرتغالي ولا مناص.

هذه حقائق تاريخية ثابتة بأقلامٍ معاصرة لهذا الفتح العثماني، ولا يجادلُ فيها منصف، ولكن للخلافات السياسية مذهبًا آخر في سرد التاريخ وتفسيره، ولعلنا حين تتحسن العلاقات السياسية نسمع رواياتٍ أخرى ونقولاتٍ مغايرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد